إمرأة من ألبيون – أنطون تشيكوف (ترجمة محمد الوكيل)

إمرأة من ألبيون* (قصة قصيرة)

أنطون تشيكوف – ترجمة محمد الوكيل

 

توقفت عربة فاخرة ذات عجلات مطاطية ومقاعد يكسوها المخمل يقودها حوذي بدين، عند منزل مالك أراضي يدعى جريابوف. نزل من العربة فيودور أندريتش أوتسوف مشير طبقة النبلاء في المنطقة، واستقبله خادم نعسان في باحة المنزل. سأله المشير:

– "هل من أحد من أفراد الأسرة في المنزل؟"

* "لا يا سيدي. السيدة والأطفال يقومون ببعض الزيارات، والسيد والمدموازيل** يصطادان السمك. يصطادان منذ الصباح".

وقف أوتسوف يفكر قليلاً، ثم توجه إلى النهر باحثاً عن جريابوف، ثم وجده بعد أن هبط مع مسار النهر مسافة ميل ونصف من المنزل. انفجر أوتسوف من الضحك حين نظر من فوق الضفة المنحدرة ورأى منظر جريابوف..

 

كان جريابوف، وهو رجل ضخم متين البنية كبير الرأس، جالساً على الرمال يصطاد السمك طاوياً ساقيه تحته كالأتراك، وكانت قبعته على ظهر رأسه وربطة عنقه متدلية على جانب واحد. وبجواره وقفت إمرأة إنجليزية طويلة نحيلة ذات عينين بارزتين كعيني سرطان البحر وأنف أشبه بمناقير الطيور يبدو كخُطاف أكثر منه أنفاً. كانت تلبس رداءً أبيض من الموصلي بدا منه كتفاها الأصفران الخشنان بوضوح شديد، وعلى حزامها الذهبي تدلت ساعة ذهبية صغيرة. كانت هي الأخرى تصطاد السمك. ساد سكون القبور على جريابوف والمرأة. كان الاثنان عديمي الحركة بينما النهر الذي يطفو عليه قارباهما يجري.

 

ضحك أوتسوف قائلاً:

– "شغف شديد وملل أشد! طاب يومك يا إيفان كوزميتش".

سأله جريابوف:

-"هذا أنت؟ هل أتيت؟"

* "كما ترى.. وما تزال أنت منهمكاً في هرائك المجنون! ألم تستسلم بعد؟"

– "أنا مُصِّر بعد.. أبدأ صباحاً وأصيد طوال اليوم.. الحصيلة ليست كبيرة اليوم. لم أصطد شيئاً ولم تفعل هذه البلهاء. ننتظر وننتظر ولا نصيد حتى شبح سمكة! أكاد أصرخ من الغيظ!"

* "فلتتوقف عن هذا إذاً. لنذهب ونتناول كأسين من الفودكا!"

– "انتظر قليلاً فربما نصطاد شيئاً. قرب المساء يلتهم السمك الطُعوم أفضل. أنا جالس هنا منذ الصباح يا صديقي! لن تصدق كم أن هذا ممل. لابد أن الشيطان ذاته هو من أغواني بإدمان الصيد! أعلم أن جلوسي هنا بلاهة حقيرة. أبدو في جلستي هنا كالأوغاد أو المجرمين، وأبقى أحدّق في الماء كالحمقى. كان عليّ الذهاب للإشراف على جمع المحاصيل، لكن ها أنا ذا جالس أصطاد السمك. بالأمس طلب مني قداسته القيام بعمل له في هابونييفو، لكني لم أذهب وقضيت اليوم هنا مع.. مع هذه الشيطانة."

سأله أوتسوف بينما يلقي نظرة سريعة خجلة على المرأة الإنجليزية:

– "هل فقدت إحساسك؟! كيف تتحدث بهذه الطريقة أمام سيدة وهي.."

* "أوه، تجاهلها، لا يهم فهي لا تفهم حرفاً من الروسية، وسواءً مدحتها أم ذممتها فلا فرق لديها! انظر إلى أنفها! أنفها وحده كافٍ لإصابة المرء بالإغماء. نحن نجلس هنا أياماً كاملة ولا نتبادل كلمة واحدة بينما تقف هي كلوحة صماء وتدير بصرها في الماء وحسب."

تثاءبت المرأة الإنجليزية ثم وضعت دودة جديدة في الخُطّاف وألقت به إلى الماء.

 

تابع جريابوف:

– "لطالما تعجبتُ لأمرها، هذه الغبية تعيش في روسيا منذ عشر سنوات ولم تلتقط كلمة واحدة من الروسية! أي أرستقراطي صغير لدينا يسافر لبلادهم ويتعلم لغتهم ويثرثر بها، بينما هم.. هم لا نفع منهم. انظر فقط إلى أنفها، بربك انظر إلى أنفها!"

* "توقف عن هذا.. هذا مزعج. لِمَ تتعدى بالكلام على سيدة؟

– "إنها ليست سيدة، بل فتاة بِكراً.. أراهن أنها تنتظر أي متقدم لطلب يدها، هذه الدمية الفبيحة. ورائحتها كرائحة شئ فاسد.. صرتُ أمقتها يا صديقي! لا أحتمل النظر إليها. حين تنظر إليّ بعينيها القبيحتين تنتشر وخزة قوية في جسدي كله كأنما صدمتُ مِرفقي بجدار. إنها تحب الصيد أيضاً. تأملها: إنها تصطاد كأنما هذا منسك مقدس! تنظر لكل شئ بإزدراء.. التعسة تقف هنالك وكأنما تعد نفسها كائناً بشرياً وبالتالي تعد نفسها ملكة الطبيعة! ثم هل تعرف ما اسمها؟ ويلكا تشارلزوفنا فييس***! تفوو! لا مفر من هذا كله!"

 

حين سمعت المرأة الإنجليزية اسمها أدارت أنفها بتؤدة إلى اتجاه جريابوف وتفحصته بنظرة متكبرة، ثم نقلت عينيها من جريابوف إلى أوتسوف ورمقته بازدراء شديد، كل هذا في صمت وبكرامة وتؤدة.

قال جريابوف ضاحكاً:

– "رأيت؟ كأنما تقول: (تلقَ هذه!). آه أيتها الوحش! لستُ باقياً عليها إلا من اجل أطفالي. لو لم يكن الأمر كذلك لما سمحت لها بالإقتراب من محيط أرضي على بعد عشرة أميال.. أنفها كالصقر.. ثم قوامها! تلك الدمية تذكرني بالمسمار الطويل حتى ليمكنني أن آخذها لأدقها في الأرض! انتظر.. أظن الصنارة غمزت.."

قفز جريابوف ورفع صنارته. صار الخيط مشدوداً جداً.. جذب جريابوف مجدداً، لكنه لم يتمكن من إخراج الخُطّاف من الماء.

 

قال جريابوف متجهماً:

– "أظن الخيط تعلق بصخرة.. فلتحل اللعنة.."

بدت على وجه جريابوف ملامح القلق. استمر يجذب الخيط بينما يتنهد ويتحرك باضطراب ويتمتم ساخطاً لاعناً.

– "يا للسخف. عليّ أن أنزل إلى الماء."

* "أوه! لا تفعل!"

– "لا يمكنني ألا أفعل.. الصيد الجيد يكون في المساء دائماً.. يا للإزعاج. سامحني يا رب، يجب أن أنزل في الماء، يجب! لستُ أميل إلى نزع ثيابي. يجب أن أتخلص من المرأة الإنجليزية.. من الصعب أن أنزع ثيابي أمامها، فهي إمرأة على أي حال!"

ألقى جريابوف بقبعته وربطة عنقه جانباً. خاطبها قائلاً:

-" مـ.. مِس.. إممم.. إممم.. مِس فييس، أريد أن.. ماذا سأقول لها؟ كيف أخبركِ حتى تفهميني؟ أعني.. هناك! اذهبي بعيداً إلى هناك! أتسمعين؟"

نظرت الآنسة فييس إلى جريابوف بازدراء وأطلقت صوتاً من أنفها.

– "ماذا؟ ألا تفهمين؟ أقول لكِ ابتعدي من هنا! يجب أن أنزع ثيابي يا دمية الشيطان! اذهبي إلى هناك! إلى هناك!"

جذب جريابوف المرأة من كُمّها وأشار لها إلى ما خلف الشجيرات، مشيراً لها بما معناه أن تجلس، كأنما يريد القول: اذهبي وأخفي نفسكِ خلف الشجيرات. رفعت المرأة الإنجليزية حاجبيها بقوة وتمتمت بعبارة طويلة بالإنجليزية، فضحك الرجلان.

– "هذه أول مرة في حياتي أسمع صوتها. لا شك في أنه صوت بشري! إنها لا تفهم! ترى ماذا أفعل لها؟"

* "توقف عن هذا كله ولنذهب ونتناول الفودكا!"

– "لا يمكن. الآن الوقت الأفضل للصيد.. إنه المساء.. ما تريدني أن أفعل الآن؟ هذا مزعج! يجب أن أنزع ثيابي أمامها.."

 

نزع جريابوف معطفه وصدريته وألقاهما جانباً وجلس على الرمل لينزع حذائه ذا الرقبة الطويلة.

قال المشير مخفياً ضحكته بكفه:

– "قلت لك أن هذا شنيع يا إيفان كوزميتش، هذه إهانة"

* "لم يطلب أحد منها ألا تفهم! هذا درس لهؤلاء الأجانب!"

نزع جريابوف حذاءه وبنطاله، ثم ألقى بثيابه التحتية جانباً فصار كما ولدته أمه. أمسك أوتسوف بخاصرتيه واحمر وجهه من الضحك والخجل، بينما ارتعش حاجبا المرأة الإنجليزية ورمشت بعينيها..وسرت ابتسامة متغطرسة مزدرية في وجهها الأصفر.

قال جريابوف ضارباً ضلوعه بكفيه:

– "يجب أن أبرّد جسدي. أرجوك أن تخبرني يا فيودور أندريتش لماذا أصاب بطفح جلدي في صدري كل صيف."

* "أوه! انزل إلى الماء سريعاً أو استر نفسك بشئ ما أيها الهمجي!"

قال جريابوف بينما يرسم الصليب على صدره وهو يخوض الماء:

– "إنها حتى لم تضطرب، تلك القذرة.. بررر! الماء بارد.. انظر كيف تُحرّك حاجبيها! إنها لا تبتعد.. إنها بعيدة جداً عن الزحام! ها ها ها..  كذلك هي لا تعدنا كائنات بشرية."

خاض في الماء حتى ركبتيه ثم شد قامته الضخمة إلى أقصى ارتفاعها، وغمز بعينه قائلاً:

– "نحن لسنا في إنجلترا كما تعلم!"

 

في هدوء وضعت الآنسة فييس دودة أخرى في خطاف السنارة، ثم تثاءبت وألقت بالخطاف في الماء. استدار أوتسوف مبتعداً بينما حرر جريابوف خُطّافه وغطس في الماء ثم تفل وخرج من الماء. بعدها بدقيقتين كان جالساً على الرمال يصطاد كما كان يفعل.

 

 

(تمت)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ألبيون: اسم قديم لإنجلترا أو للجزيرة البريطانية عامة، يُستخدم في الأشعار بكثرة.

** مدموازيل: آنسة بالفرنسية. كان شائعاً في طبقة النبلاء التحدث بالفرنسية كرمز للرُقي.

*** ويلكا تشارلزوفنا فييس: شكل روسي خاطئ من اسمها الإنجليزي. تشارلزوفنا تعني "ابنة تشارلز".

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s