(شخصية غامضة) لأنطون تشيكوف – ترجمة محمد الوكيل

 

fpublic0014-an-enigmatic-nature-anton-chekhov

على مقعد مخملي أحمر في عربة الدرجة الأولى في القطار جلست سيدة حسناء نصف متكئة وبين أصابعها المطبقة بإحكام مروحة منفوشة ثمينة، بينما يتدلى منظار أنفي على أنفها الدقيق الجميل ويتمايل دبوس أنيق على صدر ثوبها كقارب في محيط. كانت السيدة هائجة بشدة.

وعلى المقعد المقابل جلس السكرتير الإقليمي للتكليفات الخاصة، وهو كاتب شاب واعد ينشر بين الحين والآخر قصصاً طويلة -أو (نوفيللي) كما يحلو له تسميتها- عن أبناء الطبقات الراقية، في صحيفة الإقليم الرئيسية. كان قد فهم روح ونفسية السيدة وسبر أغوارها تماماً حتى إنهما كانتا أمامه كتاباً مفتوحاً.

قال سكرتير التكليفات الخاصة مقبلاً يدها قرب سوارها:

– "أوه، أفهمكِ، أفهمكِ حتى أعمق أعماقكِ! إن روحكِ الرقيقة الحساسة تبحث عن مهرب من متاهة ما.. نعم، معاناتكِ رهيبة جسيمة لكن لا تفقدي شجاعتكِ، ولسوف تكونين المنتصرة! نعم!"

 

قالت السيدة الجميلة بابتسامة حزينة:

– "اكتب عني يا فولديمار! إن حياتي كانت وما تزال عامرة متغيرة متقلبة، وفوق كل هذا أنا غير سعيدة. أنا روح متألمة على صفحة في إحدى قصص دستويفسكي. اكشف روحي للعالم يا فولديمار. اكشف هذه الروح التعسة. أنت عالِم نفساني، تمكنتَ من سبر أغواري ولم تمضِ ساعة على جلوسنا معاً في القطار."

* "احكي لي! أتوسل إليكِ أن تحكي لي!"

– "اسمعني. كان أبي موظفاً حكومياً فقيراً، كان طيب القلب غير معدوم الذكاء؛ لكن ظروف الحياة في ذلك الزمن..ظروف بيئته.. أتفهمني Vous Comprenez*؟ لقد عاقر الخمر ولَعِب الميسر وتلقى الرشاوي، ولستُ ألومه. أما عن أمي..

 "لكن لِمَ عساي أن أقول أكثر؟ الفقر والكفاح من أجل لقمة العيش والشعور بالتفاهة وعدم الأهمية..آه! لا تجبرني على تذكر ذلك كله!

"كان عليّ أن أشق طريقي بنفسي. تعلمُ كيف يبدو الوجه البشع للتعليم في مدرسة داخلية، قراءة الكثير من الروايات السخيفة وأخطاء فترة المراهقة، وأولى نبضات الحب الخجلة. كان ذلك رهيباً! التشتت وألم فقدان الثقة في الحياة وفي النفس!

"أنت مؤلف ولابد أنك تعرفنا نحن النساء. لسوف تفهم. أنا ذات شخصية حادة للأسف. بحثت عن السعادة.. وأي سعادة!! لطالما اشتقت إلى أن تتحرر روحي. نعم، في هذا رأيتُ سعادتي الحقة!"

 

تمتم الكاتب مقبلاً يدها يدها قرب سوارها:

– "مخلوقة رائعة! لستِ أنتِ من أُقبِّل، وإنما معاناة الإنسانية. أتذكرين راسكولنيكوف وقُبلته**؟"

* "آه يا فولديمار، لطالما اشتقتُ للمجد والصيت والنجاح، مثل كل..مثل كل شخص على وجه البسيطة. اشتقتُ إلى شئ غير عادي يختلف عن باقي النساء الأخريات!

 "وهكذا..وهكذا.. تزوجتُ من جنرال عجوز..ميسور الحال جداً. افهمني يا فولديمار! كانت تلك تضحية بالذات، تنازلاً! يجب أن ترى ذلك! لم يكن بوسعي فعل شئ آخر..

 "استعدتُ ثروة العائلة، وتمكنتُ من السفر والترحال وفعل الخير. لكن كم قاسيتُ، وكم كان عِناقه مقززاً مقرفاً لي..

 "لكني سأكون عادلة في الحديث عنه.. كان في عهده يناضل بشرف. مرت عليّ لحظات..لحظات رهيبة.. لكن ما دفعني للتحمل هو تذكري أن العجوز سيموت يوماً، وحينها سأعيش حياتي كما أشاء وسأهب نفسي للرجل الذي أعشقه..وسأكون سعيدة. هذا الرجل موجود يا فولديمار، موجود حقاً!"

 

هزت السيدة مروحتها بعنف أكثر واتخذ وجهها تعبيراً باكياً. تابعت:

– "لكن أخيراً مات العجوز وترك لي الشئ الكثير. كنتُ حرة كطائر محلق. الآن حان الوقت لأنال سعادتي، أليس كذلك يا فولديمار؟ أتتني السعادة تدق نافذتي، وكان عليّ أن أفتح لها لتدخل..لكن..

"فولديمار، أناشدك أن تسمعني!  الآن حان الوقت لأهب نفسي للرجل الذي أحب؛ لأكون شريكة حياته، لأساعده وأدعم طموحاته المثالية ولأكون سعيدة ولأجد الراحة..لكن..يا لهذه الحياة من دنيئة بغيضة غبية! يا لقسوتها يا فولديمار. أنا تعسة، تعسة، تعسة!

"مجدداً ظهرت عقبة أخرى في طريقي! مجدداً شعرتُ أن سعادتي صارت بعيدة، بعيدة جداً!

آه، يا للكرب!.. آه لو تعلم أي كرب ذاك!"

* "لكن ما.. ما الذي يقف في طريقك؟ أناشدك أن تخبريني! ما هو؟"

– "جنرال عجوز آخر، ميسور الحال جداً….."

 

حجبت المروحة الرقيقة الوجه الصغير الجميل. أسند الكاتب جبهته إلى قبضته متأملاً الفراغ بنظرة خبير في علم النفس. صفّرت المحركات وهسهست بينما تلونت ستائر النافذة بضوء الغسق الأحمر.

 

(تمت)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* Vous Comprenez: أتفهمني؟ بالفرنسية.

** قبلة راسكولينكوف: إشارة إلى راسكولينكوف بطل رواية دستويفسكي الأشهر (الجريمة والعقاب) والذي أُمر بأن يذهب إلى تقاطع الطرق ليركع أمام الناس ويُقبِل الأرض لما ارتكبه من ذنوب في حقها –الأرض لا الناس-، وأن يصرخ بأعلى صوته "أنا قاتل".

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s