قراءة في كتاب (ما حدث) “مجموعة قصصية” للأستاذ أحمد محيي الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تلقيتُ نسخة من هذا الكتاب (ما حدث) أثناء حفل توقيع أعمال الكاتب الأستاذ أحمد محيي الدين ضمن أعمال الصالون الأدبي الطنطاوي الرابع يوم الاثنين الماضي 12 من أكتوبر لكن لم يتسنّ لي الحصول على توقيعه عليها للأسف كما لم أبدأ بقراءتها إلا بالأمس، وبصراحة كانت تجربة جيدة جداً ومميزة تختلف عن بعض المجموعات القصصية الأخرى التي قرأتها مؤخراً. وهو عبارة عن مجموعة قصصية متنوعة صادرة عن دار (اكتب) للنشر والتوزيع.

 

Zangetsu247

الكتاب يقع في 122 صفحة من القطع المتوسط، بين غلافين أنيقي التصميم والطبعة وهي سمة سائدة في أغلب أعمال دار (اكتب)، الغلاف ذو تصميم أزرق غامق جذاب وصورة موحية بالطابع العام لقصص المجموعة، ويحمل الغلاف الخلفي فقرة من قصة (مشهد موت) من الكتاب نفسه.. أعطاني شكل الغلافين ومضمون الفقرة انطباعاً عاماً عن العمل وهو أنه ذو قالب جاد وربما كئيب نوعاً على عكس الكتاب الذي ناقشناه المرة الماضية (شنتر بن عداد) وربما حتى يحتوي بعض التشويق الحركي أو الدراما الاجتماعية المؤثرة، لكن الشكل الخارجي عامة بسيط وأنيق ودفعني دفعاً للقراءة! خطوط الكتابة صغيرة نوعاً لكن مريحة تماماً في القراءة.

 

يشمل الكتاب 18 قصة قصيرة عناوينها بالترتيب: (مشهد موت – ضياع – في أروقة البيت الأبيض – أنوف طويلة – أشلاء كرامة – وحش خرافي بشنب- السادات / التحرير – جورب جديد – بسكويتة – في قلب الأحداث – الدليل – شارفت السلالة على النفاد – المباراة – حرف ألف – "خلاص – بح" – استحضار – فرقعة – سكر لا يذوب) وقد كُتبت أعمال المجموعة بين عامي 2005 : 2007 حسب الفهرس. رغم سُمك الكتاب الصغير إلا أن عدد القصص كبير نسبياً وهو ما يبشر بوجبة جيدة من القصص القصيرة السريعة المركزة –المفضلة لديّ!- وفي السطور التالية أقدم لك عرضاً مختصراً لكل قصة على حدة وانطباعي عنها:

1- مشهد موت: قصة تًُروى من منظور الشخص الأول First Person تحكي رؤية البطل لمشهد وفاة جار شاب في منطقته ومراسم جنازته. تبدو القصة من القراءة الأولى تجربة ذاتية للكاتب يبدو فيها تأثره بالواقع في تمكنه من إيصال الصورة العامة للمشهد بصورة جيدة. أروع ما في القصة براعة الكاتب في إظهار تطور الحالة النفسية للشخصية من البرود التام تجاه الموقف إلى التأثر الشديد به، هناك كذلك بعض النقاط التي اختصر فيها رؤية معينة في ذهن البطل مثل "فرصة لأن أجد مثل هذا العدد يصلي عليّ لاحقاً". القصة ممتازة وأعدها القصة الأفضل في الكتاب وربما قُصد من جعلها القصة الأولى إعطاء انطباع أفضل للقارئ عن باقي الكتاب.

2- ضياع: مركزة جداً وترمز لحال المصريين في الحاضر وضياع زمام أمورها من أيديهم بعد جهود الأجداد لجعلها أرضاً أفضل لخَلَفهم. نجح الكاتب في إيصال معنى القصة بمهارة، لكن أعيب في القصة اعتمادها على الحوار والحوار وحده والسرد التقليدي إلى حد ما، لكن يمكن تفسير هذا بأن القصة لكونها مركزة تتطلب ذلك. جيدة.

3- في أروقة البيت الأبيض: قصة ساخرة من نوع الكوميديا السوداء عن مواقف الرئيس السابق بوش الابن من حكومته ومع الشعوب والحكومات العربية التي صورها الكاتب متخاذلة كالحقيقة تماماً (!) القصة عادية في الواقع ولم أشعر منها سوى أنها استعراض لغوي لا أكثر.

4- أنوف طويلة: قصة أبطالها حيوانات الغابة ومنها الأسد والزرافة والقرود والغزال إلخ.. ترمز لحال النزاع بين الشعب والحكومة بسبب الديمقراطية التي يطالب بها الشعب وفئاته المختلفة، ورغبة حكومة الغابة في فرض حكمها بالقوة. هي عادية في الواقع ورمزيتها واضحة جداً وربما هي أشبه بقصص أطفال، وإن كنت أعتقد أن هذا مقصود من الكاتب بشكل أو بآخر.

5- أشلاء كرامة: عودة للتميز والبراعة في السرد والرمز! هي قصة حلم رآه شاب لبناني مجاهد أثناء إغماءته بعد انتهاءه من معركة ما، فهمتُ من خلال القصة الرمز للصراع بين رغبات الشاب وحبه للحياة وزخرفها وبين واجبه في الجهاد للملمة أشلاء الكرامة، المهمة التي عجز عنها كثير من العرب للأسف. بعض العبارات مركزة وتحمل معنى عميقاً، مثلاً: "نهض الصغار يردمون الحفرة ليتمكنوا من الجلوس في المكان من جديد"، يقصد بها عدم استسلام الصغار والشباب للموت والدمار على يد المحتل وتمسكهم بالحياة على أرضهم مهما يسقط منهم من شهداء، كذلك: "يركض دون أن يلحق به أحد" ترمز إلى لجوء البعض للهروب من المواجهة لينتهي بهم الأمر لاجئين في بلاد أخرى غريبة.. القصة عامةً عرض سريع لتاريخ النضال اللبناني ضد إسرائيل والمذابح الصهيونية هناك، ويبدو فيها موقف الكاتب من الحرب ونبذه للنزاع بين أفراد الشعب لاختلاف المذاهب أو الفرق، فكلهم في النهاية لبنانيون وأصحاب أرض وقضية واحدة. القصة ممتازة.

6- وحش خرافي بشنب: تعبر عن مخاوف الطفولة من خلال موقف ضياع الطفل من أمه في الشارع المزدحم، القصة طريفة جداً والكاتب برع في وصف نفسية الطفل وأفكاره. جيدة جداً.

7- السادات / التحرير: سرد ليوم في حياة شاب ريفي متقدم للدراسات العليا في الجامعة الأمريكية. قد تبدو في البداية قصة حياة يومية عادية لكن هناك رمزية خفية بين سطور القصة! تمكن الكاتب باقتدار من تصوير قلة حيلة الشخصية أمام حياة المدينة الغريبة عليه. القصة جيدة جداً ولو أن الرمزية متركزة في عبارتين فقط!

8- جورب جديد: قصة قصيرة مركزة تحمل مقارنة بسيطة بين المثاليات في ذهن شاب متقدم لوظيفة جديدة، والواقع المرير الذي يصطدم به. القصة ذات رمزية طريفة لكن سردها عادي نوعاً. جيدة.

9- بسكويتة: تصور هذه القصة الحالة النفسية للبطل ببراعة مدهشة كأنما سجل الكاتب المشهد بكاميرا فيديو تصور البيئة المحيطة وحتى عقل وأعماق الشخصية، ويبدو من القصة أن البطل مر بمواقف محزنة صادمة كثيرة يحاول التغلب عليها بإقباله على الحياة وإيهام نفسه بالاستمتاع بها دون فائدة، والقصة على كلٍ قد تبدو تجربة ذاتية للكاتب نفسه. جيدة جداً.

10- في قلب الأحداث: البطل هذه المرة أحد المحاربين القدماء، جسدت القصة شعوره المؤلم بالإهمال والتجاهل وقلة الأهمية حتى من المحيطين به الذين أنكروا أفضاله وجهوده في الحرب، وكذلك بسبب الروتين البارد القاسي الذي حولوا بطل حرب التحرير والكرامة إلى مجرد حبر على ورق. السرد عادي لكن النموذج القصصي أرى فيه تجديداً واضحاً (بالنسبة لي على الأقل)! جيدة.

11- الدليل: قد يتكون لديك عنها رأيان، واحد أنها ذات رمزية ما (خطورة الثقة العمياء ببعض الأشخاص التي قد تؤدي للضياع وربما الهلاك!)، والآخر أنها موقف كوميدي من نوع الكوميديا السوداء ليس إلا! وهما نفس الرأيان الذان فكرت بهما لكن لم أتمكن للأسف من الاستقرار على أحدهما. عادية.

12- شارفت السلالة على النفاد: القصة تُعرض من وجهة نظر أحد أفراد السُلطة الذي يستجوب شخصاً مشاركاً في مظاهرة ضد ارتفاع الأسعار ورؤيته لمظاهرة أخرى تندد باغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس. هي وجهة نظر الكاتب للاختلاف في الأولويات لدى الناس وإظهاره لخطورة هؤلاء المهتمين بقضايا بلدهم عن هؤلاء الذين ينددون بأمر حدث وانتهى. جيدة ومركزة.

13- المباراة: مركزة جداً جداً وفي أربع سطور لا أكثر! معناها قوي ومعبر جداً ونال إعجابي بشدة. ممتازة.

14- حرف ألف: ترمز للتسلط الأعمى الأجوف متمثلاً في ناظر المدرسة المتسلط الذي هو رغم ذلك أجهل من دابة ويخاف السُلطة الأعلى منه. السرد عادي لكن المعنى طريف نوعاً. جيدة.

15- خلاص- بح: قصة ساخرة من نوع الكوميديا السوداء شعرت فيها منذ اللحظة الأولى بتأثر أسلوب الكاتب بأسلوب الدكتور أحمد خالد توفيق، والقصة عموماً ترمز لتخلف الأمة عن الأمم الأخرى وانشغالنا بالتاريخ عن الحاضر والمستقبل. متوسطة.

16- استحضار: قصيرة جداً ومركزة وقد تتلقاها كقارئ بمعنيين مختلفين: (تدني عقلية الإنسان وكرامته حين يلجأ للخرافات ويرضى بالتخلف والرجعية – تفاهة وقلة أهمية الإنسان الفقير الكادح حتى صار لا يساوى حتى كيلو سكر!). ممتازة.

17- فرقعة: مركزة وسريعة، تعبر عن صلف وغرور المتسلط وشعوره بالقوة وعقدة العَظَمة لديه. جيدة جداً.

18- سكر لا يذوب: تحمل فكرتها تجديداً جيدا جداً ولجأ الكاتب فيها إلى بعض رمزيات واضحة نوعاً لكنها جيدة ومؤثرة. هي باختصار تكشف بعض الحقائق الخفية من وجهة نظر وزير في الحكومة وكونه هو الآخر –عكس الفكرة الشائعة عنه- مفعولاً به لا فاعلاً..! جيدة جداً وإن كان السرد عاديأً ومتأثراً بعض الشئ بالأسلوب السردي للدكتور أحمد خالد توفيق.

 

المجموعة بحق متميزة جداً في الكثير من قصصها وربما هي أفضل من الكتاب الذي تحدثتُ عنه سابقا (شنتر بن عداد)، وربما يبدو لك كما بدا لي أن الكاتب الأستاذ أحمد محيي الدين متمكن تماماً من الكتابة في القوالب الجادة وربما الكئيبة أحياناً، ومن تصوير الحالة النفسية للشخصيات وأفكارها، وميله للرمزية بشكل مكثف واهتمامه الشديد بقضايا بلده ووطنه العربي عامةً وهذه نقطة مهمة جداً تميز أعماله أيضاً، وفي رأيي أنه متمكن في هذا المجال أكثر من الكتابة الساخرة وسيبدو لك هذا حين تقارن بين قصصه الساخرة في هذه المجموعة أو حتى في (شنتر بن عداد) وبين القصص الأخرى ذات الطابع الجاد الرصين. الكاتب كذلك جيد جداً في السرد وإن تأثر سرده أحياناً بالكبار د.نبيل فاروق ود. أحمد خالد توفيق وربما حتى بسرد وأفكار يوسف إدريس في أحايين أخرى (على غرار وحش خرافي بشنب)، وهذا مما منحني انطباعاً أن الكاتب في هذه المجموعة حاول تقديم وجبة منوعة ومختلفة من أساليب وطرق الكتابة وأشكال وموضوعات القصة القصيرة وهذه نقطة جيدة، لكن كنت أفضل لو أبدع الكاتب في تلك القصص بأسلوبه الخاص الذي تميز بشدة في قصص أخرى. كما أنه بارع جداً في القصص المركزة القصيرة جداً لكن براعته هذه تقل في القصص الأكثر طولاً وإن كان هناك قصص طويلة متميزة كثيراً مثل (مشهد موت) و(بسكويتة) و(أشلاء كرامة).

من بين قصص (ما حدث) تميزت التالية: مشهد موت – أشلاء كرامة – وحش خرافي بشنب – جورب جديد – بسكويتة – المباراة – استحضار – سكر لا يذوب (وهذا في رأيي الشخصي ^^).

خلت المجموعة كلياً من الأخطاء الإملائية والنحوية فشكراً للأخ العزيز المصحح اللغوي (اللي عارف نفسه بقا! ^^) وكذلك اللغة سهلة وبسيطة وتمكن الكاتب في مواضع كثيرة من توظيفها في زيادة عمق المعاني وجمالها..

أعتذر عن الإطالة هذه المرة، فقط كانت محاولة لتوضيح انطباعي المتواضع عن هذا العمل المتميز والممتع و(اللذيذ) إن صح التعبير :)

وإلى لقاء آخر ^^

شكراً..

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s