في الانتظار..

*في الانتظار..

ساعة حائط مذهبة ذات عقارب سوداء تدق في ثبات أبدي، هي ما كان يتأمله في تلك اللحظة، ومن قبل تلك اللحظة بساعة وخمس دقائق بالتحديد..يعرف ذلك لأن عينيه الشغوفتين لم تفارقا هذين الأخوين الذين لا يلتقيان إلا في مطلع كل ساعة، عقربا الساعة..لم تفارق عينيه العقربين منذ ساعة وخمس دقائق، في الانتظار..

ينتظر..ينتظر ماذا؟ ينتظرها هي بالطبع..ينتظر اللحظة التي ينساب فيها صوتها الحاني الدافئ المريح كثوب من المخمل الصافي خلال أذنيه، اللتين لم تعودا تسمعان سوى صوت العقربين وهما ينتظران لحظة لقائهما ببعضهما..ينتظر رنين هاتفه الصغير ليتلقى صوتها مباشرة بقلبه قبل أذنيه..لم تكن الأذنان له سوى وسيلة، أداة توصل صوتها إلى قلبه الذي كان هو من يسمع حقاً لا أذنيه..في كل مرة تحادثا كان يستمع إليها بكل قلبه ويتشرب كل كلمة تقولها في نهم، حتى تزدهر نبتة حبها أكثر في أعماقه..

تمنى لو لم يكن كل ما يربطهما هو مكالمات الهاتف..كان يتمنى أن يصل به صفاء القلب والعقل إلى أن يتخاطرا بأفكارهما ومشاعرهما، دون أن يضطرا لنطق حرف بلسانيهما..أن يتخاطرا حتى لا يضطر أحدهما لانتظار مكالمة من الآخر..لكن للأسف لم يصل لذلك بعد، وكان في قرارة نفسه يجد هذا تقصيراً وعجزاً منه هو، فكيف لم يصل به حبه لها إلى هذه الدرجة السامية، درجة أن يصيرا واحداً بالعقل والقلب فلا تفصل بينهما حواجز ولا أسلاك ولا مسافات..؟ لكنه سرعان ما يعفو عن نفسه، فيعزو خطأه ذاك إلى ضعفه البشري الدائم..إنما أنا بشر لا أكثر، ليس لي سوى ما أقدر..

ساعة إلا الربع..خمسة وأربعون دقيقة قبل اللحظة المنتظرة..الانتظار، الانتظار، شعوره نحوه متضارب متماوج حقاً..أحياناً كان يكرهه كالموت لأنه يؤخره عن لحظة لقاء الكلمات والأسماع، وتارة كان يذوب فيه حتى النخاع، لأنه يعلم أنه كلما انتظر فستكون لحظة اللقاء أكثر حرارة ودفئاً..في ذات الوقت كان يأمل بحدوث تلك المعجزة، المعجزة التي ستسرع الوقت فتمر تلك الدقائق الخمس والأربعون لكي يرن هاتفه..

لِمَ كل هذه الثقة بأن هاتفه سينقل إليه صوتها بعد تلك الدقائق..؟ لأنها لم تتأخر يوماً! هذا واضح..دائماً في نفس الموعد يكون صوتها عابراً أذنيه ليمتزج بنبضات قلبه، مانحاً الحياة لكلماته لترتب نفسها على لسانه؛ ليمنحها هي أفضل رد ممكن لكلماتها الرقيقة الحنون..

صار يحب صوتها ربما أكثر من صورتها..لماذا؟ ربما لكثرة ما يسمعه، أكثر مما يراها هي..بدأ الأمر يصل به إلى أن صار يحب منها صوتها أكثر من أي شئ آخر، صوتها فقط، صوتها فقط يكفيه ليخفق قلبه من السعادة، وليمسح عنه شوائب أحزان وآلام اليوم كله، وربما حياته الماضية بكاملها..

نصف الساعة..ثلاثون دقيقة..صار عالمه كله عقربي الساعة المذهبين الذين يزحفان خلف بعضهما في ثبات.."بالله عليكما! ألم تشعرا بعد بالحنين للحظة تلاقيكما كما أفعل أنا..؟ ألستما تريدان الإسراع للقاء بعضكما فتعجلان بموعد لقائي وإياها..؟"

بهذا تفوه لسان حاله، بينما يشدد قبضته على هاتفه ويمدد جسده على فراشه الصغير في ترقب ممتزج بالتوتر..

بدأ يجد هذين العقربين مسليين حقاً ربما أكثر من أشياء أخرى كثيرة حوله..حتى أنه بدأ يحفظ تفاصيلهما حرفياً ويحفظ شكل وصوت كل منهما، حتى إنه لو طُلب منه رسمهما بالتفصيل فلن يعجز أبداً عن ذلك، بل بدأ يشعر أنهما صديقان له، يشاطرانه لحظات انتظاره ويخبرانه بأمانة مطلقة عن قرب الموعد، موعد لقاء الكلمات والآذان..

ترى، كيف سيكون اللقاء هذه المرة..؟ في المرة السابقة قضيا وقتاً طويلاً يتحادثان، كأنما يفرغ كل منهما حملاً ثقيلاً يختزنه في قلبه منذ سنوات على أمواج الأثير..بقيا يتجاذبان خيوط الحديث طويلاً طويلاً، فتتغير إنفعالاتهما وبالتالي صوتهما بين الفرح حيناً والدهشة حيناً والحزن حيناً وربما الغضب أحياناً نادرة، ليس من بعضهما البعض بالطبع، وإنما من أي وغد آخر جعل همه الوحيد قطع كل ما يربط بهما، جاهلاً أن ذلك ليس مجرد أسلاك هاتف أو أمواج أثير، وإنما هي نبضات قلب وأمواج فِكَر وخواطر كادت أن تتمازج فتصير كياناً واحداً رائعاً خلاباً..

غاص في أفكاره تلك ببطء شديد حتى غشيه النعاس..لم يعلم كم نعس إلا حين استفاق فزعاً ليجد أنه لم يبقَ سوى دقيقة واحدة! رباه! تسع وعشرون دقيقة كاملة بعيداً عن الوعي! يا لي من تافه!

دقيقة واحدة..دقيقة واحدة تأبى إلا أن تمر كأبطأ ما يكون، ولا يجد عقربا الساعة ملاذاً من الطاعة العمياء، فليسا –للأسف- طوع أمره هو، وإنما هما جنديان رهن إشارة الزمن لا أكثر.."سامحنا، فلسنا نفعل سوى ما يُطلب منا.."

ثوانٍ معدودة..ثوانٍ معدودة قبل أن يرتفع عقرب الدقائق الطويل في شموخ، مشيراً إلى السقف معلناً بداية ساعة جديدة..قلبه يخفق بسرعة ليشاركه فرحة قرب اللقاء..ابتسامة صغيرة بدأت تنموعلى شفتيه، سرعان ما بدأت تكبر وتتسع حتى صارت أقرب لضحكة سعادة غامرة، كادت تفلت من حنجرته إلى شفتيه حين سمع الرنين..لم يملك قلبه المتلهف سوى أن يقبض على لجام لسانه ليأمره بأن يترجم لغة القلب المشتاق إلى صوت مسموع، يقول بكل سعادة ومحبة:

-مساء الخير يا عزيزتي! كيف أنتِ؟

محمد الوكيل..

Advertisements

One thought on “في الانتظار..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s