قراءة في رواية (أيام النوافذ الزرقاء) للأستاذ عادل عصمت

بسم الله الرحمن الرحيم

ربما في الفترة الأخيرة لم يكن إيقاعي الحيوي مناسباً لقراءة أعمال أدبية جديدة خاصة الروايات فكنت أكتفي ببعض قراءات خفيفة، ثم قررت تغيير ذلك فبدأت بقراءة هذا العمل بين يديّ، وهو رواية (أيام النوافذ الزرقاء) للأستاذ عادل عصمت الروائي وعضو اتحاد الكُتّاب ومؤلف بضعة روايات سابقة منها (هاجس موت) و(حياة مستقرة) إضافة لبعض مقالات ودراسات في أماكن متفرقة.. والحقيقة أنني وجدت (أيام النوافذ الزرقاء) تجربة جيدة وتجديداً ممتازاً في القراءات بالنسبة إليّ (لاحظ أنني هنا أتحدث كقارئ طبعاً لا كناقد أدبي! ^^)

clip_image002

تقع الرواية في 127 صفحة من القطع المتوسط، صادرة عن دار شرقيات للنشر والتوزيع، ذات غلاف بسيط معبر عن زمن القصة وعن بيئتها كذلك إلى حد ما، وطبعة جميلة وخطوط واضحة سهلة القراءة رغم صغرها نسبة لبعض ما قرأت مؤخراً. عنوان الكتاب (أيام النوافذ الزرقاء) سيكون لافتاً للنظر لمن لا يعرف القصة الحقيقية وراءه، حيث كانت نوافذ المنازل والمباني في فترة نهاية الستينيات إلى أوائل السبعينيات تُطلى باللون الأزرق لحجب أضواء المنازل الداخلية حتى لا تلفت طائرات العدو للمواقع الفعلية للبيوت فتتعرض للقصف.. ومن يعرف معلومة كهذه سيتمكن فعلاً من استنتاج مضمون الرواية أو على الأقل قطاع كبير منها!

 

الرواية باختصار تتحدث عن شكل الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر وخاصة مدينة طنطا في فترة هزيمة 1967 حتى حرب أكتوبر وما بعدها ببضع سنوات، على لسان بطل القصة الذي يعيش ويعمل في دولة عربية فيشعر بالحنين لأيام حياته في تلك الفترة ويتذكر علاقته بأسرته ومجتمعه وبيئته المحيطة. تبدأ الرواية بسرد ذكريات البطل منذ الطفولة مروراً بمرحلة المراهقة حتى الشباب والنضج، وخلال هذا كله يتحدث بشئ من التفصيل عن أفراد عائلته المكونة من والده وجدته وأشقائه وأخواله بصفتهم عناصر أساسية جداً أثرت كلها في شخصيته وأفكاره ونظرته للحياة بشكل أو بآخر.

حين بدأت بقراءة الرواية أمتعني السرد الجيد الذي يتموج بين الواقع والخيال بتحويل العناصر والأشياء العادية غير الملحوظة إلى صور خيالية جميلة منحتني شعوراً بالمتعة وجذبني بشدة لمتابعة القراءة وزاد اهتمامي بالتعمق في أفكار وشخصية البطل وذكرياته، وهذا من مجرد السرد فقط! لكن حين تابعت القراءة (خاصة بعد الثلث الأول) شعرت أن الخيال والتشبيهات الخيالية الجذابة في السرد بدأت تقل نوعاً وبدأ السرد يتحول للواقعية  وإن لم يفقد عنصر الإمتاع.. ثم عاد (في الصفحات الأخيرة خاصة) ليتحسن كثيراً ويستعيد عنصر الخيال في السرد فصار أكثر إمتاعاً (أو كما أرى على الأقل). يمكنني فقط تفسير ذلك بأنه ربما يكون هذا مقصوداً لإظهار شكل نظرة البطل للحياة في المراحل العمرية المختلفة من الطفولة حتى النضج، فمن الطبيعي تماماً أن يخلط الطفل بين خياله والواقع في رؤيته للأحداث، ثم تبدأ نظرته للحياة بالاتساع والتطور فيفصل الخيال عن الواقع ويرى الواقع كما هو تماماً.. لكن في نفس الوقت لا أميل لهذه النظرية كثيراً فالبطل هنا ناضج راشد يعيش في الحاضر ويحكي ذكرياته ولا يقدم لنا صفحات من مذكرات قديمة بقلمه في مراحله السنية المختلفة! لكن باختصار السرد جيد جداً وجذاب في كل أقسام الرواية.

 

لاحظت كذلك أن الكاتب لا يبالغ في الوصف كثيراً بل الوصف متوازن تماماً ويصف التفاصيل الأساسية المهمة فقط في البيئة والأشخاص، ولا يركز كثيراً على وصف الأشخاص إلا للضرورة وهي نقطة أراها تُحسب له، والكاتب حقاً تفوق في وصف مشاعر الأشخاص ونظراتهم المختلفة لشخصية أو لشئ معين، أذكر هنا بصفة خاصة نظرة البطل نفسه ونظرة أخواله وأشقائه للجدة الراحلة ولذكرياتهم عنها والأثر التي تركته في نفس كل منهم يظهر في هذه الفقرة: "لم تعد لجدتي غير الصورة الذهنية التي يكونها كل منا لها. لم تعد لها إلا تلك الصورة الشخصية الخاصة بكل فرد على حدة. كم تتعدد وتنقسم الأرواح عندما تغادر عالمنا، ويكون لها هذا الوجود الحيوي الحر في أن تظهر كما تشاء. إنها هناك تهب في أحلام كل منا وتداعياته كتقطير حي لزمن قديم.". هناك كذلك وصف الحالة النفسية للبطل في الحاضر من تمسك بالماضي ورغبة في الرجوع إليه وخوفه من هذا في الوقت ذاته، وحالته النفسية في مراحل عمره المختلفة ومخاوف طفولته وهواجسه وأسباب سعادته وحزنه، وهذا كله جيد جداً في رأيي، لكن الكاتب فضل عدم الإسهاب في وصف الحالة النفسية للشخصيات الأخرى وجعل البطل مجرد راوي خارجي يصف حالتهم النفسية من خلال وصف التغيرات في أسلوب حياتهم من وجهة نظره الشخصية فقط، وكنت أفضل أكثر لو قدم المزيد من التحليل النفسي للشخصيات الأخرى ولم يقتصر على نظرة البطل وحدها.

 

أعجبني كثيراً أيضاً تطور الشخصيات وبناءها خاصة البطل نفسه عن طريق تطور نظرته للحياة والبيئة وأفكاره واهتماماته بل ورغباته مع تقدمه في العمر، وكذلك تطور شخصيات أخرى مثل الخال محمود والخالة سميرة الذين أظهر الكاتب تطور شخصياتهم بشكل جيد جداً، وإن لم يسهب في الحديث عن تطور شخصية الجدة وتأثير ذلك التطور على البطل، وفضل مجرد الحديث عنها في أيامها الأخيرة وما قبلها بقليل، وعن الأيام الأولى لزواجها من جده وحسب ولم يظهر التطور الحقيقي في شخصيتها سوى بعد وفاة ابنها فؤاد، وهو ما أراه نقطة تُحسب على الرواية خاصة مع الأهمية الهائلة لشخصية الجدة وتأثيرها الكبير في شخصية البطل ونفسيته، وكذلك الإغفال النسبي لشخصية الأب.

 

وعبر سطور الرواية تحدث الكاتب بشكل مسلٍ ومختصر إلى حد كبير عن عناصر هامة كثيرة جداً في تلك الفترة وعن حال الناس والعلاقات الاجتماعية فيما بينهم، حيث تحدث عن النكسة وحرب الاستنزاف وتأثيرها على المجتمع وعلى أسرته (ظهر ذلك في فقده لخاله فؤاد في حرب الاستنزاف، وفي تأثير النكسة على جاره سامي)، وتحدث عن تعامل الناس في ذلك العصر مع المشاكل المختلفة  وعن شكل العلاقات الأسرية بينهم وعلاقتهم بالمحيطين بهم وحتى عن بعض الخرافات الشائعة بينهم، ووجود وحدة وطنية حقيقية بين فئاتهم المختلفة في ذلك العصر، وتمكن الكاتب كذلك من إظهار جانب الحنين الجارف داخل البطل لوطنه الأم ولذكرياته وأيامه والذي ظهر في بعض الرمزيات المتأرجحة بين الواقع والخيال (منها تكرار زيارة جدته لأحلامه وبل وظهور طيفها على أرض الواقع في مناسبات عديدة).

 

فقط ما أراه ينقص الرواية هو إغفال تطور بعض الشخصيات التي قد تكون ذات أهمية عظمى خاصة الجدة والأب، واختلاف الأسلوب السردي في الثلث الثاني من الرواية عن ثلثها الأول وافتقاره الكبير لعنصر الخيال الذي كان متواجداً في الثلث الأول، والإسهاب في الحديث عن بعض الشخصيات الثانوية مثل سامي جار البطل وأصدقاء محمود خال البطل، ولا أقول أنه كان يجب إهمالهم تماماً، فقط أقول أن كونهم شخصيات ثانوية لا يجعل هناك داعياً للإطالة في الحديث عنهم.

 

لكن عامة وباختصار، أرى أن رواية (أيام النوافذ الزرقاء) إحدى أجود قراءاتي منذ فترة طويلة، أعجبني فيها جداً جانب تطور الشخصيات والوصف البسيط للبيئة الذي لا يخلو من واقعية بل ودفء ونوستالجيا كبيرة، ووصف مشاعر وأفكار الشخصيات (خاصة البطل) ونظراتهم للآخرين ولعناصر حياتهم المختلفة، والسرد الجيد جداً والممتع والشامل لعناصر تلك الفترة دون تقصير أو إطالة، والظهور القوي لحنين بطل الرواية لذكرياته ولأسرته والذي كان العنصر الأساسي لنشأة الرواية من الأساس، والذي جعلني في الوقت ذاته أكاد أجزم أن الرواية تجربة ذاتية جداً! وما جعلني أتأكد أكثر هو معرفتي من الكاتب الأستاذ عادل عصمت لرغبته في جمع وتوثيق تاريخ مدينته طنطا في نفس الفترة الزمنية للرواية، وهي فكرة جيدة جداً أشجعه عليها وأرجو لها النجاح فعلاً.

وأعتذر عن الإطالة وربما عدم جودة الأسلوب هذه المرة، فقط هي المرة الأولى لي في الحديث عن أعمال روائية، ونسأل الله التوفيق J

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s