كتاب الظلال.. (العنوان: ظل المستقبل)

* العنوان: ظل المستقبل:
جالسٌ في مكتبة الكلية على طاولة في أقصى ركن وحدي، أتأمل الطاولة أمامي حيناً والناس الجالسين من حولي حيناً..أحياناً لا تبدو لي هذه مكتبة على الإطلاق؛ فحسب علمي يجلس بنو آدم في المكتبات ليقرأوا ويدرسوا، ولكن ما أراه هنا هو مجموعة من البلهاء يتحدثون ويتضاحكون ويمزحون كأنما يتنزهون تحت الكوبري! لا بأس؛ فعلى الأقل هذا يمنح المكتبة جواً من الحياة تفتقده.. ء
استمررتُ في جلستي لا ألوي على شئ حتى هممتُ بالنهوض والرحيل، حينما وجدت (حافظ) يلج من باب المكتبة، ولما رآني اقترب مني وعلى وجهه ابتسامة عريضة، فابتسمتُ له ابتسامتي البلهاء الأبدية فسحب مقعداً بجواري وجلس.. أخذ -كعادة أي أحمق يجلس بجواري وأنا أكتب!- يعلق على ما أكتبه في مفكرتي كأنما لا يجد ما يفعله سوى هذا!

ثم أخذنا نتجاذب أطراف الحديث حتى أخبرته بأنني كنتُ (دوبلر) في السنة الأولى في الكلية..عندها مط شفتيه مستغرباً وقال:
-وما السبب يا (محمد)؟
نظرتُ للطاولة في ملل مجيباً: – عادي..رسبتُ في ثلاثة مواد فاضطررتُ لأن..
*ليس هذا ما أعنيه..ماذا كان سبب رسوبك؟ ألم تكن تذاكر؟
ابتسمتُ ساخراً -من نفسي كما أظن!- وقلت: -لم أكن أعرف حرفاً من المنهج والله! أحمدُ الله أنني أصلاً نجحتُ في سنة الإعادة، وإلا لما صرتُ هنا. لستُ أطيق الكلية ولا رائحتها حتى!
تنهد، ثم قال لي بلهجة ناصحة لم أعهدها منه:
-أعلمُ أنك كذلك..في الواقع أنا أيضاً كذلك وربما نصف طلاب الدفعة..ولكن ليسَ بيدنا الخيار، فعلى الأقل حاول أن تحدد هدفك في الكلية وتختار لنفسك قسماً لتعمل فيه في الكلية..وضعه نصب عينيك وحاول جاهداً حتى تنجح وتصل إليه.
*لا يهمني..لا أريد أصلاً العمل في الطب..سأجد لنفسي لاحقاً عملاً في مجال الحاسبات..ربما الترجمة..
بدا عليه اليأس من نصحي، فقال وهو ينهض:
-لا بأس..ولكن على الأقل فكر في كلامي..فربما يفيدك يوماً ما.
ثم ابتسم مودعاً وغادر المكتبة..

أخذتُ أدير القلم بين أصابعي بتلك الطريقة التي يجيدها أقوياء الأعصاب -مع أنني لستُ كذلك في الواقع!- بينما أتفكر في كلام (حافظ)..
حقاً لا يبدو ذلك الـ(حافظ) بتلك البلاهة التي ظننته بها..كلامه صحيح جزئياً..فلو فتحتَ كتاباً من تلك التي تتحدث عن (أسرار النجاح) و (المفاتيح الألف للنجاح) و (كيف تصبح ناجحاً) وما إلى ذلك، ستجد أنه من أسس النجاح وجود هدف نصب العين يكون محركاً لصاحبه..ولكني ما زلتُ لا أجد شيئاً كهذا..لا أعلم حقاً ما هو الشئ الذي يحركني ويدفعني لأن أنجح..لأن أدخل الامتحانات كل عام وأجيب إجابات صحيحة وأجلب تقديرات نجاح وإن انخفضت..
ربما هو كراهية الفشل؟ جربتُ الفشل من قبل ولا أحب أن أتجرع مرارته من جديد..
ربما هو الخوف من التأنيب؟ ولكن حتى هذا ليس دافعاً منطقياً، فماذا لو -لا قدر الله- توفي أحد والديّ أو كلاهما فجأة؟ أحينها سوف أتوقف مكاني ولن أنجح..؟ لا أظن ذلك، كما أن هذا مستقبلي أنا وليس مستقبل والديّ..
فليكن ما يكون..أياً كان السبب، سأنجح وأستمر في النجاح حتى أخرج من سجن هذه الكلية، ربما على سبيل العادة أو خوفاً من الفشل أو من التأنيب، أياً كان..عندها فقط يمكنني العمل بجدية من أجل مستقبلي..وسوف لن أكتفي بالقعود في مكاني ولن يحدني سقف عيادة كئيبة أو جدران قاعة درس باردة مملة..
دار كل هذا بذهني في فترة دقيقة أو أكثر، قبل أن أضع قلمي في جيبي وأحمل حقيبتي خارجاً من المكتبة، متوجهاً إلى قاعة الدرس التالي..فمن يدري؟ ربما لا يكون المستقبل كئيباً مخيفاً كما يبدو ظله..

(وإلى صفحة أخرى بإذن الله..)

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s