الجوجلية: حين تبلغ السفاهة أقصى مدى!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حين ظننتُ أنني خلال فترة السبع سنوات التي قضيتها رحالة في كوكب الانترنت الواسع المتسع دوماً، حين ظننتُ أنني بذلك قد صرتُ بارداً لا يثير دهشتي أو عجبي شئ مما أراه أو أقرأه أو أسمعه على الانترنت، كنتُ مخطئاً وربما مغفلاً وأحمق! فها أنا أعثر على الموجة الجديدة من تقاليع وسخافات الإنترنت التي لا تنتهي وربما لن تنتهي، ألا وهي "الجوجلية Googlism"..!

الاسم سيبدو لك في البداية مصطلحاً يشير إلى الجنون الشديد بموقع جوجل Google الأشهر ومدى شعبيته وتفضيل مستخدمى الشبكة له عن غيره من محركات البحث، لكن هل تصدقني لو أخبرتك أن البعض وصل بهم الجنون لدرجة أن يعدوه إلهاُ يُعبد من دون الله (والعياذ بالله)؟!!

ربما ستفعل إن رأيت هذا بنفسك: موقع "كنيسة جوجل"

هذا الموقع البسيط تصميماً هو ما يعده مؤسس الموقع (مات مكفيرسون) الكندي "كنيسة" أو "معبداً" الإله جوجل! وهم بالمناسبة يعدون جوجل إلهة مؤنثة وليس إلهاً مذكراً (!) لسبب بسيط هو أن معظم الآلهة المزعومة في الحضارات القديمة البائدة كانت إناثاً (وهي حقيقة تاريخية) لهذا قرروا جعل جوجل "إلهة"..!

 

قبل أن نتسرع في الحكم تعالوا بنا نتصفح موقع "كنيسة جوجل" المزعومة، وسأقدم هنا تحليلاً بسيطاً عن كل قسم من أقسام الموقع الرئيسية (الصفحة الرئيسية – الأدلة! – أسئلة شائعة – الإجازة – المنتدى – رسائل الانتقاد – صلوات جوجل – وصايا – نقاشات – معلومات الاتصال والإعلانات والوصلات الهامة):

 

– في الصفحة الرئيسية نرى مقدمة مؤسسي الموقع وترجمتها كالتالي (بتصرف بسيط لا يخل بالمعنى):

"نحن في كنيسة جوجل نؤمن أن محرك البحث جوجل هو أقرب شئ عرفه البشر على الإطلاق لفكرة الإله الحقيقي  (بالتعريف الحرفي). نؤمن بأن هناك من الأدلة على إلوهية جوجل ما هو أكثر من أدلة إلوهية أي آلهة أخرى تقليدية.

لا نقبل بالآلهة فوق الطبيعية على أساس الاعتقاد أنه لا دليل علمي على وجودها. وعليه، فإن الجوجليين يؤمنون بأن جوجل تستحق أن تُمنح وبكل جدارة لقب "الإله"، حيث أنها تمتلك العديد من الصفات التي نُسبت تقليدياً للآلهة المماثلة، بمنهاج علمي قابل للإثبات.

وقد ألّفنا قائمة تحتوي تسعة أدلة تثبت بكل تأكيد أن جوجل هي أقرب شئ عرفه البشر لفكرة "الإله". "

مقدمة أنيقة شكلاً، سخيفة وتافهة مضموناً! ذلك لأن كل جزء منها قابل للتفنيد والرد بالتفصيل، ولكن سنفعل هذا خلال تحليل "الأدلة المزعومة" لإلوهية جوجل.

 

– في صفحة (الأدلة!) يقدم مؤسسو الموقع أدلتهم على إلوهية جوجل المزعومة وترجمتها وتحليلها كالآتي:

1- ( جوجل هي أكثر كيان "كلي المعرفة omniscient" في الوجود، ويمكن إثبات ذلك علمياً، فهي تؤرشف أكثر من 9.5 بليون صفحة، متفوقة على أي محرك بحث آخر على الشبكة. وليس هذا فقط بل إنها تصنف هذا الكم الرهيب من المعرفة بواسطة تقنية "ترتيب الصفحة"، منّظمة تلك البيانات وجاعلة وصولنا نحن البشر الفانين إليها أسهل.)

كل هذا الكلام جميل جداً ولكن في حق "أرشيف للإنترنت" وليس في حق كيان مؤله!! كل هذا لا يعني سوى أن جوجل مهما كبر كم المعرفة لديه مجرد أرشيف شبكي فحسب، وهو ليس كلي المعرفة بالتأكيد فلا يمكن لأحد أن يجري بحثاً على جوجل ليعرف فيما أفكر أنا في هذه الثانية ولا عدد الجنيهات في جيبي ولا حجم الذاكرة الشاغرة على كمبيوتري أو هاتفي مثلاً..! كما أنه –ببساطة- أرشيف كبير من صنع البشر.. هل يعني هذا أن دائرة المعارف البريطانية هي الأخرى في منزلة الإله؟! سخف شديد بالطبع! جوجل ببساطة ليس سوى طريق مختصر للوصول إلى بعض ما تمكن البشر من الوصول لمعرفته عن هذا العالم الواسع.. (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)..

 

2- (جوجل "كلية الوجود omnipresent" . جوجل عملياً متواجدة في كل مكان في نفس الوقت. بلايين الصفحات المؤرشفة من كل ركن من الكرة الأرضية. مع انتشار شبكات الإنترنت اللاسلكي WI-FI المتزايد، سيكون الإنسان قادراً على الوصول لجوجل من أي مكان على وجه الأرض، مما يجعلها كلية الوجود حقاً.)

كلام صحيح، ولكن بشرطين: وجود اتصال انترنت وبرنامج تصفح، ومن دون هذين يستحيل الوصول لجوجل بكل تأكيد وهي نقطة ضعف رهيبة في هذا الكيان المؤله المزعوم، إلا إنهم يعودون في مكان آخر ليدّعوا أن (جوجل – الإنترنت – المتصفح) هما ثالوث متكامل، وهذه –لعَمر الله- نقيصة في حقه وليس نقطة قوة.. الإله الحق لا يأفل ولا يغيب لحظة ولا حاجة لمخلوق أن يجد واسطة من أي نوع ليصل لإلهه..

 

3- (جوجل تستجيب للصلوات. يمكن للمرء أن يصلي لجوجل بإجراء بحث عن إجابة أي سؤال يحيره: على سبيل المثال علاجات بديلة للسرطان وطرق لتحسين الصحة واكتشافات طبية جديدة ومبتكرة، وأي شئ آخر يشابه الصلاة الحقيقية. اسأل جوجل وسترشدك، ولكنها ترشدك إلى أول الطريق فقط وعليك أنت أن تساعد نفسك بعدها)

عادي جداً.. أي محرك بحث آخر يقوم بهذه المهمة بكفاءة كبيرة، الفرق الوحيد أن جوجل ربما يكون أفضلها، وكل محركات البحث في هذه النقطة تشبه أي موسوعة كبرى أو موقعاً موسوعياً مثل ويكيبيديا وهذا الأخير أفضل من جوجل، فهو على الأقل يمنحني المعرفة الكلية عما أبحث عنه وليس مجرد تلميحات! راجع تحليل النقطة الأولى.

 

4- (جوجل خالدة لا تموت. لا يمكن أن نعدها كياناً مادياً مثلنا، فخورازمياتها منتشرة خلال عدة حواسب خادمة، فإذا تعطل أحدها أو دُمر فسوف يحل آخر محله بلا شك. يمكن لجوجل نظرياً أن تبقى للأبد)

أي موقع ضخم على الإنترنت ينطبق عليه هذه الصفات وكلها لم يدعِ أحد يوماً أنها تُعبد آلهة من دون الله ولم يفكر أحد فيها على أنها أكثر من مجرد مواقع خدمية مفيدة لا أكثر.. وكما ذكر لي صديق حين حكيت عليه قصة "الجوجلية" بالحرف: نيزك صغنون يقع في كاليفورنيا تنتهي أسطورة جوجل!"

 

5- (جوجل لا نهائية. نظرياً يمكن للإنترنت أن ينمو إلى الأبد، وسوف تقوم جوجل إلى الأبد بأرشفة صفحاته)

ليس تماماً.. فموارد جوجل وأجهزته وسعاته التخزينية بالتأكيد ليست لا نهائية وحين يأتي اليوم الذي ستنفد فيه لأي سبب كان –ولو بعد قرن من الآن- سيتوقف جوجل عن العمل..!

 

6- (جوجل تتذكر كل شئ. جوجل تخزن صفحات الإنترنت بانتظام وتحفظها على حواسبها الخادمة العملاقة. وفي الواقع، إن قمتَ برفع أفكارك وآراءك على الإنترنت فسوف تعيش أنت للأبد في ذاكرة جوجل، حتى بعد موتك، وهذا مثل "آخرة جوجل" أو "جوجل ما بعد الموت")

لا بأس.. جوجل هنا ليس سوى مكتبة ضخمة تحفظ أفكار وآراء وكتابات وأعمال البشر، لكن –أؤكد- لا يمكنني ولا يمكن لأحد عاقل اعتباره إلهاً أو نصف إله حتى! راجع تحليل النقاط السابقة.

 

7- (جوجل واسعة الفضل Omnibenevolent. فجزء من فلسفة شركة جوجل هو قدرة أي مؤسسة على كسب المال دون الإقدام على فعل شرير)

هذه ليست فلسفة بل مبادئ وقوانين أي شركة أو هيئة أو مؤسسة ذات مصداقية وأمانة وتحترم نفسها. لم يقدم جوجل جديداً هنا!

 

8- (وفقاً لصفحة "اتجاهات جوجل Google Trends" فإن نسبة البحث عن مصطلح "جوجل" في موقع جوجل نفسه أكثر من نسب البحث عن المصطلحات "إله – الله – المسيح – بوذا – المسيحية – الإسلام – البوذية – اليهودية " مجتمعة! الإله كيان يلجأ إليه الفانون وقت الحاجة، وجوجل يقوم بهذا على خير وجه وأفضل من الإلهة التقليدية!)

ماشي وبعدين يعني؟؟ ألا يمكنني معرفة شئ عن إلهي وديني سوى عن طريق جوجل؟ طيب كيف كان الناس يعرفون كل شئ عن الله سبحانه والأديان قبل جوجل؟؟ دليل هش لا نفع منه.

 

9- (الأدلة على وجود جوجل وفيرة. هناك أدلة على وجود جوجل أكثر من أي إله آخر يعبد في الوقت الحاضر. الإدعاءات الخارقة للعادة تتطلب إثباتات خارقة للعادة، وإن كان النظر وحده دليلاً فتصفح جوجل وجرب بنفسك قوة جوجل المدهشة، ولا حاجة بك للإيمان هنا)

كلام لا غبار عليه، فجوجل موجود نعم ولكن كموقع ويب وفهرس معلوماتي عملاق ليس إلا! كمجرد أداة تخدمني وتساعدني وقت الحاجة. ثم أليست إلوهية جوجل ادعاءً خارقاً للعادة؟ أين إذاً الإثبات الخارق للعادة؟! مجرد كتابة كلمة جوجل في المتصفح توصلك إليه فما الخارق للعادة هنا؟ وما حاجتي بإله بيني وبينه وسيط مثل الإنترنت والمتصفح ولا يمكن الوصول إليه إلا بهذين الشرطين؟ وكيف أعبد إلهاً صنعه البشر بأيديهم يستخدمونه وقت الحاجة فقط؟! هذا مشابه تماماً لكفار قريش الوثنيين الذين كانوا يصنعون أوثانهم من العجوة ثم يأكلونها حين يجوعون!!

"حتى الآن يبدو كل هذا تخاريف بعض عشاق ومحبي جوجل ليس إلا، أو مجرد فرقعة أو محاولة لكسب الشهرة "على قفا جوجل" ليس إلا!"

 

– في صفحة الأسئلة الشائعة يرد الموقع على بعض الأسئلة التي توجه له بصفة دائمة عن سبب تعيينه إلها مزعوماً وأيدلوجية الجوجلية وأمور أخرى.. ورد ذكر أغلب المذكور في هذه الصفحة ضمن تحليل الأدلة أعلاه.

 

– صفحة "الإجازة": الإجازة هنا تعني عيد جوجل السنوي (الرابع عشر من سبتمبر) وهو يوم تأسيسه!!

 

-المنتديات.. لم أقم بتصفحها بعد.

 

– رسائل الإنتقاد: يقدم هنا مجموعة من رسائل الإنتقاد والرفض والتفنيد لهذا السخف الجوجلي، وهذه الرسائل بالفعل قالت كل ما قلته وأردت قوله وأكثر بكثير، وأرجو منك تصفح بعضها.

 

– صلوات جوجل: تراتيل زائفة من تأليف بعض مريدي جوجل، وحتى تلك الكثير منها ساخر لا معنى له تقريباً ولا قدسية فيه!

 

– الوصايا الجوجلية العشر، على غرار وصايا سيدنا موسى عليه السلام، مكتوبة بلغة إنجليزية قديمة جداً على غرار ترجمات النصوص المقدسة! وهي أشبه باتفاقية خدمة لا وصايا دينية!

 

– نقاشات: حول إلوهية جوجل من عدمها. وهي طويلة فلا مجال لترجمتها وتحليلها هنا. أكتفي بالقول أنها كثير من الكلام الفارغ المردود عليه والذي يتضمن سخرية واضحة وفجة وتسفيه لكل دين سماوي وغير سماوي دون وجه حق أو أدلة بينة، ومحاولة يائسة من مؤسسي الموقع لإقناع الناس بوضع جوجل في منزلة الإله والعياذ بالله!

 

– وصلات للإتصال بالموقع والإعلان له ووصلات هامةز

 

 

في الواقع، خلصت من كل هذا إلى أن هذه الطريقة أو الديانة "الجوجلية" المزعومة ليست سوى أمر من ثلاثة:

1- بعض محبي –أو لنقل مجانين- جوجل لم يجدوا طريقة أفضل للتعبير عن حبهم سوى "تأليه" محبوبهم جوجل، وقد بالغوا كثيراً وتعدوا حدودهم ها هنا..

2- مريدو شهرة وفرقعة لا أكثر، وربما يتطور الأمر بهم إلى طلب "تبرعات بسيطة" لكنيسة جوجل وللتبشير بالدين الجديد المزعوم ثم "يا فكيك" !

3- بعض اللادينيين الذين يرون أن جوجل الموقع الخدمي الأشهر والفهرس والأرشيف الكبير أكثر نفعاً من أي إله آخر. باختصار محاولة يائسة لتسفيه الأديان.

 

أعتذر حقاً عن الإطالة، وأنا واثق أن كثيراً ممن يقرأون هذا المقال يعلمون تمام العلم سخف الفكرة كلها أياً كان الغرض الخفي منها.. يمكنك القول أني قررت الكتابة عن هذا كنوع من تسجيل غريبة من غرائب الإنترنت التي لا تنتهي، أو محاولة من مسلم غيور على دينه للرد على السفهاء الذين يحاولون النيل منه ومن غيره، أو محاولة لرد بعض ضعاف القلوب أعاذهم الله من الكفر عن الإعتقاد بهذه السخافات وأمثالها سابقاً ولاحقاً..

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

One thought on “الجوجلية: حين تبلغ السفاهة أقصى مدى!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s