كتاب الظلال.. (العنوان: ظل الضمير)

*العنوان: ظل الضمير..

لابد أنك تعرف أيام الإمتحانات، تلك الأشياء البغيضة التي هي كالموت لابد آتية مهما طالت السنة، وبالتأكيد تعرف الأيام العصيبة التي تسبقها..وهي لعَمر الله لا تختلف أياً كانت مرحلتك الدراسية، سواء كنت في الابتدائي أو الثانوي أو كلية الطب أو الهندسة أو حتى التجارة أو المعاهد الفنية بأنواعها! صدقني، ليس هناك من كائن حي في بلدنا هذا مقيد لأي مرحلة تعليمية لم يعانٍ ذلك الكابوس الأبدي..

وأنا للأسف من هؤلاء بالطبع بحكم كوني طالب طب، لذا تجدني الآن جالساً إلى كتاب التشريح أطالع الكلام الغامض لرئيس القسم عن الفك والعضلات المتصلة به وما يصلها من شرايين وأعصاب إلخ..محاولاً قدر إمكاني الإبقاء على بعض ما أقرأ في ذهني..

فجأة وجدت نفسي وصلت لآخر بضع صفحات في الكتاب! سبحان الله! لم أتخيل أنني انتهيت من كل ذلك بهذه السرعة..خمس صفحات فقط..خمس صفحات..لِمَ لا أقوم إذاً بعادتي الأزلية في إغلاق الكتاب عند هذه النقطة وأعتبر نفسي قد انتهيت..؟ هممتُ بإغلاق الكتاب بالفعل، لولا أن توقفت قبلها بلحظة وقررتُ فجأة أن أكمل تلك الصفحات الخمس..!

بالتأكيد سيبدو للبعض تصرفي هذا حماقة..أعرف هذا جيداً..لكني ببساطة لم أستطع أن أفعل العكس..لم أستطع أن لا أكمل عملي ولا أتقنه..ربما كنتُ كسولاً أحياناً ولكني لستُ أحمق لا يكمل عمله إلى النهاية..

ولكن، لماذا؟ ماذا دفعني لذلك؟ وما الذي يدفعني أصلاً لأن أفعل ذات الشئ طوال حياتي؟ لماذا؟

أظنه هو ذلك الكائن الحي الذي يدعى الضمير..ذلك الكائن الذي يكون عند البعض يقظاً دائماً لا يغفل ولا ينام لحظة إلا إذا مات صاحبه، ويكون عند البعض الآخر جثة هامدة تنهشها نسور ظلام القلب..إنه ذلك الكائن الحي الذي يجعل الطالب يجلس ليستمع باهتمام إلى محاضرة ما دون أن ينام أو يتحدث مع جاره أو يعبث في هاتفه..ذلك الذي يجعل عاملاً في متجر يسرق المتجر ويفر هارباً بينما هو يعلم تمام العلم أن صاحب المحل مسافر..ذلك الذي يجعل طبيباً يكتب الروشتة لمريضه دون أن يفكر أن يكتب اسم دواء آخر أعلى سعراً طمعاً في حفنة جنيهات..ذلك الذي يجعلك لا تأكل من صلاتك بينما تصلي، ويجعلك تعيد أمانة استأمنك عليها أحدهم إليه كاملة غير منقوصة، ويجعلك لا تفتح مواقع قذرة على الإنترنت وإن كنت وحدك في غرفة مغلقة ولا أحد حولك..باختصار أكثر: إنه ذلك الكائن الحي الذي بدونه لصارت حياتنا ساحة قتال ضخمة..!

وما مصدر ذلك الضمير..؟ ما الذي خلق داخلك ذلك الكائن؟ أسباب كثيرة هي..ربما خوفك من الله السميع البصير أن يحاسبك على ما فعلت في يوم مقداره خمسين ألف سنة..ربما هي تربيتك..ربما هو حكم العادة ليس إلا، مجرد أنك اعتدت أن تتقن ما تفعل..ربما كان خوفك من الحساب سواء كان من والديك أو صاحب العمل أو أهل المريض أو ممن استأمنك على أمانته أو حتى من والدك الذي سيعرف بطريقة ما أنك تصفحت تلك المواقع!..المهم أنه موجود وأنه هناك..

ترى، من أنا بين كل هؤلاء؟ بل هل ما زال ذلك الكائن حياً داخلي..؟ أظنه كذلك إن لم أكن مخطئاً، وإلا لماذا لم أغلق الكتاب ببساطة وأدخل لأنام؟!

هذا ما أتمناه حقاً..فلست أرغب أن ألقى ربي حاملاً ذلك الذنب غير عالم كيف أبرر ما فعلت..

حسناً، لا بأس..أياً كان ذلك السبب سأتابع حتى أنتهي..وسأبقى كذلك حتى أتيقن أن ذلك الكائن المدعو الضمير ما زال يلقي ظله على كل ما أفعله..

(وإلي صفحة أخرى بإذن الله..)

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s