قراءة في كتاب (بنات فوق الخمسة وعشرين) للأستاذة أمل عبد الواحد

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت زيارتي لمعرض الكتاب بالقاهرة هذا العام موفقة ومثمرة والحمد لله، وقد أثمرت عن عديد من الكتب الجديدة الممتعة والمفيدة جداً، وربما يمكنني أن أعد الكتاب الذي سأتحدث عنه اليوم أحد أكثر تلك الكتب إمتاعاً وفائدة!

إنه الكتاب الجديد (بنات فوق الخمسة وعشرين) لمؤلفته الأستاذة أمل عبد الواحد، صادر عن دار الكتاب العربي بالقاهرة ودمشق. يقع الكتاب في 120 صفحة من القطع المتوسط، ويحتويه غلاف لامع أنيق إلى حد كبير، يحمل صورة للوحة من الفن التشكيلي (الذي لا أفهم فيه بالطبع!)، كذلك نص الكتاب جيد الطباعة وخطوطه واضحة سهلة القراءة. 

والكتاب كما يوحي عنوانه والكلام على غلافيه الأمامي والخلفي (المكتوب بالعامية) يناقش بعض القضايا والهموم والأفراح المشتركة لدى فئة معينة من الشعب وهي الفتيات فوق سن الخامسة والعشرين، وهي في نظري فئة بحاجة للنظر لها ولمشاكلها (مثل الزواج والعمل وعلاقتها بالجنس الآخر بشكل عام والحاجة للاستقرار إلخ..) بنظرة مختلفة وبكثير جداً من الاهتمام. تقول الكاتبة أن هذا هو العمل الأول لها وأنها في هذا الكتاب عبرت عن نفسها إلى حد كبير، وهي نفسها إحدى أفراد تلك الفئة الخمس-عشرينية لذا فهي تحسب نفسها معبرة عن بقية فتيات فئتها ومشاكلهن وهمومهن وبكل صراحة (وبدون تأليف ولا تجميل ولا تزييف) على حد تعبيرها. باختصار استنتجت من الفقرة الخلفية أن الكتاب لا يُعد عملاً أدبياً وإنما هو كلام صريح وواقعي ومن القلب للقلب، وهذا لعَمر الله ما يحتاج لقراءته كثيرون جداً ممن لا يفهمون شفرات لغة الأدب الصعبة..

 

حين تصفحتُ الكتاب وجدتُ أنه لا يمكنني الحديث عن جزء منه دون الآخر حيث أن كل فصول الكتاب مترابطة مع بعضها وتشكل وحدة واحدة أو بمعنى أدق وحدة مقسمة إلى وحدات فرعية تكمل بعضها بعضاً، لذا سأتحدث عن كل فصل من فصول الكتاب الأربعة والعشرين باختصار غير مخل بإذن الله (من وجهة نظري كقارئ طبعاً لا كناقد أدبي ^^"):

 

1- بنات فوق الـ25: فصل طريف جداً وتلقائي ومن القلب تظهر فيه الذاكرة القوية للمؤلفة (أو ربما حنينها الجارف للماضي) في تذكرها للتفاصيل والأشياء البسيطة في حياة أغلب الفتيات في سن الطفولة وفي أيام المدرسة الإبتدائية والحكايات الصغيرة الطريفة فيها، ومرح الطفولة والاستمتاع باللحظة. كذلك تمكنت المؤلفة من تحليل ظروف الأسرة وتغير أحوالها من الصبر على الأبناء والاستماع لهم ولمشاكلهم حتى الملل والعصبية وعدم الصبر عليهم بسبب الكِبَر والمرض. لاحظتُ في الفصل وجود سجع متكرر لا أدري إن كان مقصوداً أم لا إلا أنه لا يبدو متصنعاً بصراحة وهو طريف للغاية ^^.

 

2- تعالوا نكبر شوية: عرض جميل للتغيرات الانتقالية من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب المبكر، مع الحفاظ على السجع الدقيق غير المتكلف.

 

3- حواديت سنة أولى كلية: رغم عنوان الفصل إلا أنني لاحظت إغفال الكثير من التفاصيل والأشياء البسيطة الطريفة عن تلك الفترة المهمة في حياة الفتيات على عكس الفصلين السابقين، فركزت المؤلفة هنا على بعض مشاهداتها عن علاقة المحيطات بها بالجنس الآخر، ويمكن تعليل ذلك بأن تلك الفترة في حياة المؤلفة لم تكن ذات تأثير كبير عليها لذا تعمدت عدم الإطالة في الحديث عنها، أو ربما حتى أرادت بسرد تلك المشاهدات التمهيد لأغلب المواضيع التي يأتي ذكرها تباعاً في الفصول القادمة.

 

4-  قعدة البيت مُرة!: ينطبق عليه تقريباً ما ينطبق على الفصل الأول حيث تتحدث المؤلفة في قالب طريف عن فترة ما بعد الدراسة في حياة الفتيات بين شغل البيت أو العمل وبين انتظار العريس، يعود الفصل بالقارئ إلى أرض الواقع بعد (قعدة) الذكريات والحكايات الصغيرة في الفصول السابقة ^^.

 

5- أهرام الجمعة: في شكل ساخر أكثر تعرض المؤلفة لمحاولات بعض الفتيات الجادات في البحث عن عمل ومشاق تلك الفترة بعد طول الراحة. ألاحظ وجود السجع وإن شعرت بأنه متكلف إلى حد ما.

 

6- ومرت الأيام: فصل طريف هو وفيه إحساس عالٍ من المؤلفة بمعاناة ومشاكل الفتيات العاملات، وإن كنتُ أرى أنه سيكون أفضل لو تم دمجه مع الفصل السابق.

 

7- الفاترينة: فصل طريف وواقعي جداً، والتشبيه الرئيسي المسيطر في الفصل أراه دقيقاً بل وعبقرياً جداً. ممتاز.

 

8- أول شعرة بيضا: جيد واختيار الشعرة البيضاء كرمز لخوف الفتاة من التقدم في العمر موفق، وإن كنت أرى أن شكل مناقشة الموضوع كمشكلة وكحل تقليدي إلى حد ما ولا يحمل طرافة الفصول السابقة.

 

9- كم جميلاً لو بقينا أصدقاء: المزيد من التعمق في مناقشة العلاقة بين الشاب والفتاة، وهذه المرة يحمل الفصل بعض هجوم على الرجال (!) وعلى استغلال بعضهم لحب المرأة لهم للحصول على قدر ما من الإشباع العاطفي، ويظهر في كلماتها تعاطف شديد مع الجانب الأنثوي بالطبع ^^ أحسنت الكاتبة عموماً إذ ناقشت هذههذا الجانب من العلاقة الذي قد يتحول لمصدر خطر إن لم تنتبه إليه الفتاة.

 

10- هو فيه كده؟!: فصل يحمل قدراً كبيراً من الطرافة تبدو فيه ملاحظة دقيقة من المؤلفة لجانب عدم رضا الكثير من المتزوجات بحياتهم بعد فترة من الزواج لأسباب متعددة.. الفصل فقط لم يقدم حلاً واضحاً للمشكلة وإن أعطى تلميحاً خفيفاً في الفقرة الأخيرة، وحافظ على السجع إلى حد كبير كذلك ^^

 

11- لعنة الفيس بوك!: الفصل باين من عنوانه طبعاً ^^ موضوع شامل وجامع بشكل كبير لأهمية الفيس بوك في حياة الكثيرين خاصة الفتيات، وتحوله من مجرد تسلية خفيفة إلى أسلوب حياة كامل ووسيلة اتصالات لا غنى عنها، وكل ذلك في ذات القالب الطريف المائل للسخرية، وإن كان الموضوع لم يقدم حلاً للمشكلة أو فكاً للعنة الفيس بوك كذلك ^^. بالمناسبة أعجبني تشبيه الفيس بوك بالأخت الصغيرة الفتانة (!) وكذلك السجع الذي وُظّف بكفاءة إلى حد كبير.

 

12- موبايلك!: الفصل عبر بذكاء عن التحكم الذكوري المتسلط نوعاً في المرأة واضطرار المرأة لتحمل هذا التسلط لأسباب تختلف من فتاة لأخرى، من خلال الرمز لهذا كله بالموبايل. جيد جداً.

 

13- رقصة سلو Slow: فصل رومانسي نوعاً يعبر عن أحلام الفتيات بطرافة وواقعية جميلة، مع الحفاظ على السجع غالباً.

 

14- كل سن وله جماله: جميل جداً ويحمل مقارنة جيدة بين تغيرات كل سن في عمر المرأة بداية من الطفولة والمراهقة وحتى الكِبَر والأمومة، وهو شرح جميل وقريب من القلب، وهي لعَمر الله من نوعية المواضيع التي أحبها جداً ^^

 

15- البنات عايزة إيه!: تكرار لفكرة الفصل (الفاترينة) مع تفصيل أكثر، ونصيحة أخوية من المؤلفة للفتاة بالرضا بنفسها كما هي. كنت أرى دمج هذا الفصل مع فصل (الفاترينة) فهما متشابهان كثيراً في الموضوع، وإن كان يغفر لكون هذا الفصل مستقلاً بذاته هو النصيحة القيمة في نهايته.

 

16- نظرية العد التنازلي وثقافة التضحية: عرض جميل لتطور شكل آمال الفتيات وما يتمنون وجوده من مواصفات في العريس المستقبلي.. كان بحاجة لإعادة ترتيبه مع فصول سابقة لإحداث نوع من التتابع المنطقي في الحديث لا أكثر ^^.

 

17- هعمل نفسي مش واخد بالي: مناقشة لموضوع عام يخصر الكثير من الشباب وليس الفتيات وحدهن. يعد مقالاً طريفاً أو تدوينة مستقلة بذاتها.

 

18- الحب قبل الزواج: في الفصل تشبيه جميل لتطور شكل الحب في قلوب الناس بالمطر الذي لا يشعر بهطوله في البداية إلا القليلون بعدها يزداد حتى يغرق كل ما حوله، ثم تعود الحياة جافة وأكثر مما سبق! وهو لعَمر الله تشبيه ممتاز، والعرض جيد جداً وإن كان موضوع الفصل نفسه تقليدياً إلى حد ما.

 

19- شكراً.. متنازلة عن المسؤولية!: عرض جميل لرغبة موجودة عند أغلب الفتيات وهي التحرر من السلطة الأبوية ورغبتهم في حمل المسؤولية والبحث عن العمل وخوض غمار الحياة، ليصطدمن في النهاية بالحقيقة المرة ثم يحاولن الهرب منها بقولهن (شكراً.. متنازلة عن المسؤولية!). ^^

 

20- انتبه من فضلك البنات ترجع إلى الخلف: تحليل دقيق وتفصيلي لأحوال البنات في هذا العصر ونظرة المجتمع السلبية للفتاة لأنها لم تتزوج، وتشبيه حال الفتيات بمنحنى كان هابطاً ثم ارتفع فارتفع حتى آل إلى الثبات النسبي! جيد جداً وإن كان طويلاً إلى حد ما.

 

21- ترمومتر الرضا: موضوع ممتاز وإن كان مشابهاً إلى حد ما بالفصل الخامس عشر، وإن كان شكل الفصل يوحي بأنه يصلح خاتمة جيدة جداً لهذا الكتاب المتكامل.

 

22- الحب من غير أمل أسمى معاني الهبل: فصل مكتوب بلغة ودود قريبة من القلب إلى حد كبير، ويناقش موضوع الاحتياج للحب ونتائجه وحلول مشاكله.

 

23- البنت الجدعة الراسية: مشكلة أخرى لدى بعض الفتيات وهي لجوئهن لجذب الجنس الآخر بطرق كثيرة جداً أغلبها خاطئ وغير عملي أو مفيد، وهي مشكلة واقعية والخطاب فيها موجه للرجل والمرأة على حد سواء، ويظهر فيه وجهة نظر المؤلفة أكثر.

 

24- ترموتر الرضا (مرة أخرى)!: نسخة طبق الأصل من الفصل الحادي والعشرين، مع تقديم حل تحسبه المؤلفة مفيداً لمشكلة عدم رضا الفتاة (وربما الإنسان عامة) عن نفسه لأسباب كثيرة. كان هذا الفصل خاتمة ممتازة للكتاب فعلاً، وكنت أرى لو تم إزالة الفصل الحادي والعشرين تماماً  والاستعاضة عنه بهذا الفصل وحده ^^

 

انطباع نهائي:

الكتاب يحمل ميزات عديدة أهمها أن لغته سهلة وبسيطة جداً وقريبة من القلب ومفهومة ومحببة لأي قارئ مهما كانت درجة ثقافته، وقد ساعدت لغة الكتاب العاميّة في ذلك بقدر كبير، كما أن الكتاب بدأ أولاً بسرد التطورات العمرية للفتاة وحديث الذكريات والتفاصيل الصغيرة الطريفة والجميلة في حياة كل فتاة، وهي جزئية تمس شغاف القلب لكل قارئ حتى من الذكور لأن الموضوع إنساني عام ^^ وكان بدء الكتاب بهذه الجزئية حركة موفقة فعلاً تجذب القارئ للمتابعة بشغف وانجذاب حقيقي، ثم جاء الحديث الجدي عن مواضيع حيوية –من وجهة نظر الفتيات على الأقل- ومواضيع تخص العلاقات الإناسنية ورضا الإنسان عن نفسه وسعيه نحو بناء ذاته ومستقبله، وهي مواضيع تهم كل قارئ شاب عموماً، وكل ذلك في قالب طريف مسجوع أحياناً يميل للسخرية إلى حد ما وهو ما أكسب الكتاب جواً ودوداً محبباً فعلاً بعيداً تماماً عن لغة النصح والوعظ التي قد تكون ثقيلة على القارئ والمستمع.

كان ينقص الكتاب فقط بعض التنظيم في ترتيب الفصول وربما دمج بعض الفصول مع بعض، لوضع نقطة نظام في ترتيب موضوعات الكتاب وربما كان سيسهل بذلك تقسيمه ومناقشة كل قسم فيه على حدة بسهولة أكثر.

 

لكن عموماً الكتاب فعلاً كان تجربة أولى أراها ناجحة جداً للمؤلفة الأستاذة أمل عبد الواحد، أدعو الجميع خاصة الأخوات القارئات عموماً لقراءته، وهو فعلاً ليس حكاية شلة بنات فوق الخمسة وعشرين وحدهن، وإنما حكاية أغلب شباب هذا الجيل..!

 

أعتذر عن الإطالة، وشكراً :)

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s