كتاب الظلال.. (العنوان: ظل المبنى)

العنوان: ظل المبنى..

شرع الموظف التي كنتُ ماثلاً أمامه يدون بضع كلمات في ورقة بيضاء ناصعة البياض، ثم طلب مني أن أوقع باسمي في نهاية الورقة لأذهب بها إلى موظف آخر ليستخرج لي (كارنيه) جديداً للقسم بدلاً من الأول الذي فقدته لسبب ما..أخذتُ الورقة منه وتوجهت بها إلى حيث أشار وأنا أتأمل خطه المخيف ذاك! سبحان الله، دائماً تجد خط يد كل الموظفين الحكوميين متشابهاً كأنما يرسمونه رسماً ولا يكتبونه..لهذا السبب تجد أي موظف يرغب في التغيب عن عمله في يوما يطلب من زميل له أن يوقع بدلاً منه في دفتر الحضور؛ فلا أحد سيلحظ الفرق ولا أحد سيعرف خط يد من هذا، فكلها متشابهة على أي حال..!

المهم أنني انتهيتُ من أعمالي في الكلية لذلك اليوم فحملت حقيبتي الأبدية وهبطت درجات السلم خارجاً من مبنى الكلية..عند بوابة الكلية التقيتُ بـ(جلال) صديقي اللدود (!) والذي لا يهوى من هذه الحياة سوى ثلاثة أمور: القراءة والاكتئاب وأحياناً الرزالة على خلق الله!

تمشيتُ معه حتى مدخل الكلية الأبعد فطلب مني أن أنتظره هنالك بينما يذهب لشراء شئ ما من متجر خارج الكلية..لذا وقفتُ منتظراً إياه بينما أداعب أزرار هاتفي المحمول في ملل..

قررتُ في لحظة ما أن أتوقف عن ما أفعله لأنظر إلى مبنى الكلية..لا يبدو مبنى ضخماً في الواقع، بذلك التصميم العتيد على شكل حرف (سي) والذي يشعرك أن قريحة مهندسي المعمار في مصر نسيت التصميم المعماري ولا تذكر منه سوى ذلك التصميم..!

كم قضيت من سنوات أدرس الطب في هذا المبنى؟ عامان ونصف وربما ثلاثة..رغم أنني في السنة الثانية رسمياً إلا أنني رسبت عاماً في الكلية فاضطررتُ آسفاً للبقاء في السنة الأولى عاماً آخر..

رغم أن هذا المبنى قد يبدو لمن لم يدخله مجرد مبنى عادي، إلا أنه يبدو لي دائماً كأنما هو كائن حي نابض بالحياة..وفي كل عام قضيته في هذه الكلية كانت لي وجهة نظر مختلفة فيها..

في العام الأول كان بالنسبة لي عالماً آخر يستحق أن أكتشفه، ومكاناً للقاء الرفاق ليس إلا..! كان ذلك العام هباءً منثوراً بالنسبة إليّ، فلا أذكر أنني فعلتُ فيه شيئاً مفيداً حقاً سوى أنني عرفتُ أسماء الأساتذة وبعض المصطلحات الطبية العادية فقط..إلا أنني لستُ نادماً كثيراً على ذلك العام الذي ضاع؛ فالإنسان كائن أحمق لا يتعلم بسهولة ولا يخاف النار قبل أن تلسعه..

العام الثاني..مجرد محو لشريط قديم وإعادة تشغيل له، كانت هذه وجهة نظري بالنسبة لذلك العام في البداية..كنتُ أنوي أن أتخطاه بأي طريقة كانت، فلا فرق هنالك حقاً..رسبتُ عاماً فلا أمل لي في أن أكون شيئاً مهماً في الكلية، لذا عليّ فقط أن أنتهي منها بأي تقدير وبأي طريقة والسلام، بل كنتُ حتى أنوي أن لا أتعرف على أي شخص ممن هم زملاء لي في الدفعة..كنتُ أحسبهم مجرد أفراخ صغيرة خائفة لا تدري ما يُفعل بها..ولكني دائماً أقع في الخطأ نفسه، خطأ أن أكون اجتماعياً وأصادق كل من حولي دون حساب..! انتهى ذلك العام على خير وبالفعل تعلمتُ الكثير واكتسبتُ أصدقاء أكثر، وشعرت أخيراً بأنني أستطيع أن أكون شيئاً يُذكر في تاريخ هذه الكلية..!

وها أنا ذا في الثلث الأخير من العام الثالث..مر الثلثان الأولان مرور الكرام، وحقاً لا أجد فيهما شيئاً جديداً يستحق أن أذكره ها هنا سوى أمرين: الأول هو تجربة حب فاشلة بدأت في العام الماضي وانتهت في بداية هذا العام، ولستُ نادماً كثيراً على فشلها في الواقع، بل سعيد لنجاتي منها على خير…!

والثاني: اكتسابي المزيد من الأصدقاء..! بصراحة أجد الأمر غريباً، فلم أحسب نفسي يوماً أنني محبوب إلى هذه الدرجة، بل كنتُ أستغرب حيث أجد الكثيرين يحاولون كسب صداقتي بشتى الطرق..ما زلتُ لا أدري لماذا في الواقع، ولكن أشكر الله على ذلك على أي حال..لا أظنني أكره كوني كذلك!

كانت هذه الكلية الكثير من الأشياء في نظري: مكان علم وملتقى للرفاق ومرتعاً للراحة والاستجمام، وسجناً ضخماً أحياناً..! إلا أنني بدأتُ أزيل تلك الفكرة الأخيرة من ذهني في الآونة الأخيرة..حقاً ليست الكلية بهذا السوء..ومن يدري؟ ربما تمكنتُ فعلاً في يوم ما أن أصير شيئاً يذكر فيها..

كم مضى عليّ من الوقت وأنا مستغرق في أفكاري تلك؟ لا أذكر..كل ما أذكره هو أنني أفقت منها على صوت ذلك الـ(جلال) يناديني لأسير معه عائدين إلى دارينا..وهكذا تبسمتُ ضاحكاً من ذلك الذي كنتُ أفكر فيه، ثم ألقيتُ نظرة مودعة على مبنى الكلية وحملتُ حقيبتي لاحقاً بـ(جلال) إلى خارج المبنى..

لم ينتهِ مشواري في هذه الكلية بعد، ولا أظنه ينتهي قريباً..على الأقل ليس قبل أن أثبتَ لنفسي أنني قادر حقاً على أن أنجح..على أن أكون شيئاً يُذكر..

(وإلى صفحة أخرى بإذن الله..)

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s