سلام هي.. (قصة قصيرة)

سلامٌ هي..

 

 

كان اسمها (سلام).. اسم غريب جداً عليّ، لم يكن له من مثيل في حيّنا كله، ولم يكن لها هي مثيل كذلك.. كانت حقاً سلاماً سلاماً فلا تؤذي أحداً ولا أحد يؤذيها، ويحبها الجميع كباراً وصغاراً..

 

اسمها (سلام)، وسلام هي..

كانت أجمل وألطف أطفال حيّنا، ذلك الحي الصغير المتهدم نصفه في مدينتنا الصامدة.. لم تكن لتسمع صوتاً لها بين أقرانها حين يلعبون، تجلس على صخرة قريبة تراقبهم من بعيد  يتحادثون أو يتقاذفون الكرة أو يلهون ببعض مدافع ورشاشات خشبية.. تراقبهم حتى تمل فتعود إلى بيتها في صمت.

 

اسمها (سلام)، وسلام هي..

في يوم قررتُ أن أقترب كاسراً الحاجز الوهمي حولها.. ابتسمتُ لها فابتسمت في سعادة.. جلستُ جوارها وربّتُ على رأسها الصغير ناعم الشعر:

– لِمَ لا تلعبين معهم يا حلوة؟

الابتسامة ذاتها:

– لا أعرف ماذا يلعبون ولا أحد منهم يريد أن ألعب معه..

ربُتّ على رأسها مجدداً، ثم سألت:

– هل تحبين الرسم؟

أومأت مسرورة بنعم.. قلت:

-أين بيتكِ؟

أشارت إلى بناء قريب أبيض الواجهة ككل المنازل هنا.. ابتسمتُ:

– إذاً هيا، اذهبي لبيتكِ وهاتي بعض الأوراق والألوان وتعالي نرسم هنا معاً، حسناً؟

اتسعت ابتسامتها:

– حاضر!

في دقائق كانت أقلام الألوان الخشبية والأوراق الصغيرة أمامنا أنا وهي.. طلبتُ منها أن تبدأ بالرسم فأخذتْ ورقة وبعض أقلام وجلست تتأمل السماء مفكرة، ثم بدأت ترسم أشياء على الورق.. انتهت من الرسم فعرضت الورقة الملونة عليّ..

رسم طفولي لكن جميل وزاخر بالألوان لمنزل مربع أبيض في واجهته نافذتان وباب صغير، وأمامه خمسة أشخاص مرسومون دون عناية كبيرة لكن مع ثياب بسيطة ملونة تظهر كونهم ذكوراً أو إناثاً.. رجل وإمرأة وثلاثة أشخاص أقصر، بدا لي أنهم أطفال..

ابتسمتُ مشجعاً:

– جميل جميل.. ما هذا ومن هؤلاء يا (سلام)؟

أشارت بسبابتها الدقيقة:

– هذا بيتي، وهذا أبي وهذه أمي وهذه أنا وهذا (محمود) وهذا (أحمد) أخواي.

* جميل ما شاء الله.. لكن لماذا وضعتِ شطبة حمراء على أبيكِ؟

صمتت.. ثم بعد برهة قالت:

– لأن أبي استشهد.. ذهب إلى الجنة.. منذ أتت تلك الدبابة الكبيرة إلى الحي..

ثم نظرت إليّ في رجاء:

– هل سيعود؟ أبي أوحشني جداً يا عمّاه..

صمتُّ بدوري وتحسست شعرها الناعم بكفي:

– هو في الجنة يا (سلام).. هو في مكان أفضل من هنا يا صغيرتي، وسوف نذهب نحن إليه يوماً.

* ومتى سنذهب؟

– لا أدري.. لكن سنذهب يوماً ونراه ونعيش معه هناك جميعاً..

لم ترد.. غيّرتُ الموضوع فأخذتُ منها الأقلام والأوراق وبدأتُ أرسم لها.. ابتسمتْ حين رأت رسمي وأخذت تضيف إليه بعض التفاصيل، ثم استعادت الأقلام والأوراق وعادت ترسم مجدداً..

كان يتجدد لقاؤنا في نفس الزمان ونفس المكان كل يوم، نرسم ونتكلم حتى نتعب فنعود لبيوتنا عند الغروب مبتسمين نلوح لبعضنا.. وصرتُ ببساطة لا أتخيل اليوم من دونها..!

 

اسمها (سلام)، وسلام هي..

ارتفع الهدير البغيض في الصباح الباكر في حيّنا.. أصوات صياحنا نحن الشباب ومشهد قذفنا الدبابة ذات النجمة السداسية الزرقاء وما خلفها من عربات بالحجارة هو المشهد السائد الآن.. ربما بعد قليل ستنطلق طلقة أخرى من ذلك المدفع ويسقط بعدها منزل آخر كان عامراً يوماً بالحياة والذكريات والآمال.. كلنا نتنفس رائحة البارود والدم والموت والأنقاض والصرخات واليأس والدموع والنضال مع هوائنا، آملين أن تُحطّم حجارتنا وقنابلنا المتواضعة صلف وتجبر هؤلاء الأقذار مع سياراتهم وعظامهم.. طلقات وانفجارات وتكبيرات وصرخات تدوي في كل مكان وهتافات من هنا وهناك..

 

*****

اسمها (سلام)، وسلام هي..

مجموعة أخرى من التوابيت مرصوصة في المكان، نصفها مغطى بالأخضر تكشف عن وجوه الشهداء بداخلها.. رجال وشباب وصبية وفتيات و..

و(سلام)! (سلام) داخل تابوت صغير، جسدها ملفوف بالأخضر وجبهتها كذلك، وعيناها مغمضتان ووجهها منير كما القمر ليلة التمام..

عند التابوت سقطت على ركبتيّ وتساقطت دموعي اللاهبة على وجهها.. احتضنت رأسها في قوة وانتفض جسدي باكياً، كأنما أنا أخوها أو أبوها الشهيد.. همستُ لها غير منتظر الإجابة:

– ها أنتِ ذاهبة إلى حيث أبيكِ يا (سلام).. وداعاً يا حلوتي.. انتظريني فلسوف ألحق بكِ وبه يوماً..

 

اسمها (سلام)، وسلام هي.. ماتت (سلام)، ومعها مات السلام..

 

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s