لماذا الاسلام خاصة..؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

قرأتُ هذا الخبر الصغير في صفحة (يوم جديد) بأهرام الثلاثاء الماضي 20 من أكتوبر 2009، والعنوان طبعاً لافت للنظر خاصة مع كلمة (مسيئة) التي ارتبطت في أذهاننا في السنوات الماضية بأي تعدي على  الإسلام أو شخص رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وهي كذلك بالفعل!

الخبر ببساطة أن دار نشر (دروستة) في ألمانيا رفضت نشر رواية للكاتبة الألمانية (جابريله لرينكمان) بعنوان (من يستحق الشرف) بسبب رفض الكاتبة تغيير مقاطع مسيئة للإسلام فيها.. حسب الخبر الرواية تتضمن تطاولاً على القرآن الكريم وتصف الدين الإسلامي بالجحيم الأخضر إلخ..!! واستاءت وسائل الإعلام بشدة من هذا لاعتبارها الأمر (نوعاً من الرقابة الذاتية) أو تعدياً على الحرية الفكرية أو أي شئ من هذا القبيل!

 

من الواضح –والله أعلم- أن دين الإسلام الحنيف قد صار نهباً للعديد من أصحاب القلم في الغرب الذين لا يكلفون أنفسهم مشقة القراءة عن الإسلام وفهم حقيقته وروحه، فيكتفون بالكتابة عن الصورة السيئة –للأسف- التي يظهرها المسلمون أتباع الدين السمح المسالم عن دينهم بأنه دين تحريم قبل تحليل، ودين عقوبات وكبت للحريات والفكر وقتل للأبرياء بغير ذنب..

من الأول: لا نقبل أبداً كمسلمين أولاً وكبشر أحرار نحترم حرية العقيدة ثانياً، لا نقبل أي تعدي على أديان أو عقائد بأي شكل كان ومهما يكن السبب.. الأديان أيها السادة الغربيون ليست نهباً لأقلامكم التي تظنون أنها لن تكون حرة إلا حين تسب ديناً أي دين وبخاصة الإسلام، والحرية الحقة براء منكم..

 

لكن: لماذا؟؟ ألم نتساءل أبداً ما سبب الهجمات الفكرية والأدبية وحتى الفنية أحياناً على الإسلام..؟ ألم نتخلَ يوماً عن البارانويا لدينا ونفكر أن هناك سبباً وربما أسباب يراها الغرب وجيهة ليطلق أقلامه في إسلامنا..؟

الأمر يا جماعة ليس أن الإسلام هو السبب.. لم يكن الإسلام في يوم كما يقولون ولم يوجد الإسلام كقيد كبير يقيد عقولنا وحياتنا نحن أتباع الإسلام، واسأل أي عالِم دين إسلامي فقيه عاقل أو أي قارئ متعمق في الإسلام وتاريخه وعقائده.. السبب والمشكلة كلها فينا نحن!

العيب كالحقيبة المعلقة في ظهرك لا تراها أبداً وربما لا تشعر بها، لكن غيرك يراها جيداً.. أو ربما هو صعب نوعاً أن نتقبل عيوبنا ونحاول تقويمها، سمها مسألة كبرياء أو عمى عن الحقيقة أو ما شئت!

 

قبل عام أو أقل تحادثت مع ملحد نرويجي على المسنجر بشأن الإسلام وكونه دين سلام من عدمه، فأفاجأ به يرسل لي صورة لرجلين تجري مراسم إعدامهم شنقاً فوق تل في صحراء ما.. سألته فقال أن القائمين على عملية الإعدام جماعة إسلامية ما حكمت عليهم بالإعدام شنقاً لكونهما مثليين جنسياً، قائلاً في سخرية: أهذا هو دين السلام الذي تنادي به؟؟ وحين سألته أخبرني بأن المُعدمين ليسوا تابعين لحكومة ما وإنما هم جماعة إسلامية مستقلة! (ليست عربية بالمناسبة ولا أذكر أين تحديداً)

هذا سبب: نحن لا ننفذ أحكام الإسلام بشكل صحيح ولا نقرأ في الدين كما يليق به وبنا، وإذا بنا نطبق ما نظنه من الإسلام وهو ليس من الإسلام في شئ! يكفي أن المُعدمين هنا لم يلجأوا –حسب علمي- لمرجعية دينية صحيحة وربما حتى لم يُطبقوا الشرع في التعامل مع هذه الجرائم (ولست أعلم حقاً حكم الشرع في هذه الأحوال ولا أريد الإفتاء بغير علم).

 

تبادلت حواراً مع عالِم دين محترم بهذا الشأن فأعطاني مثالاً رائعاً لما أريد الحديث عنه هنا: "لو أنك دُعيت للسكن في جنة رائعة الجمال فأردت السكن لكنك سمعت بأن رجلاً مؤذياً سيئ الخُلُق يعيش فيها، هل كنت لتسكن في تلك الجنة حينها؟! ساعتها ستخبر الناس كلها بأن لا يسكنوا وأن يقوا أنفسهم شر السكنى هناك!"         –يًقصد بالجنة هنا الحديقة الكبيرة-

قال ذلك العالِم الفاضل ما أردت قوله تماماً: كيف بالله عليكم يُحسن الغرب الحديث عن الإسلام بينما أهله بهذا الحال، يسيؤون للإسلام ويشوهونه بحسن نية ظانين أنهم يخدمون الدين بأفعالهم، ولا يبعد عن ذهنك بالطبع بن لادن الذي أشعل فتيل الأمر كله بهجماته التي يحسبها جهادية وهي لم تفعل في الغالب سوى قتل المزيد من الأبرياء، جاعلاً الآخرين يرون الإسلام دين حرب يحث على قتل الأبرياء، وناسياً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهي الغازين عن قتل النساء والشيوخ والأطفال والرهبان في معابدهم بل وعن قطع الأشجار!

 

نحن متمسكون بشكليات الدين بشدة حتى حسبناها هي الدين نفسه، نظن أن الدين ليس سوى الأركان الخمسة وحسب، ونسينا أن البر حسن الخُلق وأن رجلاً دخل الجنة في كلب سقاه في صحراء وأن إمرأة دخلت النار في قطة حبست عنها الطعام حتى ماتت، نسينا أن العمل والاجتهاد والمعاملات جزء من الدين لا يقل أهمية عن العقيدة والعبادة، فانتشر الفساد والفقر والإنحراف والتمزق بيننا كأفراد وكدول من بعد، وتخلفنا حضارياً حتى صار عملنا الوحيد لملمة بقايا الغرب التقنية والحضارية وحتى صار الفارق بيننا وبينهم 100 سنة حضارية على الأقل! وليس السبب كوننا مسلمين من عدمه فغالبية أهل الغرب غير مسلمين، إنما الفرق في قلوب البشر وعقولهم وعملهم من أجل إصلاح الفاسد ودفع عجلة الحياة والتقدم..

 

أنا لا أقول هنا أن الشكليات غير مهمة، لكنها في الوقت ذاته ليست الدين كله.. وليس من الدين أن تصلي وتصوم وتزكي وتحج ثم تذهب إلى عملك فترتشي وتعطّل مصالح العباد وتقبض مرتبك دون مجهود يُذكر، أو تنزل إلى الشارع فتتحرش أو تسب بأقذع الألفاظ أو تنصب وتنهب جيوب غيرك باسم الفهلوة والشطارة (يا أخي إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي!).. كيف تتوقع من الغرب أن يصدق أن الإسلام دين أخلاق ومعاملات، بينما معتنقوه بهذا الشكل؟! بل وكيف تتوقع من الغرب أن يصدق أن أمة الإسلام هي أمة إقرأ ونحن لا نقرأ؟!  وأن المسلمين الأوائل كانوا صناع الحضارة والعلم والأدب بينما أحفادهم وخَلَفهم متخلفون ما يزال كثير منهم أميون بالقراءة والكتابة وبالكمبيوتر؟! نحن للأسف نضيع الوقت في خلافات جانبية أوقفنا حياتنا لأجلها بينما الآخرون يسبقوننا إلى الأمام بسرعة الضوء.. نحن ولله الحمد نغضب لديننا وندافع عنه أوقات الإساءة والهجوم، وهي قدر ما هي غيرة حميدة على الإسلام قدر ما هي شعور داخلي في قلوب الناس بالتقصير في حق الدين في كل شئ تقريباً فيعوضون هذا بغضب عارم في الدفاع يصل لقلة الأدب والتطاول بالسب والقذف أحياناً، ناسين أن الرسول صلى الله عليهم وسلم نفسه تعرض في حياته لأكثر من مجرد إساءة بالكلام أو الرسوم ولم يُطِل لسانه أو يده يوماً على أحد من المسيئين، وناسين أن الرسول صلى الله عليه وسلم يُفترض به أن يكون قدوة حسنة لنا.. وإساءة الأدب في الرد على مثل تلك الإساءات يؤكد أفكار هؤلاء ويزيد إصرارهم على الإساءة..

 

والحل لهذا كله؟؟ سيقول البعض: علينا تحسين الخطاب الديني وتكثيف جهود تدريب الدعاة في الدول الأخرى.. كل هذا كلام جميل جداً وصحيح، لكن أين الأساس؟ يجب أن يؤدي الداعية مهمته على أساس من الدراية الكاملة بالدين من صحيح الدين وليس من مصادر مغلوطة أياً كانت.. ثم لاحظ أنه ليس كل الغرب قد يستمع لهؤلاء الدعاة الرسميين. في عصر كهذا صار الكلام عن الدين متاحاً للجميع على الانترنت خاصة بين شخصين أحدهما مسلم والآخر ملحد أو متدين بدين آخر (وعادة يكونون من الشباب).. الذي يمثل الإسلام في محادثة كهذه لابد أن يعرف كيف يرد على تساؤلات الطرف الآخر وبعضها صعب ومعقد وقد يهز ثقة ممثل الإسلام بنفسه..

يجب أن نعرف تماماً أن الرد على تساؤلات الغرب بشأن الإسلام لابد أن تسبقه دراسة وقراءة عميقة للمسلمين أنفسهم في القرآن الكريم والسنة الصحيحة وتفاسيرهما ومناقشتها مع فقهاء وعلماء وسطيين عقلاء.. حتى لا تكون النتيجة مجرد إجابات سطحية جزافية تشوه صورة الدين في عيون الغرب بل وقد تهز إيمان المسلم نفسه –وهذا يحدث والله العظيم وأتحدث عن خبرات شهدتها بنفسي هنا!-، وقبل هذا كله حتى يكون الإسلام عملاً ودافعاً للنهضة لا عقيدة دون عمل..

 

الأساس مهم لحل كل ذلك.. تعلم الدين ودراسته وتحويله لدافع حقيقي للعمل والتقدم سيصحح الكثير من الأخطاء في فِكر الناس ونظرتهم للحياة ومعاملاتهم ومنحهم الغرب صورة صحيحة ناصعة عن الإسلام العظيم.. حتى لا يجرؤ أمثال هذه الكاتبة الألمانية أو الرسامين الدنماركيين إياهم على التطاول مجدداً، والحمد لله أن الأمر هذه المرة مر على خير ومُنع نشر الرواية قبل معرض فرانكفورت للكتاب.. وإلا حدث مالا يحمد عقباه ربما للطرفين وليس لطرف واحد كما نظن..!

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s