عن المحكمة والمواعيد والمدرسة وأشياء أخرى (يوم من عمر العبد لله)

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن لديّ صباح اليوم أي التزامات خاصة، إلا أن (الحاجَة) أخبرتني بوجوب ذهابي معها وأختي الصغرى لمجمع محاكم طنطا هذا الصباح لقضاء بعض أمور روتينية تخص معاش والدي رحمه الله. طبعاً استيقظت على مضض وعجل في نفس الوقت (!) حيث اكتشفت أنه علينا مقابلة المحامية التي نتعامل معها في شؤون المعاش وما إلى ذلك، عند المحكمة في تمام الساعة التاسعة والنصف.

العبد لله بفضل الله يعشق دقة المواعيد ولا يطيق التأخر عن موعده دقيقة (حقاً وبدون مبالغة والله!) فأسرعت بالذهاب مع والدتي وأختي إلى مقر المحكمة قرب محطة قطار طنطا، ووصلنا إلى هنالك عند التاسعة والنصف إلا خمس دقائق، طبعاً على أساس أن (المحامية مستنية هناك وما يصحش نتأخر عليها ونسيبها ملطوعة في الشارع كده) حسب تعبير الحاجَة.. فقط لأجد أن المحامية لم تكن قد خرجت من منزلها أصلاً حين اتصلنا بها نسألها عن مكانها! (المحامية من المحلة بالمناسبة، يعني سفر نصف ساعة على الأقل حتى تصل إلى المحكمة!)

طبعاً صرنا نحن الملطوعين في المحكمة وقوفاً لمدة ساعة بالضبط، حتى أنه ممنوع علينا الجلوس لأن الدكة الخشبية الوحيدة في الدور يُمنع الجلوس عليها للمواطنين غير أصحاب المصالح لأنها أمام مكاتب السادة رؤساء النيابة، وهو لعَمر الله تمييز عنصري بحت!

 

لم أُظهر أمام أسرتي امتعاضي من تأخر المحامية مطلقاً رغم أنني كنت أتحرق شوقاً للعودة لمنزلي وحاسبي العزيز.. إلى أن وصلت (الهانم) المحامية بسلامة الله دون كلمة اعتذار يتيمة عن تأخرها كل هذا الوقت.. المشكلة هنا ليست الاعتذار وإنما أنها لم يكن في نيتها الالتزام بالموعد الذي قطعته أصلاً، كأنما قطعته لتُسكتنا وحسب..!

المهم أننا بدأنا خوض الإجراءات الروتينية والتي ظننتها لن تتعدى أكثر من مثولنا أمام المجلس الحسبي لتأكيد بعض البيانات والوقائع.. لأكتشف كذلك أن الموظفة (اللذيذة) هناك لم يعجبها شكل بيان المعاش المطلوب وطلبت استبدال بيان معاش تفصيلي بنصيب كل فرد من العائلة بهذا البيان الحقير المعفن الذي لم يعجب السيادة! مع أن المعاش (الفظيع) كله لا يتعدى 230 جنيها بالضبط، وكان يمكنهم حساب الأنصبة يدوياً وتسجيلها بل وكتابة إقرار ممهور بتوقيعاتنا وبصمات أيدينا وأرجلنا إن لزم الأمر بصحة هذه البيانات! وفي النهاية أحلنا الأمر للمحامية، والغريب أن الموظفة اللذيذة طلبت منا استخراج البيان التفصيلي في أقرب وقت ممكن (أحسن ما يدفعونا غرامة ويبقا فيها مشاكل) وقالتها بابتسامة سعيدة جداً كأنما المشاكل فطورهم اليومي هنالك!

 

بعدها عدت وأختي للمنزل وتوجهت أمي لمدرسة أختي لاستخراج بعض أوراق خاصة بأختي، لتجد كذلك أن ختم العصفورة.. أقصد النسر المطلوب لإكمال الأوراق محبوس داخل غرفة ضاع مفتاحها حسب أقوال العاملين هناك، وطلبوا من أمي العودة للمدرسة مجدداً الأسبوع القادم (!) فقط لمجرد ختم بعض أوراق لن يقرأها خاتمها ولن ينظر فيها أصلاً، بالباشا ختم النسر الحبيس في قفص ضاع مفتاحه..! مع العلم أنه من المفترض أن هذه المتعلقات (المفاتيح والأختام) عهدات واجب الحفاظ عليها.. يا عشاق العهدات في مدارس الحكومة!

 

لم يمضِ إلا نصف اليوم فقط حتى الآن، ولا أستطيع بالطبع أن أحسب البضع ساعات الماضية يوماً، إلا أن أحداثها استفزتني حقاً حتى إن كانت مجرد أحداث عادية بسيطة تمر علينا جميعاً.. لكن في رأيي أن تأخير المواعيد وتعطيل مصالح خلق الله ليس أمراً عادياً أبداً:

1- ما الخسارة العظيمة التي ستطول أحد الطرفين المتواعدين للقاء إن أتى في موعده، حقاً؟؟ هل الأمر صعب هكذا أم أن وجود الهواتف المحمولة صار الآن يغني الناس عن الحضور في مواعيدهم وسيسهل اعتذارهم عن التأخر أو حتى عدم الحضور مطلقاً؟! بالعكس، حضورك في موعدك يُكسبك تلقائياً احتراماً شديداً من الطرف الآخر، وسيتيح لك أنت استخدام وقتك الذي ضاع في تفاهات أخرتك عن موعدك الصغير ذاك، في أمور أكثر فائدة! الأمر فيه مصلحة لك أنت أيضاً وليس لي أو للطرف الآخر (ما دام العالم يسير حالياً بلغة المصلحة بقى!)

2- كذلك ما الممتع جداً في تعطيل مصالح الناس؟ وما الكارثة الفظيعة التي كانت لتحدث إن سارت مصالح الناس بما يرضي الله؟! هل كانت لتفرق لو كانت الحكومة أخذت بالبيانات في ورقة ما دون غيرها رغم التشابه النسبي بين الاثنتين، أو لو تم ختم الأوراق بأي ختم نسر متوافر إن لم يتوفر الختم المطلوب بعينه؟ أم أن أي ختم آخر مشابه سيكون رجساً أو فسقاً أُهلّ به لغير الله؟! أذكر في مرة أنني ذهبت لإدارة غرب طنطا التعليمية لاستخراج بيان نجاح لأختي لإكمال بعض أوراق من أجل استمارة الثانوية العامة، فخضت رحلة طويلة مرهقة داخل المبنى نفسه، مرة لدفع رسوم استخراج البيان (8 جنيهات!!) ومرة لشراء دمغة ومرة لإمضاء ورقة أذهب بها إلى موظفة لتنقل ما بها من بيانات في ورقة أخرى ثم تمزق الأولى متناسية مجهودي في استخراجها، وفي النهاية ترسلني لمكتب آخر ذو وظيفة غامضة فقط لأختم الورقة الأسطورية أخيراً! وحمدت الله أنني كنت من قام بهذه الرحلة الفلكية وليس والدتي الطيبة، وشعرت بالشفقة على هؤلاء الضائعين في دهاليز المصالح الحكومية والذي ليست رحلتي تلك بأقصى ما يتحملونه داخلها..!

 

هي أسئلة أرجو حقاً وليس بعزيز على الله أن أجد لها أجوبة تكون مصلحاً –ولو شيئاً قليلاً- لحال الناس من (تناحة) في المواعيد وفي تسيير مصالح العباد..!

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s