كتاب الظلال.. (العنوان: ظل الانتظار)

*العنوان: ظل الانتظار..

وقت الظهيرة..ساعتي المفضلة حقاً، ففيها تبدو الظلال في أبهى حلة وأفضل وأوضح شكل، وتتخذ الشكل الحقيقي لمصدرها من دون ألاعيب الظلال تلك..
جالس أمام ذلك المكان الغامض الذي أتلقي فيه (كورسات) التشريح، منتظراً ذلك الفتى (شريف)..كنتُ قد اتفقت معه بالأمس على اللقاء ها هنا في الثانية عشرة، وها هنا أتيت مبكراً أنتظر، غير قادر على التخلي عن عادتي الغبية في المجئ باكراً دائماً!!
بدأت أتأمل الشارع وظلال الشارع حولي في ملل فوقع بصري على عمود حديدي قصير منتصب أمامي..كان الوقت ظهراً كما أسلفت، فحاولت تخمين الوقت من خلال ظل العمود على الأرض..تعرف أنت لعبة الظلال اللطيفة تلك، حين يكون الوقت ظهراً يبدو الظل كأنه عقرب ساعة عملاقة تشير إلى الوقت وإن لم يكن بدقة كبيرة..
استمررتُ أتأمل الظل برهة من الوقت..تأخر (شريف) كثيراً حقاً..ذلك الـ..!! لا بأس، سأنتظره مهما طال الوقت..

الانتظار بالنسبة لي لم يكن مشكلة كبيرة حقاً سواء الآن أو فيما مضى..لطالما انتظرت قدوم أو حدوث الكثير من الأشياء طوال حياتي القصيرة، بعضه حدث وبعضه لم يفعل..لطالما كنتُ طفلاً أحمق غير صبور ولا أحب الانتظار، حتى اكتشفتُ أخيراً أنه لا شئ يأتي بهذه السرعة التي أريدها، بل وربما بدأتُ أستمتع بالانتظار في بعض الأمور!
يقولون: (وقوع البلاء ولا انتظاره!)..بصراحة أظن أن معهم حق في هذا، ولكن ليس في كل شئ..أنت -بالتأكيد- لا تحب أن تنتظر وقوع مصيبة تعلم قدومها، فوقع ذلك عليك أشر من وقع المصيبة ذاتها!
أحياناً يكون ما أنتظره يستحق الانتظار فلا أندم حقاً على الوقت..وأحياناً يكون غير مستحق، فأعض أصابعي ندماً على كل دقيقة أضعتها في ذلك الانتظار..حينها أعزي نفسي بذلك القول الواهي بأن الإنسان يتعلم من أخطائه، وأن الإنسان لا يتعلم بسهولة..ولكن حتى هذا لا يقنعني ولا يعطيني مبرراً كافياً حتى لا أقتل نفسي ندماً..
لابد أنك تعلم أن الانتظار -أحياناً- يكون عذاباً قاسياً مؤلماً، خاصة إن كان عذاب انتظار حبيب أو عزيز عليك..حينها تود لو تعبر الأميال وتخترق حدود المكان والزمان لتصل إليه..
خلال السنوات التي مضت، اكتشفتُ أنني أحياناً أفضل أن أبقى منتظراً ما أنتظره على أن يأتيني! فأوقاتاً أبقى منتظراً شيئاً أو شخصاً ما أحبه وأتمنى مجيئه، وأبقى أعد الدقائق والساعات والأيام وربما الشهور منتظراً مجيئه..فإذا جاء أخيراً أكتشف أنني أبددتُ كل مشاعر شوقي لذلك الشئ أو الشخص، فقط منتظراً إياه..!

باختصار، تعلمتُ أن لا أكره الانتظار وفي نفس الوقت ألا أحبه..فقط عليّ أن أنتظر في صبر، فإن أتى ما أنتظره فبها ونعمت وإن لم يأتِ فلا بأس، فها قد ضاع المزيد من وقتي في حماقة كالعادة..!
أفقتُ من أفكاري لأجد نفسي ما زلتُ محدقاً في ظل ذلك العمود على الأرض، لأجده قد تزحزح بضع ملليمترات عن مكانه السابق..إذاً مضى الكثير من الوقت -حوالي ربع الساعة أو أكثر قليلاً- وأنا مستغرق في أفكاري البلهاء تلك! ها هو ما كنتُ أتحدث عنه: مزيد من وقتي يضيع في حماقة كالعادة..!
ولم يلبث ذلك الـ(شريف) أن وصل أخيراً، فرحبتُ به بابتسامتي البلهاء المعتادة وأنبته مازحاً على تأخره، ثم بدأنا نسير معاً متوجهين إلى حيث كان ذاهباً هو..
وقبل أن أمضي، ألقيتُ نظرة أخيرة على ظل العمود، ثم ابتسمتُ لا أدري ساخراً من نفسي أو سعادة بانتهاء انتظاري..
ضاع الكثير من وقتي في الانتظار..ولكم أتمنى أن لا يضيع المزيد من وقتي في مزيد من الانتظار، انتظار أن يتزحزح ذلك الظل الخافت على الأرض، معلناً ضياع المزيد من الوقت..أتمنى ذلك حقاً..
(وإلى صفحة أخرى بإذن الله..)
محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s