قراءة في كتاب (حدوتة عبرية) لمصطفى فتحي وتامر جابر

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن تقصيري في تسجيل رأيي في آخر قراءاتي إلا بدافع الكسل حقاً، وهو ما أعتذر عنه لنفسي أولاً قبل أي أحد ^^ واليوم أخيراً قررت الخروج عن الحالة وتحويل المزيد من الأفكار إلى حروف..

وهذه المرة تلك الأفكار محورها كتاب انتهيت من قراءته قريباً جداً وهو رواية مصورة بعنوان (حدوتة عبرية) لمؤلفيَه مصطفى فتحي وتامر جابر وبرسوم الفنان الشاب كريم آدم.

حدونة عبرية

الكتاب أول محاولة أدبية مطبوعة لأحد كاتبيْه المؤلف الشاب والصديق تامر جابر بالاشتراك مع الأستاذ مصطفى فتحي، وهو يحكي قصة صحفي مصري شاب باسم (سليم يوسف) قرر السفر إلى إسرائيل لمقابلة المصريين الذين يعملون هناك، ويحكي بالتوازي مع قصته قصة فتاة اسمها (سو) تعيش في إسرائيل، مع بعض قصص أخرى سأعرض لها في اختصار لاحقاً.

يقع الكتاب في 181 صفحة من القطع المتوسط، يحمل غلافاً يوحي ببيئة وشخصيات الكتاب من النظرة الأولى، وهو صادر عن دار نشر شباب بوكس التي أصدرت الكتاب السابق لمصطفى فتحي (في بلد الولاد) الذي أثار جدلاً كبيراً وقت صدوره لم يتمكن هذا الكتاب كما أعتقد من إحداث مثيل لها ^^

الحقيقة أنني بعد أن انتهيت من الكتاب اكتشفت أنه لا يمكنني التحدث عنه أدبياً فقط فالفكرة نفسها تثير داخلي رغبة في نقاشها وإبداء رأي فيها، لذا سأحدثك عن أفكاري عن الكتاب كنص وشكل عام، وكفكرة:

 

– الكتاب كنص وكشكل عام:

نص الكتاب مقسم إلى أربعة أجزاء تحكي أقساماً مختلفة من القصة، أسماؤها بالترتيب (انطلاق – العصفور – المهاجر – الآخر)، وكل منها يحكي قصة بطل أو اثنين من أبطال الرواية، وجميعها عناوين أفلام للمخرج الراحل يوسف شاهين وكذلك أغلب عناوين الفصول الفرعية في الكتاب، وهي متوافقة مع مضمون كل فصل بدقة يصعب أن أعدها مصادفة، وهي كذلك لمحة جيدة تقوي شكل الفكرة التي أراد الكاتبان إيصالها.

 

تتصدر الكتاب مقدمتان لمصطفى فتحي ولتامر جابر بعنواني (حدوتة عبرية.. ليه؟ – حدوتة عبرية كمان وكمان)، الأولى لمصطفى فتحي يتحدث فيها عن بعض مواقف شهدها بنفسه أو شاهدها تُظهر نظرة رجل الشارع المصري بل ونظرة بعض الأشخاص من صفوة المجتمع إلى المصريين الذين يعيشون في إسرائيل ووصف الغالبية لهم بالعمالة والخيانة وعدم الانتماء، ويظهر رأيه المعارض لرأي هؤلاء والقائل بعدم أحقية أحد في احتكار الحقيقة أو محاسبة الناس على اختياراتهم، وهو ما دفعه لمقابلة مصريين كانو يعيشون في إسرائيل لمعرفة الحقيقة منهم..

أما المقدمة الثانية فهي لتامر جابر الذي يحكي في اختصار قصة مشاركته مع مصطفى فتحي في تأليف الكتاب، وتغيّر انطباعاته الأولية عن الفكرة من السطحية إلى الإنسانية على حد تعبيره.

 

بعد ذلك قصة الكتاب التي تبدأ بالجزء (انطلاق) والذي يحكي قصتيْ سليم وسو بالتبادل.. يبدأ بوصف البيئة التي يعيش فيها البطلان على حدة، ثم كفاحهما في الحياة حتى وصلا لما هما عليه الآن فواحد صحفي بجريدة شهيرة وبرنامج إخباري مهم وواحدة إعلامية تعمل بمحطة تلفزة إسرائيلية رئيسية.. في الجزء الثاني يحكي بشكل رئيسي قصة (محمد منصور) الإعلامي والصحفي الشهير الذي وصل لما هو عليه من شهرة بفضل مهارته وذكائه وامتلاكه مفاتيح النجاح، وفي الثالث يحكي قصة (كمال جورج) و(ابراهيم المصري) الشابين الذين هاجرا من مصر إلى إسرائيل هرباً من الاضطهاد الديني (بالنسبة لكمال) والتعذيب وشقاء العيش وثقل المسؤولية (بالنسبة لإبراهيم)، أما الجزء الأخير يروي لقاء الجميع (والمقصود هنا سليم وسو وكمال وإبراهيم بالذات) معاً في إسرائيل.

 

كما يبدو فالسرد يتخذ شكل (حدوتة) بسيطة وقريبة وسهلة الفهم للقارئ العادي، إلا أن التطويل فيه صفة سائدة..! حيث توجد بعض سطور وأحياناً فقرات من السرد يمكن الاستغناء عنها تماماً تجنباً للإملال كما أن أسلوب السرد عادي جداً ولا يحمل ما يجعلني أميز أسلوب الكاتبين عن غيرهما، لكن يمكن تعليل ذلك بأن (الحدوتة) أو الحكاية العادية التي تسمعها في أي مكان وأي وقت في حياتك قد تطول فعلاً بدون داعي وكذلك قد تتشابه فيها أساليب الحكي، وربما حينها أستطيع القول بأن المؤلفين نجحا تماماً في تقديم القصة كحكاية عادية بسيطة جذابة للقارئ الشاب العادي.

 

بالنسبة للجزء الأول يظهر فيه بشكل كبير ما تحدث عنه سابقاً وهو مسلٍ ويدفعك لمواصلة القراءة، لكنه كما أسلفت يحمل الكثير من التطويل وأحياناً يحوي حشواً جنسياً زائداً عن الحاجة فعلاً ولا أجد له ما يبرره بصراحة.. الجزء الثاني كان يفترض كونه يحكي عن (محمد منصور) إلا أنني لم أشعر إطلاقاً بأهمية أن يكون له جزء خاص به من الكتاب (!) حيث ترى قصتيْ (سليم) و(سو) تتسرب إلى هذا الجزء فتسوده تقريباً، وهو ما قد يسبب للقارئ تشتيتاً وفقداناً للقدرة على جمع خيوط القصة، وما يجعلني أرى أن تسمية الجزء بأسماء هؤلاء الثلاثة معاً سيكون أكثر دقة! إلا أن السرد فيه ما زال يحمل نفس الإمتاع والواقعية كسابقه.

أما الجزء الثالث فتقرأ فيه قصتيْ الشابين (كمال) و(إبراهيم) والاضطهاد الذي تعرضا له، وربما كان تقديم بطلين بديانتين مختلفتين نقطة جيدة من الكاتبين، لإظهار النقطة التي يريدانها وهي أن المصريين في الهم سواء، وأن أسباب هرب هؤلاء إلى إسرائيل –رغم اختلاف البيئات- واحدة وهي الاضطهاد والبهدلة.. لا أرى هنا تدخلاً من (سليم) و(سو) أو (منصور) وهي نقطة إيجابية، إلا أن السرد طال فعلاً في الكثير من الأجزاء وربما احتاج لإعادة صياغة كاملة..

نأتي لجزء الالتقاء وهو الجزء الرابع والأخير، حيث يلتقي الجميع (سليم) و(سو) و(إبراهيم) و(كمال) في إسرائيل تحت ظروف مختلفة، فيقابل (سليم) (كمال و(إبراهيم) كعينتين مهمتين من الشباب المصريين اللاجئين لإسرائيل، ويقابل (سو) كجزء من عملها هي.. الحقيقة أن هذا الجزء –رغم شدة أهميته وكونه مقصد الكتاب الفعلي- لم يأخذ حقه الكامل بل أفرد له ربع الكتاب الأخير فقط رغم أن الكتاب اسمه (حدوتة عبرية) لا حدوتة مصرية! كما أنه كشف لي أن شخصية (سو) لم يكن لها من الأهمية الكثير فعلاً إلا أنها كانت الشخصية التي وقع (سليم) في حبها هناك في إسرائيل..! لكن هذا لا يعطي مبرراً لوجود (سو) على الإطلاق إلا لو كان المقصد من وجودها هو تغيير ما في قلب (سليم) –وربما القارئ نفسه!- من ناحية إسرائيل..!

 

خلاصة: الكتاب أدبياً لا بأس به أبداً ولم يفقد عنصر الإمتاع إطلاقاً، إلا أن سرده لم يحمل جديداً وهذا لا يبرره كون الكتاب موجهاً لفئة الشباب، كما أن الإطالة عيب رئيسي في العديد من مقاطع الكتاب.. هناك كذلك قصتا (كمال) و(إبراهيم) اللتين لم أرَ داعياً لإفراد ربع كامل من الكتاب لها، بل وربما كانت ستبدو أفضل لو رويت القصة على لسانهما شخصياً للبطل (سليم)، حتى يتخذ الأمر شكل مغامرة صحفية حقيقية.. أعني أن شكل (الحدوتة) في قصتي كمال وإبراهيم لم يكن ذا داعٍ على الإطلاق وكان إفراد ربع كامل لقصتيهما فكرة غير جيدة، كما ألوم الكاتبين على منح شخصية (منصور) أهمية ظاهرية لا تستحقها حيث ظهر أنه ليس أكثر من شخصية مساعدة أو داعمة Supporting Character، لكن عموماً، أنجح ما رأيت في الكتاب شكل (الحدوتة) الذي أمتعني شخصياً وجذبني لقراءة الكتاب، وهو مجهود أدبي جيد يُشكر عليه الكاتبان وأجده تجربة سردية جديرة بالاهتمام والمواصلة.

 

* أما كفكرة:

كما ظهر لي فإن الكاتبين كعادتهما في كثير من كتاباتهما يحاولان تفهم موقف هؤلاء المصريين الذين هربوا من شقاء العيش في مصر إلى إسرائيل.. إلا أنني –وبكل صراحة- أختلف مع هذه الفكرة وبشدة.. نعم هناك حرية شخصية وحرية اختيار وحرية تفكير، لكن السفر إلى إسرائيل والزواج بإسرائيليات ليس فكرة ذكية وربما هي خاطئة جداً..! نحن جميعاً كقومية مصرية واحدة –وبكل فئاتنا- نأبى التعامل السلمي أو التطبيع مع إسرائيل، فنحن كأفراد أجزاء من البناء القومي المصري الكبير، والذي لا ينفع معه أن تلجأ بعض فئات إلى الأرض المحتلة فتحدث خللاً في ذلك البناء..

نعم ربما هاربون من اضطهاد.. نعم ربما هاربون من شقاء عيش.. لكن.. إلى إسرائيل؟! إلى أرض الفصل العنصري التي قامت على أراضي وعظام الفلسطينيين الذين هم إخواننا في الدين والعروبة –وإن رأى البعض عكس ذلك- ؟! هل يرضى شريف على نفسه أن يعيش على دماء الفلسطينيين المنتهكة يومياً وأرضهم المغتصبة باستمرار، ولو كان شقياً في العيش؟! لا أرى ذلك إلا شراكة لإسرائيل في جرائمها لا أكثر.. نعم هم يحصلون على المال لحياتهم، لكنهم لا يحصلون عليه مجاناً بالطبع وإنما بالعمل.. العمل لتنمية إسرائيل ودفع عجلة تقدمها لشكل أو بآخر، على حساب دماء وعظام وأراضي الفلسطينيين كذلك!!

سيقول قائل بأن هناك عرب 48 الذين يعيشون داخل حدود إسرائيل.. لكن هؤلاء تحديداً قد ألتمس لهم عذراً ما، فهي أرضهم أصلاً لا أرض هؤلاء! هم يعملون بشكل ما ليستعيدوا أرضهم من بين أنياب الأسد، فلا تقنعني أن موقف المصريين الهاربين سيكون مثل هؤلاء..! لا تحاول أن تقنعني أن المضطهد في أرضه سيعمل لإنقاذ بلاد أخرى ولو كانت تحمل نفس القومية.. لكن على الأقل لم يكن ليساعد في دفع عجلة التنمية لعدوه..!

آسف، لكني لا أستطيع أن أجد عذراً لهؤلاء.. (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)؟! ألم تجدوا سوى أرض العدو؟ صدقني، لو كان في داخلهم ذرة انتماء لدين أو لوطن عربي كبير ما فكروا في الهجرة لإسرائيل ولو كانوا يموتون جوعاً هنا.. لكانوا قد رفضوا أكل لقمة العيش التي يطعمهم إياها عدوهم..!

 

ونعم، إسرائيل عدو مهما حدث من اتفاقيات سلام ومهما كان من كلام جميل، هؤلاء لا عهد لهم يحفظونه واسألوا التاريخ قديماً وحديثاً، هؤلاء لا يحملون احتراماً لأحد ولا لمخلوق سوى أنفسهم، ولو كانوا لما رضوا على نفسهم أن يعيشوا على أرض غيرهم أصلاً.. هؤلاء عاشوا ويعيشون على مص الدماء ولا تحاولوا إقناع أحد بالعكس.. الصفح له حدود، وآخرها عند هؤلاء خاصة.. أرجوك اصدقني القول، هل كنت لتسامح قاتل أخيك أو أختك مهما حملت داخلك من تسامح..؟ والله أبداً! هناك تسامح في حدود، وهناك كذلك قصاص عادل يقتص ممن سرق الحق والأرض وقتل ونهب وقضى على السلام إلى غير رجعة..! وهو حينها قوة حقيقية.. فلا اعتداء إلا على معتدي..

 

ربما لم يقصد الكاتبان فعلاً تشجيع التطبيع مع إسرائيل كما أشيع عنهما لفترة وإنما قصدا التماس عذر ما لهؤلاء المصريين الهاربين إلى إسرائيل.. لكن في حالة كهذه؟ صعب جداً.. على الأقل بالنسبة لي..

 

آسف على الإطالة هذه المرة حقاً.. كان ذلك كل ما دار بفكري عن الكتاب كنص وكفكرة، أتعشم أنك عزيزي القارئ لم تملني.. فقط أرشح لك هذا الكتاب للقراءة لتستمع بالسرد البسيط من ناحية، وربما لتناقش معاً في فكرته العامة في (قعدة صفا) لاحقاً ^^

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s