ابتسامة أبي..

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لم أجد سبباً معيناً يدفعني للاستيقاظ مبكراً هذا الصباح، خاصة وأن اليوم بلا محاضرات أو سكاشن يهمني حضورها في الكُليّة وأن لا مواعيد أو أعمال خاصة عليّ حضورها أو إنجازها.. المهم أنني استيقظت فتجولتُ في الشقة للحظات.. لم تكن أمي الطيبة في المطبخ ولم تكن أخواتي بالمنزل.. لابد أن الصغرى في المدرسة والكبرى خرجت مع أمي لشراء الثياب أو لزيارة الطبيب أو أي سبب ترى أمي أن إخباري عنه غير مهم..

 

لا أدري لِمَ دار ببالي أن أدخل غرفة نوم أبي. لم أكن قد أفطرت أو شربت شاياً بعد، وبالنسبة إليّ لا يستقيم يومي دون أن أبدأ بهذين، إلا أنني خطوت ببطء إلى الغرفة، وهناك وجدته..

كان مستلقياً بجسده الأسمر فارع القامة في منامة زرقاء على الفراش العريض حتى ليكاد يملأ عرض الغرفة الصغيرة، فاتحاً جريدة يقرأها باهتمام وقد فردها أمامه مفتوحة فأخفت عني وجهه وصدره.. لم يكن التلفاز مفتوحاً على قناة الجزيرة كما يفعل عادة.. هناك مقعد خشبي صغير بجوار الفراش يضع عليه منبهاً وعلبة نظارته الطبية وبعض متعلقات صغيرة أخرى، وجدتُ نفسي أزيح هذه الأشياء جانباً دون استئذان لأجلس إلى جواره. ابتسمتُ ووضعت يدي على كتفه مزيلاً التكلف المعتاد بيننا:

-صباح الخير يا بابا.

التفت إليّ ناظراً بعينين مصفرتين، ثم أشرق وجهه فكشف عن أسنانه البيضاء دوماً في ابتسامة عريضة:

-صباح الخير يا حبيبي. إيه اللي صحّاك بدري؟

*مش عارف.. زهقت من النوم صحيت.

ربت بيده الأخرى على يدي دون أن يرد. سألته:

-إزيك النهارده؟

*مبسوط وبخير الحمد لله.

ابتسمتُ مجدداً وقلت:

-مش بتتفرج على الجزيرة النهارده ليه؟

*مش ضروري بقا.

هززت رأسي ثم هممت بالنهوض سائلاً:

-أحضر لك الفطار؟

*لا يا حبيبي ربنا يخليك، شبعان وراضي الحمد لله. روح افطر إنت لو عاوز.

-لا لا أنا مش جعان دلوقت. المهم نتآنس بقعدتك.

ابتسم ولم يرد وعاد بنظره إلى الجريدة. ساد الصمت بيننا فأخذتُ أداعب المنبه الأسود الكبير كعادة محببة. تذكرتُ أمراً فسألت:

-هي ماما خرجت راحت فين؟

*نزلت تشتري حاجات هي وأختك وزمانها جاية. المهم إنت عامل إيه في المذاكرة؟

-تمام الحمد لله. ربنا يعين بس.

قال كعادته حين يسألني عن الدراسة:

-شد حيلك أوي، عاوز أسمع عنك كل خير.

 

صمت مرة أخرى. وجدته ينظر إليّ مجدداً وسألني بابتسامة العالم ببواطن الأمور:

-شكلك عاوز تقول حاجة. قول، خايف ليه؟

ابتسامة خجلة:

-يعني..كنت عاوز أسألك على حاجة..

*قول.

-مش متضايق من قعدتي جنبك وإنت بتقرا الجورنال وكده؟

*أضايق من إيه بس؟ دا أنا نفسي كنت تقعد معايا ونقعد نتكلم كتير والله.

-وأديني جيت أهو.. بس متمشيش إنت بقا وتسيبني زي المرة اللي فاتت. خرجت مشوار وجيت ملقيتكش.

*أنا آسف يا حبيبي.. كان لازم أخرج ساعتها. كنت عاوز أقعد معاك وقت أطول شوية، وكان نفسي أكلمك وتكلمني كتير. ما كانش المفروض أعمل بيني وبينك حواجز أيام ما كنت إنت صغير، وتلاقيك بتكلمني دلوقت وإنت خايف أعمل لك حاجة.. صح؟

ثم شرد ببصره إلى لا شئ، قائلاً بصوت خفيض:

-سامحني يا محمد يا بني.. كانت غلطتي من الأول.

 

أطرقت، ثم ربتُّ على يده النحيلة الباردة قائلاً:

-متقولش الكلام ده يا بابا دا إنت سيد الناس..

*لا، أنا عارف إني كنت غلطان طول عمري.. وعاوزك دلوقت تسامحني..

-مسامحك.. والله العظيم مسامحك.. أنا اللي عاوزك تسامحني لو كنت مقصر في حقك ولا لو كنت بتضايق منك. إنت حبيبي وخيرك عليّ طول عمرك.

*مش زعلان منك يا محمد.. أنا ما كنتش عاوز غير مصلحتك دايماً. أنا كنت باعمل كده بطريقة غلط، لكن بجد أنا ما كنتش عاوز غير إنك تبقى كويس وراجل محترم زي أبوك.

لم أجب، وبدأ جسدي ينتفض كعادتي في المرات النادرة جداً التي أبكي فيها.. قلت:

-ما تخافش عليّ يا بابا. أنا بإذن الله هاكون زي ما كنت عاوزني وأحسن.. المهم إن إنت مرتاح.

*مرتاح يا حبيبي طول ما إنتم مرتاحين.  

 

وجدته يطوي الجريدة ثم ينهض ليجلس في الفراش في بطء ويلتفت إليّ قائلاً بابتسامة ندر أن أراه يظهرها:

-أنا مبسوط أوي إني قعدت اتكلمت معاك كده، ومبسوط إنك بطلت تقول (حضرتك) دي. كان نفسي من زمان تكلمني زي صاحبك أو أخوك الكبير.. يالله بقى ما عادش ينفع. الله يلعن السرطان وسنينه.

ربتُّ على كتفه فلم أحس بثقله ولا بالعظام البارزة فيه.. بدأ جسده النحيل يخفت حتى رأيتُ وسائد الفراش خلاله.. تأملني طويلاً بذات العينين المصفرتين قائلاً بصوت واضح رغم التلاشي:

-أنا عند رب كريم ومبسوط والحمد لله ومش خايف على نفسي.. خد بالك إنت من ماما وإخواتك ومن مذاكرتك ومستقبلك. معلش ربنا مش مقدر إني أفضل معاكم كتير.. معتمد عليك إنت الراجل دلوقتي.

* في عينيّ يا بابا.. بس إنت متنسانيش، عاوز أبقى أشوفك على طول.

-بإذن الله يا حبيبي.. مش عارف هاقدر أجيلك دايماً ولا لأ، بس ما تقولش لماما إني جيت. خليها بيننا وبين بعض، ماشي؟

 

نطق الكلمة الأخيرة غير واضحة بينما تلاشى طيفه من المكان تماماً.  بقيتُ في مكاني لدقيقة، ثم ابتسمتُ من بين دموعي التي اكتشفت أن عينيّ خذلتاني فأطلقتاها.. همست:

-بالسلامة يا بابا. متخافش علينا من حاجة، ربك كبير.

 

نهضتُ خارجاً من الغرفة فأغلقت الباب.. ثم توجهت إلى المطبخ لأعد إفطاري وشايي لأبدأ اليوم الجديد..

 

 

محمد الوكيل

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s