عن التعصب الأعمى.. أتحدث!

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت الفترة الماضية فترة خمول وبرود نسبي بالنسبة للعبد لله، وجدتُ نفسي لا أنفعل بسهولة لما يجري من أحداث اللهم إلا ببعض انفعالات سطحية.. لكن أظن أن كل ما حدث ترك داخلي أثراً أو فكرة صغيرة، فتراكمت هذه الأفكار مع بعض القراءات والمشاهدات والمواقف الجديدة لتصير وقوداً حركني تدريجياً حتى أعود فأكتب عن كل ذلك..

وما حركني للكتابة اليوم هو بعض قراءات واستماعات أخيرة تخص حادث نجع حمادي المحزن، والقضية التي أثارها ذلك الحادث (وإن لم تكن هي مسببه الأساسي هذه المرة كما أظن)، وهي التعصب الأعمى العنيف! ذلك الذي يجعل دائماً من الحبة قبة ومن شرب ناقة قبيلة من ماء قبيلة أخرى حرباً أبدية!

حين نظرت لبعض الوقت وجدتُ أن مسببي التعصب أو القائمين بأعماله غالباً يكونون من الشباب الذين تحركهم أفكار واعتقادات دينية أو غير دينية، تدفعهم الأفكار نفسها أو رغبتهم المحمومة في الدفاع عنها إلى التعصب ثم العنف، وأحياناً يكونون على العكس تماماً: أشخاصاً –ليسوا بالضرورة من الشباب- فارغين دينياً وفكرياً وثقافياً وبالتالي لا هدف كبير أمامهم في الحياة سوى الحياة ذاتها! بمعنى آخر: صار التعصب بالنسبة لهم مجرد سد للفراغ المرعب، محاولة يائسة للعثور على هدف يُعاش لأجله أو للشعور بالأهمية والقوة إلى حد ما، أو هو الفراغ الناتج –عند البعض- عن الابتعاد عن الدين فيكون التعصب في نظر هؤلاء (التكفير المناسب) عن ذنب الابتعاد عن الدين..! أو في أحيان كثيرة لتنفيس الكبت اليومي المتراكم على مدار السنين فيتحول إلى كراهية متدفقة ونقمة بلا حدود على المجتمع تختفي خلف قناع التعصب..

 

في حالة الفراغ،  يختلف حجم الفراغ وشكله بشدة من شخص لآخر، لذا تجد من يسد فراغه بتشدد في الدين يدعمه سابق تربية متشددة وفهم ضيق جداً للدين، ينتهي غالباً بالتطرف في الدين أو في الإلحاد! أو يسد فراغه باللجوء للطريق الأسهل والنهاية الأنيل: الانحراف الأخلاقي! وقلة فقط هم من يحولون فراغهم هذا لفائدة حقيقية ما.. وأسبابه كثيرة جداً لا مجال لذكرها هنا، أكتفي منها بالفقر الشديد الذي يجعل هدف الحياة الحياة وحدها، أو الغنى الشديد الذي يعمي صاحبه غالباً عن رؤية أهداف أعظم من جمع حفنة من المال..!

 

لكن لعَمر الله لا شئ يسد الفراغ أخطر من التعصب! فالانحراف الأخلاقي إنما يؤثر على صاحبه وربما المحيط المحدود حوله وستكون عاقبته عليه ومحيطه المحدود، إنما التعصب سرطان سريع الانتشار من المصدر إلى جسد الأمة كلها فيعدي ما حوله أو يقتله بلا رحمة! انظر فيما جرى وما زال يجري في بلادنا للأسف، وربما ستصدقني: أي شجار عادي بين مسلم ومسيحي يتحول –بقدرة قادر!- إلى شبه فتنة طائفية يشاء الله الرحيم أن تنطفئ نارها ولو مؤقتاً.. انظر إلى رد الفعل التلقائي حين يسمع جمع من الناس عن جريمة قتل طرفاها مختلفان في الديانة، فتجد الترجمة الفورية لهذا تعصباً عنيفاً قد يتحول لاشتباكات بالألسن والأيدي كما حدث قبل فترة قريبة..! وسوف تجد أكثر المتشددين ضد الآخر ناسين أو متناسين أن التشدد والحرب ضد الآخر التي يدعون إليها إنما هي فعلاً الفساد في الأرض الذي هو جريمة عظمى في الإسلام، وأنها النقيض تماماً لأكثر تعاليم الدين المسيحي التي نعرف عنها التسامح البالغ إلى درجة حب الأعداء.

 

الحلول؟ ستجد الحل الحكومي الجاهز بعض تصريحات وهتافات مكررة مملة لا يمتد تأثيرها خارج أوراق الصحف وبعض صور من الأرشيف حفظناها جميعاً ولم يعد أحد (يأكل) بهذا الكلام!

حلول أخرى تظهر على الساحة بين الحين والآخر تدعو لانتزاع جذور التدين وتقليل بل حظر مظاهر التدين بكافة أشكالها، وتجد أنصار هذه الحلول متعصبين بشكل مريب لها حتى يصل بهم الأمر إلى المطالبة بالقضاء على الأديان كلياً فترتاح جميع الأطراف ولا يعود هناك دين يتعصب أحد لأجله أصلاً..!

وبغض النظر عن كون هذه الحلول بريئة من عدمه، فهي حلول خيالية لأبعد الحدود! هؤلاء ببساطة يريدون تدمير شريان حياة هذه الأمة تحت مسمى إنقاذها! الدين ببساطة شديدة ملح أرضنا وكرات دمنا والجزء الأعظم من تربيتها ذاتها.. يندر جداً فعلاً أن تجد مواطناً مصرياً لا يحمل في أعماقه جذور تربية دينية قلت أو كثرت، ويندر كذلك أن لا تجد مصرياً لا يعمل بهذه التربية في معاملاته اليومية ولو حتى شكلياً! الدين ببساطة حقيقة راسخة داخلنا جميعاً يستحيل انتزاعها بسهولة أو حتى بصعوبة..

نبذ التدين والدين في مجتمعنا هذا لن يكون نجاة بل هلاكاً أعظم..! ستجد حرباً أكثر ضراوة تشتعل بين الجانبين، المتمسك والمحافظ على الدين وإن قل والجانب المصاب بحساسية من الدين لسبب ما! كل من الجانبين يحارب من أجل قضية يراها عادلة ولن تنتهي بانتصار الجانب ذو الحساسية على أي حال، وحتى لو انتصر ونال أهدافه، ستجد على المدى الطويل شعباً فقيراً ضعيفاً جاهلاً لا يجد ما يعيش ويعمل به ولأجله .. الفراغ وانعدام الهدف لدى الكثيرين لن يحله تدمير ما يسده دون وضع بديل صالح ومتين!

 

أبداً لم يكن الدين في مصر عائقاً أمام النهضة والأهداف العظمى، بل كان دافعاً قوياً حقيقياً لكل عظيم ويشهد على ذلك زمن دخول الإسلام مصر، والذي لم ينبذ وجود الدين المسيحي فيها بل وأنقذ مسيحيي مصر من اضطهاد الرومان الوثنيين، وهناك كذلك فترات الاستعمار الإنجليزي ومن بعده الصهيوني لسيناء، تلك التي كان فيها المصريون جميعاً يعملون جهدهم لأجل الهدف الكبير الحقيقي، لا يهم الواحد منهم إن كان رفيقه في الكفاح مسلماً أو مسيحياً! والدين لم يكن في حقيقته سبباً للاقتتال دون حق، وإنما جعله كذلك فئة ممن يسيئون فهمه وكثير ما هم للأسف وكثيرة أسبابهم..!

 

دون مزيد من الإطالة، ما أراه هو أن الحل الوحيد وأظنه الفعال لمشكلات التعصب ليس بعض تصريحات جوفاء أو مطالبة بنبذ التدين والأديان كلياً، وإنما هو وجود هدف كبير حقاً.. هدف يجعل كل متعصب يحول هدفه من اتباع دينه من مجرد القيام بشكليات وقشور إلى جعل الدين نهج حياة حقيقي يدفعه للعمل المفيد البناء وينسيه التعصب الأعمى ويحول طاقة التعصب والكراهية الذميمة تلك إلى قوة للعمل..!

ما زلتُ حتى الآن أذكر جميلة مختصرة ذكرها لي عالِم دين فاضل جار لي، حين سألته ما إذا كان الإسلام حقاً يحترم الآخر ويعترف بوجوده، فقال بهدوء: "لو لم يكن الإسلام يحترم الآخر ويعترف بوجوده لما كنا نعيش الآن في أمان وسلام..!".. وكانت في هذه الجملة كفاية لي..

نعم نعيش في فقر وفي شقاء من العيش وفي مصائب لا حصر لها، لكن نعيش في سلام حتى الآن على الأقل.. والحمد لله!

 

(أعتذر عن الإطالة حقاً، وأرجو منك الإطلاع على المقالات المميزة لأستاذيّ الكبيرين فهمي هويدي والدكتور أحمد خالد توفيق عن هذا الموضوع الخطير، ففيها الاستزادة الحقة والفائدة الأكبر ^^)

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s