انفلونزا الشائعات..!

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

تابعتُ منذ حوالي أسبوعين سلسلة مقالات رائعة بعنوان (امرح مع انفلونزا الخنازير) للدكتور أحمد خالد توفيق في جريدة الدستور، وبقدر طرافة العنوان فإن المقالات لا تُناقش المرض نفسه بقدر ما تُناقش انفلونزا الشائعات المُصاحبة له!  يقول الدكتور في مقطع من المقال الثاني من سلسلة المقالات:

"أما عن خطاب اللقاح الذي وصلني ألف مرة من ألف واحد تقريبًا فله وقفة. هذه حملة إرعاب ناجحة جدًا وقد أحدثت مردودًا هائلاً يفوق أي خطاب تم تبادله من قبل منذ اختراع الإنترنت، ومن الواضح أن أحدًا لن يتعاطي هذا اللقاح بالتأكيد، فلو كنت أؤمن بنظرية المؤامرة لقلت إنها خطة محكمة ذكية للتقليل من المطالبين بأخذ اللقاح .. بهذه الطريقة يصعب أن تجد من يقبل التطعيم."

 

يقصد الدكتور بخطاب اللقاح رسالة بريد إلكتروني معينة منتشرة على النت هذه الأيام –وإن لم يصلني مثل هذه الرسالة بعد- تخبرك أيها المواطن أحمد ابراهيم..أقصد أيها القارئ أن اللقاح لقاح أنفلونزا الخنازير H1N1 فيه سم قاتل فيحذرك من تناوله بأي شكل كان، ثم تجد رسائل أخرى تنصحك بالوقاية من المرض بطرق تختلف حسب مصدر كل رسالة، فهي تتنوع بين الليمون وبيكربونات الصوديوم والعسل وسبع تمرات من تمر المدينة المنورة إلخ..!

طيب كيف عرف ذلك المرسل العبقري أن اللقاح فيه سم قاتل بينما اللقاح لم يزل تجرى عليه أبحاث للتعرف على آثاره الجانبية؟؟ ثم كيف عرف المرسل الآخر أن كل هذه الأشياء فيها وقاية من المرض؟ سيقول لك أن العسل شفاء للكثير من الأمراض بإذن الله، ولا اعتراض لديّ على هذا، لكن هل هو شفاء لكل الأمراض؟ والأهم هل هو شفاء من انفلونزا الخنازير؟! هو كلام عام لا دليل علمي حقيقي عليه حتى الآن..وهناك كذلك بيكربونات الصوديوم التي لن تكون علاجاً أو وقاية بقدر ما ستكون خطراً داهماً على الحياة إن تم تناولها بكمية كبيرة فهي تؤدي لزيادة قلوية الدم مُشكِّلة خطراً أكبر من الانفلونزا ذاتها!

 

"لكن ماذا يستفيد هؤلاء المُرسلون من رسائل كهذه؟" سؤال سيقفز إلى ذهنك غالباً.. لا أريد أن أدع نظرية المؤامرة تسيطر عليّ فأقول أنهم لم يرسلوا رسائلهم تلك بغرض حسن النية! فنصائحهم تلك قد تعطي المرض سلاحاً أقوى يصل به إلى رئات الناس بسهولة أكبر.. افترض أن شخصاً سمع كلامهم ورفض تناول اللقاح وقرر الوقاية من الانفلونزا بتمر المدينة والعسل مثلاً ثم أصيب بالمرض ومات؟؟ ساعتها ستعلو بعض الأصوات متهمة الدين بالتخريف والتهريج وهو من هذا ومن هؤلاء المُرسلين براء! وأنا أطالبهم هنا بتقديم دليل علمي أو كلام من علماء محترمين يؤكد كلامهم ذلك، فهو لا يفيد أحداً بقدر ما يجرح الدين نفسه ويسبب ضرراً أكبر لمن يصدقون أمثال هذه الرسائل وهم كثر للأسف!

لسنا نعلم بنوايا هؤلاء حقاً، لكن إن كان الهدف من تلك الرسائل النية الحسنة فليتذكر هؤلاء أن الطريق إلى جهنم مفروش أحياناً بالنوايا الحسنة!

 

لكن إن اقتصر الأمر على بعض رسائل البريد الإلكتروني وكلام الناس فربما كان أهون بعض الشئ، لكن حين تنتقل عدوى انفلونزا الشائعات فتصيب أشخاصاً ذوي ظهور إعلامي كبير فيصيبون بالعدوى كثيراً من المشاهدين المتلذذين بطعم الشائعات ونظرية المؤامرة، تكون تلك طامة كبرى بحق!

هناك خبير أمريكي نصاب يُدعى (ليونارد هوروفيتز Leonard horowitz) ظهر قبل أيام على قناة الجزيرة مع الإعلامي البارز الأستاذ أحمد منصور، فقط ليلخص كل ما قالته تلك الرسائل الإلكترونية لكن بشكل علمي أنيق (واقتبس هنا مقطعاً آخر من المقال الثالث من سلسلة مقالات الدكتور أحمد يتحدث فيه عن كلام ذلك النصاب):

إنفلونزا الخنازير فيروس مُصنّع بالكامل كما سبق تصنيع الإيدز والإيبولا.. منظمة الصحة العالمية تقع بالكامل تحت سيطرة المؤسسات المالية الكبري وتأتمر بأمرها.. اللقاح قاتل وهو الذي سبب متلازمة حرب الخليج وأنا آمركم بألا تأخذوه.. بعض الليمون يقضي علي الفيروس بلا شك..

 

إلى آخر هذا الكلام الفارغ عديم الأدلة كالعادة! وبما أن هذا الراجل أجنبي وخواجة وذو اسم فخيم نوعاً فلسوف يصدق الكثيرون كلامه دون تفكير ودون أدنى محاولة للبحث في تاريخ الرجل أصلاً: "هل يُعقل أن تقدم لنا قناة الجزيرة رجلاً نصاباً؟! وهل يُعقل أن يكون هذا الكلام القوي الرائع الغني بنكهة نظرية المؤامرة كذباً؟! مستحيل يا رجل!" وهذا الرجل للعلم شهير جداً في مجال نظريات المؤامرة ونظريات نهاية العالم والإدعاءات الكاذبة على غرار اكتشاف علاج مرض سارس وعلاج سرطان الجلد بالملينات (!) وهو طبيب أسنان وليس خبيراً في أمراض الجهاز التنفسي أو الأمراض المعدية أو حتى طبيباً بيطرياً! (ويمكنك مراجعة ويكيبيديا وشبكة الانترنت كلها لتتأكد من كلامي)

يا أستاذ أحمد منصور هناك فارق كبير بين تقديم حلقة لمجرد تسلية المشاهد ببعض من الشائعات الطريفة الممتعة، وبين تقديم حلقة لتوعية الناس بخطورة المرض!

 

وربما لا يصدق البعض (اللذيذ) هذا الكلام خاصة وأن الرجل يهودي (!)، لكن ماذا عن شخصية ذات شعبية طاغية ونفوذ إعلامي قوي في بلاد الإسلام مثل الشيخ محمد حسان؟!! في برنامج ديني له أذيع في إحدى الفضائيات قال الشيخ محمد حسان: أن انفلونزا الخنازير لا تستحق كل وجع القلب هذا وأن أمريكا هي التي تنشر الشائعات عن خطورة أنفلونزا الخنازير في محاولة منها لتعطيل موسم الحج هذا العام (!) جميل جداً، لكن ما مصادرك شيخ حسان؟!! أستحلفك بالله أن تخبرنا!

 

الظاهر –والله أعلم- أن أمريكا دولة فاضية ورايقة لا هم لها في الحياة سوى اضطهادنا ونشر الشائعات لتخويفنا ولتعطيل موسم الحج!! طيب لماذا هذا العام بالذات؟! موسم الحج قائم دائماً منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا ولم يسمع أحد أن أمريكا فكرت في تعطيله.. ثم ما مصلحتها في ذلك أصلاً؟ الحج لا علاقة له بأمريكا على الإطلاق اللهم إلا المسلمين الأمريكيين الذين يأتون للحج.. حتى لو افترضنا أن هذا هو السبب وأن أمريكا خايفة على هؤلاء المواطنين فلتمنعهم من السفر للحج وخلاص ولا حاجة بها لتتعب نفسها في نشر شائعات سخيفة! (لا أشجع أمريكا طبعاً على منع المسلمين الأمريكيين من السفر للحج فلا تظنوا بي سوءاً!)

ثم أن رجلاً بشعبية محمد حسان خاصة في شعبنا الطيب (اللذيذ) ستجد الكثيرين ممن يصدقونه فيرخون دفاعاتهم ولا يصدقون أي شئ مما يقال عن المرض، وساعتها سيمرح الفيروس في صدور الناس المساكين الذين صدقوا هذا الكلام لمجرد أن محمد حسان قاله..! حقاً أنا لا أقصد الإساءة للشيخ محمد حسان وأحترمه وأحترم العديد من آراءه، لكن يا شيخ: اتقِ الله في الناس ولا تساهم بحسن نية في زيادة انتشاره.. وحتى لو كان فعلاً غير ذي خطر كبير فلنتخذ حذرنا منه على أي حال حتى لا نعود فنتحسر على اللبن المسكوب.. وتذكر أنه أيام ظهور مرض الإيدز قد صرح رئيس إفريقي بأن لا علاقة بفيروس HIV بمرض الإيدز على الإطلاق وصدقه كثيرون ولم يرجع الرجل في كلامه إلا بعد أن سقطت أول ضحية..!

 

إنها قوة الشائعات وحلاوة نظرية المؤامرة.. الشائعة رائعة لأنها تشعرك أنك تعرف أكثر من غيرك وأنك متفوق، وأنك تعرف الكثير عن تلك الدول والحكومات والمسؤولين الأشرار أكثر حتى مما يعرفونه عن أنفسهم! وتشعر بروعتها أكثر حين ترسلها لغيرك على النت فتكون رسالة ضمنية لهم تقول: أنا أعرف أكثر منكم يا حمقى! انظروا لتروا من أنا وشاهدوا هذه المعلومات الرهيبة التي لن تتمكنوا أيها المساكين من جلب مثلها! نظرية المؤامرة ترضي غرور البعض الذين تؤيد هذه النظرية وجهة نظرهم بأن (العالم لم يعد فيه خير) وأن كل الناس أولاد كلب ولا هم لهم سوى أذية الناس والتهامهم كالغيلان ومص دمهم، وهذه لعمر الله ما أدعوها عقدة اضطهاد! للشائعات قوة رهيبة لن تشعر بها إلا حين تقرأ التاريخ لتعرف أن هتلر نفسه كان يملك جهازاً إعلامياً خاصاً بنشر الشائعات في صفوف أعدائه لإضعاف شوكتهم، وأن الشائعات كان لها كذلك دور مميز في عنصر المفاجأة الذي صاحب حرب أكتوبر العظيمة، أو حين تعرف أن المسلمين على عهد النبي صلى الله علي وسلم كادوا يهاجمون قُريشاً حين أُشيع بينهم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قُتل على أيديهم، ولم يتراجعوا عن عزمهم إلا بعد أن عاد إليهم سليماً معافى..

 

ربما لا تكون انفلونزا الخنازير بهذا الخطر العظيم حقاً ولا يمكنني الإفتاء بهذا الخصوص، لكني متأكد حقاً من أن انفلونزا الشائعات أشد خطورة وكارثية! لذا أرجوكم أن تضعوا على صناديق بريدكم الإلكتروني وعلى آذانكم وعقولكم كمامات واقية تحميها من.. انفلونزا الشائعات..!

 

محمد الوكيل 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s