ساكن الغرفة..

 

لا يزال جالساً في ذات الغرفة التي هو فيها منذ أمد بعيد، هو نفسه لا يدري منذ متى وهو هنا، حتى بدأ يشك أنه قد خُلق هنا وأن هذه الغرفة كانت الرحم الذي ولده..

غرفة واسعة واسعة حتى لتبدو كأنها عديمة الجدران، ذات بابين متقابلين أحدهما موصد مستحيل الفتح كأنما هو نقش عملاق على الجدار، والآخر لا يبدو من ملامحه شئ، غارق في بحر أبدي من ظلمة غامضة..كل ما يتذكره عن الباب الأول هو أنه لابد قد دخل منه يوماً ما، وإلا فكيف صار هنا أصلاً..؟

أما عن الباب الثاني فلا يزال يقف هناك مكتفناً في ظلماته ينتظر المار خلاله..وهو يدري تماماً أنه سيمر خلاله يوماً، فالباب الأول لا يفتح ولا مخرج آخر من الغرفة سوى هذا الباب ونافذة صغيرة مسدودة بقضبان من حديد.. أحياناً تخيفه ظلمات الباب الثاني فيقضي نهاره كله يفكر فيما ينتظر خلفه، وأحياناً لا يهتم إطلاقاً فيبقى مكانه يقرأ فيما معه من كتب أو يجلس ليستمع إلى هؤلاء الزوار المتتالين عليه منذ صار هنا..لكنه سيخرج، فبالتأكيد لن يبقى حبيس الغرفة إلى الأبد..

 

يأتيه زائر واحد في كل مرة..هو لا يذكر أي شئ عن أول بضعة زوار له، لكن كل ما يذكره أنه قضى معهم جميعاً وقتاً ممتعاً..مضت فترة لا بأس بها قبل أن يقرر أن يكتشف حقيقة وجوده هنا وحقيقة الغرفة، لذا كان بعض الأحيان يستأذن من زائره فينهض ليتفحص الغرفة، يتلمس الجدران ويدق عليها ويضع عليها أذنه ليسمع، ويدق على الأرضية بقدمه ويتحسسها، وقليلاً ما كان يحاول النظر من النافذة الصغيرة إلى الخارج..كان كل ما يهمه حينها معرفة المزيد عن الغرفة.

 

على سبيل التسلية يجالس زائره فيحادثه ويسأله عما في الخارج أو عن الغرفة ذاتها، ويدون في أوراقه كل ما يستطيع وما يذكره من كلام الزوار السابقين وأفعالهم.. هو لا يدري كيف يجئ الزوار ولا كيف يرحلون، فقط يستيقظ من النوم فيجد الزائر جالساً في ركن الغرفة ينتظر وقد اختفى الزائر الآخر كأن لم يكن..لكن كلاً منهم يغادر تاركاً له تذكاراً أو اثنين، وربما أكثر..وباستمرار يجمع تلك التذكارات ويحفظها، علها تكون ذات نفع له يوماً..

حين تعلم من زواره الأُول قدراً جيداً بدأ يطمح للمزيد..بدأ يشعر أن معرفته لحقيقة الغرفة وما خارجها أساسيان لحياته كما الشمس للنبات.. صار يقضي نصف يومه يتأمل خارج النافذة طامعاً في عبور الباب الثاني ليستمتع بكل ما خلفه، والنصف الآخر يقضيه مع زائره الجديد يتحدث معه أو يلعبان الشطرنج أو يكتبان أشياء مختلفة أو حتى يرسمان كالأطفال على الجدران..حتى رسومه تلك كان يشعر أنها بحاجة للتحسين.. كان بلا شك واثقاً من أنه لا محالة مغادر الغرفة لما خارجها تاركاً إياها بما فيها لمن هو آت بعده، لذا كان يعمل بجد ليحسن رسومه تلك وليكتب الكثير من الأشياء المسلية وكل ما يسمعه من زواره، عله يترك لخليفته –إن وجد- ما ينفعه وما يجعله يفهم الحقيقة..حقيقة الغرفة وما خارجها..

 

ولا يزال في الغرفة ينتظر..ينتظر ذلك الباب الثاني لتنزاح أستار ظلماته ليتمكن من الخروج، مطمئناً لما ترك في الغرفة لمن بعده، ولما سيلقى بالخارج..

 

محمد الوكيل..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s