حاسب محمول..

حاسب محمول.. (قصة قصيرة)

item7068

مساء آخر أقضيه على طاولة في هذا المقهى.. مساء آخر ككل المساءات التي أقضيها فيه بعد خروجي من مقر عملي مباشرة: جلوس إلى المنضدة ثم طلب القهوة الثقيلة عديمة السكر المعتادة، ثم شربها أثناء مشاهدة قنوات الأغاني تلك التي لا تتوقف عن عرض فتيات لا يتوقفن عن الرقص بينما لا أتوقف أنا عن المشاهدة كأنما أعوض بذلك نقص السكر في قهوتي!

أنهيت قهوتي في دقائق ثم ناديتُ النادل فنقدته حسابه فذهب يبحث لي عن فكّة ليعيد إليّ باقي النقود، فتراجعت في مقعدي وجلستُ أتأمل الجالسين إلى المناضد المجاورة تمضية للوقت..

حتى وقعت عيناي على ذلك الحاسب المحمول الحديث على أبعد منضدة عني، والذي انجذبت لتصميمه الأسود شديد الأناقة وعلامته التجارية الشهيرة، فارتفعت عيناي فوراً إلى مستخدمه.. هو شاب عشريني نحيل ذو نظارة، متأنق جداً بشكل يبعث على الغيظ أكثر من الإعجاب، يكتب على لوحة المفاتيح في سرعة ويتابع بعينيه الشاشة دون انفعال على الإطلاق.

تلك الملامح..! أعرفها! نهضتُ من مكاني سريعاً والتقطت باقي النقود من النادل الذي كان عائداً لمنضدتي به، ثم توجهت إلى منضدة الشاب فطرقت عليها بسبابتي في مرح:

– (وائل)! إزيك!

رفع الشاب عينين مندهشتين إليّ، ثم ضاقت العينان تتأملان وجهي في بطء قبل أن يتحول إنفعاله لسعادة غامرة، فنهض سريعاً من مقعده:

– معقولة؟؟ إنت يا (عماد)؟ مش مصدق نفسي!

* ولا أنا والله!

ثم تصافحنا وتعانقنا بشدة عناق صديقين قديمين جداً، ثم أسرع هو فجذب المقعد المقابل له ودعاني للجلوس في حرارة بينما يغلق حاسبه المحمول..

 

وبدأتُ أنا حوار الذكريات:

– لك وحشة يا بني، فينك كده من إعدادي؟ ولا حس ولا خبر ولا مكالمات ولا أي حاجة كده يا وغد!

* الدنيا بقى يا صاحبي.. إنت دخلت كلية إيه؟

– علوم، وإنت؟

* تجارة.

اتسعت عيناي عند جوابه ذاك، وهتفت مندهشاً:

– بتتكلم جد؟؟ تجارة؟

ابتسم لدهشتي في شبه خيبة أمل وهز رأسه مهمهماً، فتساءلت:

– بس إزاي؟ دا إنت كنت ما شاء الله من الأوائل طول عمرك..! دا الأستاذ (سيد) رائد الفصل كان دايماً يقول إن مفيش حد في الفصل ممكن يفلح بجد غيرك.

* زي ما بقولك، الدنيا.. والدي توفي قبل امتحان الثانوية العامة بأسبوع تقريباً.. دخلت الامتحان لكن جبت مجموع ما يعلم بيه إلا ربنا، دخلت بيه تجارة خدت دورات برمجة كمبيوتر مكثفة أثناء وبعد الدراسة، وبشتغل حالياً مصمم برامج، وأديني قدامك أهه.

 

سرت في روحي حينها رعشة حزن باردة.. كان والده ذاك شخصاً طيباً حقاً حتى لتمنيتُ أن يكون أبي أنا، وما أزال أتذكر تعلق (وائل) الشديد به والذي لم أصدق وجود مثيل له..  كما أن كلامه عن دخوله كلية التجارة أحزنني أكثر، هو صديقي العزيز المتوحد الصامت أغلب الوقت الذي لم يكن له صديق تقريباً سواي، والذي في الوقت ذاته لم يكن يتراجع عن المراكز الأولى في الفصل لأي سبب.. لابد أن أربعة السنين التي مرت عليه تلك لم تكن باليسيرة أبداً.. لكن، هكذا هي الدنيا كما قال..

 ساد الصمت بيننا للحظة ثم قلت بصوت خفيض:

– الله يغفر له ويرحمه.

*الله يرحمه.

 

ثم سارعتُ بتغيير الموضوع قبل أن يسود الجو الكئيب:

– أمّال إنت إيه اللي جابك الكافيه ده النهارده؟ أنا بآجي هنا كل يوم وعمري ما شفتك.

* أبداً، طقّت في دماغي أدخل الكافيه ده النهارده أغير جو شوية وأديني شفتك! أهي دي بقى اللي أقدر أسميها محاسن الصدف!

– على رأيك.

ثم طالب النادل بفنجانيْ قهوة له ولي، لتستمر جلستنا فترة طويلة تنوعت بين حديث ذكريات الأيام الخوالي وأحوال الحياة والعمل، وبين لحظات قصيرة كان يدوّن فيها بعض أشياء على حاسبه المحمول ثم يعود للحديث.  لم أشعر بمرور ساعة كاملة على جلستنا إلا حين نظرتُ في ساعتي بعد أن استأذنني هو للذهاب لشراء علبة سجائر جديدة..

بمجرد أن غاب عن نظري عادت في داخلي رغبتي القديمة الأبدية في الإطلاع على حاجياته! هي عادة لم أستطع أن أكف عنها في الإعدادية أبداً، والآن تطور العصر وتحولت حقيبة الكتب والكراسات إلى حاسب محمول سهل الاستعمال! ابتسمتُ ابتسامة شريرة وأدرتُ شاشة الحاسب نحوي في خفة وبدأت أدور بالفأرة سريعاً في محتويات الجهاز..

 

160 جيجا بايت لتخزين البيانات، لم يُستعمل منها سوى 5 جيجا بايت فقط، وكلها ملفات وأكواد وصور وتصاميم برامج غير مكتملة تخص عمله، ولا أثر لأي وسيلة ترفيه أو هوايات خاصة من أي نوع: لا ألعاب ولا أغاني ولا أفلام ولا حتى صور أطفال.. عمل عمل والمزيد من العمل.. وفراغ كبير جداً..

 كم بدا لي حينها الحاسب الحديث الأنيق حزيناً مستوحشاً وحيداً، وجدت نفسي مرغماً أشعر بتعاطف غريب معه.. هممتُ بإدارته كما كان، إلا أنني انتبهت أن الحاسب متصل بشبكة الإنترنت اللاسلكية في المقهى فقررتُ إلقاء نظرة سريعة على ملفه الشخصي على موقع (فيس بوك)، على الأقل حتى أعرف اسمه عليه فأضيفه كصديق لديّ لاحقاً..

وجدتُ الموقع مضبوطاً ليفتح ملفه الشخصي مباشرة، فتصفحت الملف لثوانٍ.. ملف بسيط ممل جداً لا يحتوي أي صور أو ملحوظات شخصية، مجرد تعليقات على بعض رسائل شخصية لأصدقائه القليلين وبعض الروابط التشعبية ذات المواضيع المرتبطة بالبرمجة وحسب.. لكن نظري فجأة تصلّب على رسالته الشخصية القصيرة أعلى الصفحة.. ثم تبسمت ضاحكاً لما فهمت معنى الرسالة..

 

لمحته يدخل مجدداً من باب المقهى عائداً إلى الطاولة فأغلقت المتصفح سريعاً. جلس إلى الطاولة ولاحظ نقلي لشاشة الحاسب في اتجاهي، فابتسم في غيظ مازح هاتفاً:

– مش هتبطّل دعبسة في حاجاتي ياض إنت؟؟ واضح إنك ما كبرتش أبداً!

ضحكت:

– إنت اللي كبرت يا خويا! بقيت بتشرب سجاير أهه وانحرفت!

* سبنا لك الاستقامة يا عمي!

انتهى الحوار بضحكات متبادلة، ثم نهضنا وغادرنا المقهى معاً ليوصلني هو إلى حيث منزلي، ثم صافحته وعلى وجهي ابتسامة عريضة:

– والله إنت كنت واحشني يا (وائل)، هأستأذنك أنا بقى لسه ورايا شغل هأخلصه في البيت، تأمرني بحاجة؟

* ألف شكر يا (عمدة)، عاش من شافك. لازم نشوف بعض ونفضل على اتصال على طول يا بني، ماشي؟

قلتُ صادقاً بينما أتجه إلى بوابة البناء:

– أكيد يا حبيبي. مع ألف سلامة.

 

بعدها بخمس دقائق كنتُ جالساً إلى حاسبي ومتصفح الإنترنت بعد أن سارعتُ بإرسال طلب صداقة على (فيس بوك) إلى الملف الشخصي لـ(وائل)، وبسرور لا حدود له تأملتُ رسالته الشخصية القصيرة على الملف.. تلك التي تقول في إيجاز:

" لم أعد وحيداً.. حمداً لله.. J "

 

(تمت)

 

محمد الوكيل

Advertisements

One thought on “حاسب محمول..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s