قراءة في كتاب (قرش حشيش) "مجموعة قصصية" لمهدي مبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

clip_image002

في الفترة الماضية صرتُ شبه مُعتكف في منزلي وأمام كمبيوتري لا أفارقهما ولا أقرأ أو أكتب تقريباً إلا لضرورة، فببساطة لا أجد في رمضان نهاراً الطاقة الذهنية الملائمة لأكتب، وليلاً لا أجد الوقت الكافي! ^^"

لكن هذه المرة قررتُ انتزاع نفسي من هذا كله، والسبب أنني وجدتُ الضرورة! وهي كتاب جيد جداً وممتع بعنوان مفزع للوهلة الأولى (!) وهو مجموعة قصصية بعنوان (قرش حشيش) صدرت حديثاً للكاتب الشاب البارع (مهدي مبارك) عن دار إنسان للنشر والتوزيع والإعلام.

 

الكتاب يتضمن 108 صفحات من القطع المتوسط بين غلافين جيدي الطباعة والتصميم، وإن كان الغلاف الأمامي غريباً في الشكل للوهلة الأولى، كما أن الخطوط أنيقة ومقروءة وإن لزم تخفيفها بعض الشئ لا أكثر.

ربما سيختلف انطباعك بين النظرة إلى صورة الغلاف وبين العنوان نفسه، فصورة الغلاف لوحة "عشوائية" نوعاً تُظهر مجموعة من الشباب والفتيات يؤدون حركات عشوائية فوضوية خليعة إلى حدّ كبير وهو ربما ما سيعطيك انطباعاً بأن الكتاب عبثي أو فوضوي أو حتى "خليع" أو يتناول هذه المواضيع أو بعضها، كما أن عنوان الكتاب (قرش حشيش) قد يدعم هذه الصورة في ذهنك أكثر!

إن كنت فكرت هكذا فأنت أصبت بعضاً من الحقيقة لا كلها، ففعلاً، تتناول هذه المجموعة القصصية الممتعة الجانب الكثير من الفوضى العارمة التي أصابت المجتمع في كل شئ: السياسة والفكر والدين والمعاملات بين الناس، والناس أنفسهم.. وهي وإن كانت "قرش حشيش" فهي ليست منوّماً، وإنما موقظاً! موقظاً يجبرك على الاستيقاظ لترى كل تلك الفوضى والعبثية من حولك، فربما تحاول –وتنجح- في القضاء عليها..!

 

وربما لن تصدقني إلا إذا أخذتك لنلقي نظرة مدققة على ما بداخل الكتاب، وهو يحوي 7 قصص تتراوح بين القصيرة جداً ومتوسطة الطول، هي بالترتيب (هكذا أنا – على باب سينما مترو – اغتيال – هاني هيكل – ساعات في جامع شديد – سعد وصلاح وأنا – جرام واحد فقط).

ولقلّة عدد القصص في المجموعة فسأتناولها جميعاً هنا بإيجاز:

 

1- هكذا أنا: قصيرة جداً تكاد تكون خاطفة، ذلك القصر المفيد والذكي جداً! نجح الكاتب ها هنا في أن يختزل فكرة كبيرة وتجربة إنسانية عميقة في سطور قليلة، تلك هي فكرة حال الشباب –والشعب عموماً في بلد صار فيه العذاب جزاء كل من ينطق بكلمة الحق، وصار فيه الذلّ والهوان سمة تصم البلد فوصمت بها أبناءها كذلك، هؤلاء الذين ما يزالون يناضلون لأجل أن يرفعوا رأسها من جديد..!

تظهر في القصة كذلك قدرة لا بأس بها لدى الكاتب على تحويل أفكاره أو تأملاته إلى كلمات مباشرة (ذلك الذي يُسّمى لدى البعض بالتداعي الحر) خاصة في الفقرة الأولى من القصة، حيث قال:  "إن الظلام حين يقفز في الصدور يعبر عن مدى السواد، أما حين يغطي المكان ويسود فلا ظلام ولا سواد، إن وضعنا الحلكة التي غطت الجدران جانباً،يكون الظلام المحيط ما هو إلا عَرَض من أعراض السلام النفسي، تماماً مثل السكون"، وهي خاطرة ربما تتبادر إلى أذهاننا أحياناً حين نكون في نفس موقف البطل من الظلمة.

كما عبّر الكاتب عن فكرة القصة كلها في ذلك الرسم الذي رسمه البطل على جدار زنزانته فكان أبلغ من ألف كلمة، وربما هو تلميح من الكاتب لدور فنّ جميل كالرسم عموماً في التعبير عن الإنسان ونفسه وأفكاره، مثله مثل الكلمة المكتوبة. كذلك يمتلك الكاتب ثروة لغوية لا بأس بها كما يبدو في القصة، وإن كانت تحمل بعض الركاكة في جملة أو اثنين. غير ذلك، هي قصة أراها عبقرية فعلاً.. إيجاز المعنى في سطور قليلة مهارة رائعة أظنّ الكاتب من القلائل الذين يحملونها! ^^

 

2- على باب سينما مترو: متوسطة الطول، على درجة عالية من الجودة! أفضل ما في القصة هو بناؤها الدقيق المتين ونهايتها المختصرة القوية التي بُنيت على ما سبق سرده من أحداث في القصة. القصة باختصار تتناول حالة الكبت والعجز الدائمة التي يعيشها الشباب والتي تؤدي بهم غالباً إلى التصارع من أجل حطام الدنيا وانتزاع اللقمة من أفواه غيرهم من أجل أن يعيشوا هم، وظهر ذلك في عناصر الكبت تلك التي قابلها بطل القصة الشاب والتي سببت لديه الإحساس القوي بالعجز، وهي غالباً الكبت الجنسي والمادي والمجتمعي (ذلك الذي تمثل سابقاً في القصة الأولى)، والتي كانت كلها تراكمات أدت إلى تلك النهاية الخاطفة قليلة الكلمات..! ورغم أن العمل الذي قام به البطل في النهاية كان أنذل ما يكون إلا أنه رآه قمة المروءة..! ولا عجب فالأسباب كثيرة ومتراكمة..

القصة رُويت بأسلوب الحكي الذاتي أو ما يُسمى (صانع القدر)، وهو كان الاختيار الأمثل في قصة ذاتية كهذه، حيث لم يتجه الكاتب لأسلوب الراوي كلي المعرفة فهو لن يكون واقعياً هنا، كما لم يتجه للكثير من التحليل النفسي، وترك فهم أسباب فعل البطل في النهاية للقارئ يستخرجه من السطور الماضية..! الخلاصة أن أفضل ما في القصة كان بناءها الذكي المُرتّب بذكاء والمُستخدم حتى أقصى حد له ^^ وكذلك الحوار فيها الذي كان واقعياً جداً وممتعاً في الوقت ذاته، وما زلتُ أؤكد على تمتع الكاتب بثروة لغوية جيدة ظهرت في الكثير من العبارات.

 

3- اغتيال: قصيرة لكن أطول من الأولى بعض الشئ، رمزية بشكل مباشر جداً حتى أنني لم أرَ داعيا لمتابعتها بعد إطلاعي على السطر الأول، لكنها عبرت عن وضع حقيقي سائد وهو العلاقة بين المحكومين (الشعب) والحاكم (معروف طبعاً!!) فيما مضى والآن، وما يريده الشعب للخلاص من ذلك "الحاكم" المتجبر رغم كبره في السن!

وهذه بالمناسبة القصة الأولى في المجموعة التي قدّمت حلاً للقضية التي عرضتها، وهو ذلك "القائد المنتظر" الذي يترقب الشعب وصوله ليوحدهم وينقذهم من براثن الطاغية..! ولو أني أراه حلاً غير واقعي وربما سيستغرق سنوات يبقى الشعب فيها تحت وطأة ظلم متجبر أو حتى يضعه في يد ظالم آخر لا يقل جبروتاً.. والحل الوحيد هو أن يكون الشعب كله ذلك القائد القوي المُنتظر، فالله لم يكن مغيراً ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!

 

4- هاني هيكل: نفس طول سابقتها تقريباً. هي قصّة كاتب صحفي شاب جرئ قرر عرض أفكاره وإن كانت خاطئة في بعضها على الناس جميعاً، فووجه بالهجوم المعتاد الذي يواجهه كل من في مكانه ومن نفس الفئة والتي هي بعض الشيوخ المتشددين، الذي يرى بعضهم –لا كلهم بالطبع- أفكار هاني هدماً لمصالحهم ونقضاً لسيطرتهم على فئات كبيرة من الناس وتذويباً لتجميدهم عقول هؤلاء، فواجهوه بالهجوم العنيف والتشهير لا بالرد والنقاش العقلاني الهادئ. القصة تعبر ببساطة عن مجموعة من الكُتّاب والمفكرين المتفاعلين مع الشعب بحق، الذين لا يخشون من عرض أفكارهم الجريئة بصرف النظر عن صوابها وبغض الطرف عن نواياهم من ذلك سواء كان الاستعراض الفج أو البحث الصادق عن الحقيقة والمناقشة الفكرية الهادئة، والتي يندر أن تجدها في مجتمعنا للأسف. القصة كانت عرضاً أراه صادقاً لهذه الفئة والتي قد يكون كثير منها لا يقصد سوء نية كما يرى الآخرون، ولكن قد يكون قطاع عريض منها سيئ النية فعلاً..! إلا أنني لسبب ما أرى الفكرة مكررة كثيراً وربما عُرضت في بعض الأعمال الأخرى بنفس الشكل القصصي تقريباً.

 

5- ساعات في جامع شديد: أراها من أهمّ القصص في المجموعة، حيث أظهرت القصة (الطويلة هذه المرة) جانباً كبيراً من الفساد المجتمعي الذي كان التيمة الأساسية في المجموعة القصصية، والذي يتمثّل في التناقض في شخصيات الناس، مثل تديّنهم الظاهري الذي يختفون وراء ستاره فيفعلون كل منكر وخبيث خلفه، وفسادهم الظاهر الذي قد يخفون خلفه قلباً طيباً أُكره على فساد أفعاله للعديد من الأسباب، وهؤلاء الذين يسعون لتدمير غيرهم لمصالح شخصية بدعوى الدفاع عن الدين والمبادئ، والذين يخفون فساد قلوبهم خوفاً من المجتمع لا أكثر..

ثم يجئ الحدث الأساسي والأعظم في هذه القصة فيكشف الستار عن هذا كله: ذلك النيزك الذي كاد يضرب الأرض فظنّ الناس جميعاً أنه يوم القيامة، فإذا بالكثيرين يظهرون على حقيقتهم بينما يبقى بعضهم ثابتاً على موقفه:

أهل البلد الذين لجأوا فجأة إلى التوبة إلى الله سبحانه حين انكشف لهم أنهم موتى لا محالة، والمال الحرام الذي جمعه بعض هؤلاء فتخلصوا منه كله لذات السبب، وهؤلاء الذين كشفوا عن حقيقة فسادهم حين بدا لهم أنه لا فرق، واستغل البعض الموقف ليفعلوا ما يظنونه صواباً وجهاداً! أما عن الثابتين على موقفهم فهم كانوا في هذه القصة قلّة كما هم في الحقيقة قلة..!

ثم حين انكشف البلاء ورُفع عاد أكثرهم لما كانه: تركوا التضرّع والتوسل لله وعادوا لحياتهم الدنيا حين طال بهم الأمل، وازداد جامعو المال الحرام كُفراً وهكذا..!

عبّرت هذه القصة بصدق كبير عن معنى الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23) ).. كانت تحليلاً دقيقاً لنفوس الناس أمام تلك الأهوال الكبيرة، وتعبيراً ذكياً عن وضعهم قبل وأثناء وبعد انقضاء الهول الكبير.. وقد ساعدت كل شخصيات القصة تقريباً في ذلك، فها هو (خليفة) يعبر عن هؤلاء الذين لم يفهموا تماماً معنى كونهم خلفاء لله في الأرض واستغلّ المعنى لمصلحته ولتحقيق انتقامه الشخصي ومجده وكان موقفه وكلماته حينذاك معبرين بشدة عن المعنى، وهناك (صفية) تلك التي ألجأها العوز إلى الخطيئة رغم صفاء قلبها الحقيقي، وكذلك (عبد الملك) الذي حين أصابته مصيبة موت أبيه انقلب على وجهه فألحد، والحاج (سيد) الذي جُنّ حين وجد أنه أضاع ماله الحرام كله بيده حين وجد أن هلاكه قريب، وكذلك الشيخ (عابد) الذي ثبت على موقفه من الدين والدنيا قبل وبعد الكارثة، فرفض أن يبيع دينه بدنياه، ورفض استغلال الكارثة المقتربة في تحقيق مجد شخصي له فكان مخلصاً لدينه وربه حق الإخلاص حتى آخر لحظة..

باختصار، كانت شخصيات القصة مجسّمة قوية معبرة، عبرت عن مجتمع كامل رمزت له القرية الصغيرة، قليلون هم هؤلاء الصادقون مع أنفسهم فيه، وكثيرون هم الفاسدون..!

أعجبني في القصة كذلك لغتها الجميلة جداً وحوارها الواقعي أيضاً، وصدق شخصياتها الكبير وبعدها عن الرمزية الفجة كقصة (اغتيال) ووضعها في قالب واقعي صادق جداً، كذلك فكرة التداعي الحر في بعض النقاط والتي نجح الكاتب في تجسيدها ببراعة، إلا أنني أعيب عليها بعض نقاط غير منطقية نوعاً، مثل تعبير (صفية) عن مشاعرها المكبوتة بالكتابة، تلك العادة التي يصعب أن يمارسها من هم مكانها –من وجهة نظري على الأقل-. لكن بشكل عام هي قصة ممتازة حقاً.

 

6- سعد وصلاح وأنا: ممتعة ومبدعة جداً، عبرت عن الفكرة العامة للمجموعة وكانت شاملة كثيراً، عبر الكاتب فيها عن كثير مما يعتمل في نفسه وعن همومه في صورة أبيات صلاح جاهين التي رفضت أن تغادر فكره طوال القصة حتى نهايتها، فكأنما أراد أن يعبر عن همومه في تلك الرباعيات البديعة، أي أنها فكرة مبتكرة نوعاً للتعبير عن أفكار البطل ابتعد بها الكاتب عن السرد المعتاد للأفكار، وكان اختياره لصلاح جاهين معبراً عن أفكاره موفقاً تماماً، فعمنا صلاح جاهين كان سيّد حمالي أسيّة الوطن منذ نضج حتى مات حسرة على الكثير من تلك الهموم..

ثم هناك سعد زغلول، العنصر الذي مثل الماضي الجميل والذي واجهه مهدي في حوار طويل استغرق نصف القصة فقارن في كلمات رشيقة بين ذلك الماضي السعيد –مقارنة بالآن طبعاً- والحاضر القاتم الذي لا يبشر بخير، فكان ذلك الحوار عرضاً عاماً لتلك الهموم التي كان جاهين ينطق بها باستمرار في رأس البطل مثل بيع البلد برخيص المال والفتن التي تستيقظ بين الوقت والآخر، والصراع على السلطة وفساد السلطة نفسها، ثم هناك كذلك تعبير سعد زغلول عن سبب كل هذا (بصق الماضي على الحاضر)! عنى بها أخطاء هؤلاء الذين سبقونا وورثونا إياها على أمل أن نحلها نحن فإذا بها تلتهمنا!

 ثم يأتي العم جاهين في النهاية ليقدّم حلاً جزئياً لكل ذلك: حلاً يكمن في الإنسان، في أن يثور على وضعه وأن يغيّر مصيره بيده، في أن يغيّر كل إنسان نفسه فربما يتغير الوضع لأفضل..

كانت لغة القصة والكثير من تشبيهاتها جميلة جداً كعادة الكاتب، وكان اختيار هذين الاثنين (سعد وصلاح) جميلاً جداً، فقد كان من بيئة وثقافة البطل لا خارجاً أو بعيداً عنها، فناقش البطل مع الاثنين هموم الوطن والبيئة نفسها وعرضوها معاً ثم حاولوا تقديم حل.. ثم جاءت الكلمة الأخيرة في القصة لتحوّل القصة كلها إلى (جاهينية) كبيرة، مزجت –كعادة جاهين ذاته- بين الواقع المرير والخيال الذي لا يبعد كثيراً عن الواقع.. وكذلك كانت القصة: فانتازية في ظاهرها واقعية حدّ الموت في باطنها..!

 

أخيراً: 7- جرام واحد فقط: شاملة كذلك وصادقة إلى حد كبير، حيث المتكلمون فيها ليس الأقنعة اللحمية التي تدعى (البشر) والتي تبطن أكثر مما تخفي، وإنما أرواحهم التي بين جنبيهم، تلك التي حين تتكلم تتكلم بصدق فلا تكذب ولا تزوّر، ويطيعها بعض البشر أو يكبتونها حسب عقلياتهم وعقائدهم.. وقد جمع حوار الأرواح العديد منها، وقد كان القاسم المشترك بينها أن كانت كلها تقريباً أمّارة بالسوء، لكن الاختلاف كان في أصحابها أنفسهم: الشاب الذي طاوع شهوته ففقد حياته لأجلها، والرجل المتدين ظاهرياً الفاسد باطنياً، والرجل المتدين الصادق الإيمان الذي يكبت نفسه ورغباتها، والعاقل الذي يحكم عقله وفكره روحه الميالة للشر..

ولذلك كله كان حكمي على القصة أنها صادقة، حيث اختار الكاتب أصدق شئ في الإنسان كله: روحه..!

حملت القصة ثروة لغوية جيدة جداً وكذلك تشبيهات ممتعة مثل (الدمّ تجمع حوله كأنما يزفه إلى الآخرة)، إلا أن الحوار في نقاط عدة جمع بين الفصحى والعامية فلم يكن فصيحاً نقياً تماماً، وأرى أن الفصحى الكاملة كانت ستكون أصدق وأكثر حياداً فهي ستكون معبرة عن أرواح البشر جميعاً بلا تفرقة.. هناك كذلك التعبير عن الشئ الشرير في الإنسان بلفظة (روح)، فالشر في الإنسان يكمن في (النفس) لا في (الروح)، فالروح كيان نقي وجزء من روح الله سبحانه وتعالى، بينما النفس هي تلك التي تأمر صاحبها بالسوء أو تلومه أو تأمره بالخير فتكون مطمئنة..

 

نظرة نهائية:

 إن كان الكاتب الشاب (مهدي مبارك) يريد أن يجعل من هذه المجموعة (قرش حشيش) أن توقظ وتحرّك أذهان البشر السكارى الغافلين فقد نجح إلى حد كبير..! وقد نجح في ذلك باستخدام أدوات لغوية عديدة كالألفاظ الرشيقة والتشبيهات المعبرة الذكية والشخصيات المنتقاة بعناية، والمواقف البسيطة المعبرة جداً، وقد اختار مهدي في كل قصة عنصراً من عناصر ذلك الفساد المجتمعي ليناقشه من خلال القصص، ثم شمل كل تلك المفاسد والمشاكل والقضايا في القصص الثلاث الأخيرة (ساعات في جامع شديد – سعد وصلاح وأنا – جرام واحد فقط) بشكل جيد جداً، حيث عرّى نفوس الناس ومفاسدهم في (جامع شديد)، وقارن بين الماضي والحاضر وحاول من بين الاثنين إيجاد حلّ ما عن طريق حواره مع (سعد وصلاح)، وكشف عن موطن الصدق في الإنسان واستنطقه بـ(جرام واحد فقط) من الحشيش كان كفيلاً بانتزاع الاعترافات من ألسنة أرواح البشر الصادقة رغم شرورها..! ثم هو في كل قصة تناول جانباً ما، فعرض مشاكل شباب هذا المجتمع المكبوت العاجز (على باب سينما مترو)، وجسّد ذلّ الناس في هذه الدولة البوليسية على رسم في جدار كُتِبَ تحته (هكذا أنا)، وقدّم شبه حل لذلك كله على صورة (اغتيال)، وجسّد رغبة المجتمع في فكر حر ونقاش عقلاني في القضايا المختلفة في شخص (هاني هيكل)..

(مهدي مبارك) كاتب شاب متمكن فعلاً وقارئ ممتاز، وناظر ومحلل جيد لقضايا مجتمعه، وقاص يملك القدرة على تحويلها لقصص ممتعة تمزج بين حلاوة وإمتاع الخيال وقسوة وصدق الواقع.. وأظنني أتفق كثيراً مع الدكتور أبو القاسم عمر صميدة في كثير مما امتدح فيه مهدي في مقدمة الكتاب.

وفعلاً، سعدتُ بهذا الكتاب جداً واستمتعت به، وسعدت كذلك بالتعرف إلى صديق جميل هو مهدي مبارك-كون ^^

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

واحد وعشرون..!

بسم الله الرحمن الرحيم

happy_birthday_21_card-p13793316483

بمعجزة ما، أكملتُ قبل يوم واحد (فعلياً) واليوم (رسمياً كما هو مسجّل في البطاقة وأوراقي الرسمية) واحداً وعشرين عاماً بالتمام والكمال..! ولله الأمر من قبل ومن بعد!

أي والله! ذلك الكائن البشري المدعوّ (محمد الوكيل) أتى إلى العالم حيّاً يرزق في يوم الاثنين 24 أغسطس 1989 (أو 25 أغسطس كما تصرّ الحكومة!).. وبالأمس صرتُ في الحادية والعشرين.. أي صرتُ بالغاً راشداً عاقلاً مسؤولاً عن نفسي ومحلّ ثقة في نظر الحكومة والناس والشرع والدين..!

 

بالأمس سألني صديقي ضياء السواحلي: (أخبار العشرين سنة اللي فاتوا دول إيه؟).. بصراحة، توقفتُ أمام السؤال بعض الوقت قبل أن أعطيه جواباً مختصراً جداً.. لكنّ سؤالاً كهذا لعَمْر الله كان بحاجة إلى جواب أطول لولا أني كنت –حينها- ملولاً ^^"

عشرون عاماً مضت من عمري، أمضيتُ منها جانباً كبيراً أكتسب، أكتسب غذاءً وعلماً (وإن كان ما يزال قليلاً) وأخلاقاً وتربية، وأحسب والديّ لم يقصروا في منحي أياً من هؤلاء.. أكتسب أصدقاء أعزاء وأفقد وأخسر البعض.. عرفتُ فيها كثيرين أحبهم كثيراً كثيراً وأرجو من الله أن يديم بيننا الودّ..

عشرون عاماً مضت من عمري لم أستطع فيها أن أوفي للعديدين معروفهم وأفضالهم عليه، أولهم والداه.. عشرون عاماً لم أنتج فيها كثيراً يستحق أن يُجمع بعد وفاتي في مجلد أعمال كاملة..!

 

عشرون عاماً قضيتُ فيها أوقاتاً ممتعة جداً، وأوقاتاً كئيبة مؤلمة جداً، وأوقاتاً بين هذا وذاك.. أوقاتاً استفدتُ منها إلى حدها الأقصى، وأوقاتاً لم أستفد منها إلا قليلاً كان نافعاً بشكل أو بآخر.. عشرون عاماً تأخرتُ فيها في بعض أمور، وأود حقاً فيما هو آت أن ألحق بما تأخرتُ فيه..

 

لن أقدر أن أجمع تفاصيل تلك الأعوام كلها ها هنا، إنما حاولتُ بكلماتي تلك استرجاع تلك التفاصيل في ذاكرتي، علّني –بطريقة ما- أجعلها نوراً لي في طريقي فيما هو قادم من العمر، ومعيناً لي على الوصول إلى مستقبلي الذي ينتظر..

 

يا كل من لهم علاقة بي، أسرتي، أصدقائي في الواقع وفي عالم الإنترنت، يا كل من تكوّنت بيني وبينه صلة روحية ما في وقت ما: شكراً لكم جميعاً.. فمن دونكم لم يكن وجودي ليتشكل، وما كنتُ لأسمع من أحد غيركم كلمة: كل سنة وإنت طيّب.. :)

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution (And will continue to make Revolution! ^^)

Highest Life – Girls Dead Monster (Angel Beats! anime)

سلام عليكم جميعاً ^^

عودة جديدة وترجمة جديدة لأغنية خفيفة جميلة جداً، اسمها (حياة عُليا Highest Life) لفرقة ظريفة جداً كنت اتكلمت عنها من فترة اسمها (وحش الفتيات الميّت Girls Dead Monster)..

اسمها عجيب حبتين بس بجد جميلة جداً ومسلية ^^ كانت جزء من أنيمى خلص من فترة اسمه Angel Beats! ومش لاقي ترجمة دقيقة للاسم تماماً بصراحة ^^"

 

02

رابط للأغنية على يوتيوب:

http://www.youtube.com/watch?v=_umqk4RPp0s

 

استمتعوا! ^^

 

عربي:

في حالة يرثى لها، أنطوي تحت بطانيتي..

"لماذا انتهى بي الأمر هكذا؟"

تمرّ تلك الخاطرة بذهني فجأة..

 

حين ارتفعت، بدا لي العالم الواسع أصغر كثيراً جداً..

لذا، بتهور، ظننتُ أن تسلّقي جداراً عالياً سيكون أفضل كثيراً جداً..

كأنما الناس جميعاً يرتفعون ببصرهم نحوي! هكذا أنا.

 

في الليالي التي يجافيني النوم فيها..

يحلو لي أن أعزف أغنيات من تلك التي عزفها (كلابتون)* حين كان في (كرييم)**..

"هبوط إلى مفترق الطرق"*** !

 

كم سيكون جميلاً لو حاولتُ أن أعيش، ما دمتُ أفكر بهذه الأفكار..

ألا يجب أن أولد..؟

بالطبع أنا سعيدة، فالناس رائعون، وأنا في مكان يمكنني فيه أن أفكر بهذه الأفكار!

الآن أنا أتفحص بوصلتي..

 

أبكي حين أكون حزينة..

أشعر بالوحشة حين أكون وحدي..

لكن.. أليس البشر جميعاً هكذا..؟

يا جيتاري: فليرتفع صوتك!

 

حين ارتفعت، بدا لي العالم الواسع أصغر كثيراً جداً..

لذا، بتهور، ظننتُ أن تسلّقي جداراً عالياً سيكون أفضل كثيراً جداً..

كأنما الناس جميعاً يرتفعون ببصرهم نحوي! ما رأيك؟؟

كم أنا سعيدة لأنني حيّة، لأنه يمكنني أن أفكر بهذه الأفكار!

شعوري الآن أفضل ما شعرت به في كل حياتي!

حتى وإن كنتُ أبكي في حالة يرثى لها، حتى وإن كنتُ أناضل لأصرخ..

ما زال في إمكاننا أن نمضي قُدُماً معاً..

وداعاً و.. شكراً..!

 

لالالالا! حياة سعيدة! هيا!

لالالالا! خذوني معكم!

لالالالا! حياة عُلْيا! هيا!

لالالالا! تعالوا معي!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كلابتون: هو (إريك كلابتون Eric Clapton) موسيقار ومطرب أمريكي شهير جداً.

** كرييم Cream: فرقة موسيقية كان كلابتون مشتركاً فيها في فترة الستينيات.

*** هبوط إلى مفترق الطرق: أغنية لكلابتون! ^^

 

 

إنجليزي:

In tatters I collapse under my blanket
Why has it turned out this way?
Suddenly it crossed my mind

When I rose up, the vast world felt so much smaller
So recklessly I thought that climbing up a high wall would be even better
It’s as if everyone is looking up; That’s more like me

On nights that I can’t fall asleep
I like playings songs from Clapton’s days in Cream
Down to the crossroads!

It would be nice to try living; Since I’m able to have such thoughts
Shouldn’t I be born?
Of course I’m glad; People are lovely; I’m in a place where I can have such thoughts
I’m checking my compass

I cry when I’m so sad
It’s lonely being by myself
But you know? Isn’t that what being human means?
Oh, I’ll rock out with my guitar!

When I rose up, the vast world felt so much smaller
So recklessly I thought that climbing higher would be even better
It’s as if everyone is looking up; What do you think?
I’m glad to be alive; When I can have such thoughts
It feels the best
Even when I’m crying in tatters; Even when I struggle to yell out
We can walk forward again
Good-bye and Thank you

LaLaLaLa Happy life! Go!
LaLaLaLa Take me with you!
LaLaLaLa Highest life! Go!
LaLaLaLa Go with me!

 

ياباني (للي مهتم طبعاً ^^")

Boroboro no mama de moufu ni taore
Doushite konna ni muki ni natteru n darou
Futo yogitta

Nobotte mita toki hirogaru sekai ha chiisai hodo kimochi ii
Dakara mubou na hodo takai kabe ga ii
Dare mo ga miageru you na Sono hou ga atashirashii

Nakanaka netsukenai yoru ha
KURIIMU no koro no KURAPUTON wo hiitari suru no ga suki
Down to the crossroads!

Ikite mite mo ii Sou omoetara kara
Umarete kita hazu desho?
Yappa yokatta na Hito tte utsukushii na Sou omoeru basho ni ima
KONPASU wo awaseteru

Sorya kanashii toki ha naku yo
Hitoribocchi ha sabishii yo
Demo ne Ningen tte sonna mon da yo?
Oh, my guitar hibike!

Nobotte mita toki hirogaru sekai ha chiisai hodo kimochi ii
Dakara mubou na hodo takai hou ga ii
Dare mo ga miageru you na Kimi mo dou?
Ikite yokatta na Sou omoeta nara
Saikou ni kimochi ii
Boroboro ni naite mo Mogaite sakende mo
Sore demo atashitachi ha mata arukidaseru n da ne
Sayonara to, Arigatou

LaLaLaLa Happy life! Go!
LaLaLaLa Take me with you!
LaLaLaLa Highest life! Go!
LaLaLaLa Go with me!

 

شكراً لكم جزيلاً ^^

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Web of Night – T.M.Revolution

ترجمة جديدة لأغنية جديدة.. لا أكثر ^^

المرة دي الأغنية اسمها (فخّ الليل Web of Night) لمطرب ياباني شهير اسمه T.M.Revolution (يعني Takanori Makes Revolution ^^) وهو نفسه مطرب فرقة Abingdon Boys School اللي سبق لي ترجمة أغنية Freedom ليهم ^^

الأغنية دي كانت إحدى الأغاني في الساوند تراك الياباني لفيلم Spider Man 2 (قديم أنا عارف ^^") وكانت بنسختين، واحدة يابانية وواحدة إنجليزية، ودي ترجمة النسخة الإنجليزية ^^

 

200px-Web_of_Night

استمتعوا! ^^

 

عربي:

 

جسدي بارد، بارد كالثلج،

بينما أركض في المدينة..

لكن ربما إذا حاولت، سأجد

حباً لا يموت..

 

ماذا نملك؟ أنملك فقط بعض كلمات فارغة..؟

كلٌ منها تقرّبنا إلى ما نبحث عنه..

 

بداخلي صوت يستيقظ من جديد..

يأمرني أن أستسلم للقتال..

أرض من الظلال في الجانب الآخر من النور..

حياة لا يجب أبداً أن يضطر غيري لأن يعرفها..

أنا أهوي مجدداً في فخّ الليل!

 

أنا أضع قناعاً،

 إذا مزقته سوف ترى الحزن..

أقف وحيداً في مكان ما في الظلام..

تلاشى منه كلّ الحب..

 

حان الوقت لأن أضع كل شئ على المحكّ من أجلك..

إن لم أغامر بشئ فلن يكون هناك أي مكسب أبداً.

 

تماماً كالصيف، لا تتردد أنت..

أنا منجذب إليك كما الفراشة إلى اللهب..

أفق جديد يتسع أمام أعيننا..

مهما كان ما يمرّ بطريقنا، سأبقي هذا الحبّ حياً..

أنا أهوي مجدداً في الحلم..!

 

بداخلي صوت يستيقظ من جديد..

يأمرني أن أستسلم للقتال..

أرض من الظلال عند الجانب الآخر من النور..

حياة لا يجب أبداً أن يضطر لأن يعرفها غيري..

 

تماماً كالصيف، لا تتردد أنت..

أنا منجذب إليك كما الفراشة إلى اللهب..

أفق جديد يتسع أمام أعيننا..

مهما كان ما يمرّ بطريقنا، سأبقي هذا الحبّ حياً..

أنا أهوي مجدداً في فخّ الليل!

 

إنجليزي:

My body’s cold, it’s as cold as ice
Running through the city
But if I try, maybe I can find
Everlasting love

What do we have? Are they only just empty words?
Each on pulls us closer to what we are looking for

I hear a voice inside me awake again
It’s telling me to the surrender to the fight
A shadow land far beyond the light
A life that no one but I should ever have to know
I’m falling back into the web of night

I wear a mask, if you tear it back
What you’ll see is sadness
I stand alone somewhere in the dark
All the love has gone

It’s time to put everything on the line for you
Nothing ever ventured, then there’ll be no gain at all

Just like the summer you never hesitate
I’m drawn to you like a moth is to a flame
A new horizon before our eyes
Whatever may cross our path, I’ll keep this love alive
I’m falling back into the dream again

I hear a voice inside me awake again
It’s telling me to surrender to the fight
A shadow land far beyond the light
A life that no one but I should ever have to know

Just like the summer you never hesitate
I’m drawn to you like the moth is to the flame
A new horizon before our eyes
Whatever may cross our path, I’ll keep this love alive
I’m falling back into the web of night

 

لينك لتحميل الأغنية:

 

http://www.mediafire.com/?n3r3lcbekg6obwr

 

شكراً ^^

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

الدقّ على أبواب الذات.. (المواجهة الثانية: الغضب)

بسم الله الرحمن الرحيم

SM1007B_thumb[3]

 

"قد سرتُ عشرة آلاف ميل، عشرة آلاف ميل كي أراك..

وكل لهيث نفس لهثته، لهثته كي أجدك..

قد تسلقتُ كل ربوة حتى أصل إليك..

قد هِمتُ ببلاد قديمة حتى أضمك أنت فقط..

وكل خطوة من الطريق سرتها، أدفعها لك.."

 

كلمات حنون تهادت إلى أذني ممتزجة بنبضات رفيقة رقيقة على وتر آلة ما.. وجدتُ نفسي على هذا المزيج الهادئ أستيقظ من إغماءتي، تلك التي لا أعرف لها سبباً إلى الآن.

فتحتُ عينيّ واعتدلتُ في جلستي ولم أحاول النهوض.. شعرتُ أني بنهوضي قد انتهك الجمال والرقة البكر التي يحملها ذلك اللحن وتلك الكلمات فاكتفيتُ بالجلوس بينما أستمع وأبحث بعينيّ عن مصدر المزيج الصوتي..

حتى وقعت عيناي على.. جانبي الآخر كالعادة..! كان مصدر الصوتيْن هو نفسه..! كان جالساً على مكان عالٍ محتضناً جيتاراً يدقّ على أوتاره بمهارة ورقّة، بينما يغنّي مغمض العينين منسجماً بصوت عذب جداً لم أكد أصدق أنه نابع من حنجرته هو..

اتسعت عيناي دهشة:

– أهذا أنت..؟؟

انتهى من أغنيته بهمهمة هادئة، ومن عزفه بدقّة ناعمة أخيرة، ثم فتح عينيه نحوي وأنزل الجيتار من على حِجْره ووضعه جانباً، ثم ابتسم قائلاً:

– مرحباً يا زعيم، لم يطل غيابك هذه المرة.

نهضتُ واقفاً، ومندهشاً قلت:

– أهذا.. صوتك..؟؟

* نعم.. هل يعجبك؟

– نعم.. وهو ما يدهشني! لم أعتقد يوماً أنك مغنِ أو عازف بارع! كنتُ أظنك..

* محارباً وحسب، صحيح..؟

ثم التقط الجيتار من طرفه الأطول فأداره في الهواء بخفة رغم ثقله، ثم استند عليه قائلاً في سخرية:

– دائماً ما تنسى وأضطر أنا لأن أذكرك دائماً.. أنا ما تريدني أنت يا زعيم ليس إلّا.. أنا أحلامك وأمانيك التي لا –وربما لن- تستطيع تحقيقها.. أكون محارباً حين تتمنى أنت أن تكون محارباً قوياً فتعجز.. أكون حالماً رقيقاً صريح المشاعر في الوقت ذاته حين تعجز أنت عن البوح بمشاعرك.. أنا أنت، غير أني عكسك..! أنا ظلّك والظل يتخذ شكل صاحبه لكنه ليس مثله بالطبع..!

* إذاً أنت منذ قليل كنتَ تبوح بالمشاعر التي أخفيتها زمناً طويلاً؟

– بالطبع.. لكني أبداً لن أستطيع أن أقولها لمن نحبّ أنا وأنت.. إلا بإذنك طبعاً يا زعيم!

* "نحبّ" ؟؟

– بالطبع.. أنا وأنت نشترك في حب العديد من الأشياء والأشخاص لكن موقفانا منها يختلف.. طبعاً هناك أشياء وأشخاص أكرهها أنا وتحبها أنت.. ويا للمصادفة، نحن الاثنان نحب نفس الإنسانة..!

 

سرت في نفسي موجة من ألم الحنين حين دار حديثنا حول محور الحب.. أبداً لم أنسَ –وبالطبع لم ينسَ هو- تلك التي أحببتها حقاً يوماً ما ثم انتهى الأمر إلى أجل غير مسمى، لأسباب لم أشأ أن أتذكرها..

وجدتُ ألماً واضحاً على ملامحه فتساءلت:

-ما بك؟

* شعورك هذا بالحنين يؤلمني أكثر مما يؤلمك يا هذا! تناساه حالاً!

احترتُ إذ طلب مني هذا إذ لم أعرف كيف تناساه، فبادر هو:

– فلنكن عمليْين ونبدأ بما جئتَ من أجله.

* هذا أفضل.. أيّ شعور تقترحه للمواجهة هذه المرة؟

تحوّل الألم في ملامحه إلى ما بدا أنه تفكير عميق، ثم نظر إليّ مجدداً:

– لا أدري.. اختر أنت.

* ما رأيكُ في "الإيمان"؟ كان ذلك اقتراح "الخوف" فيما مضى.

– لا.. دع هذا لما بعد، سيكون الحديث طويلاً فعلاً والأفضل أن تأتي له مستعداً، وأنت لستَ كذلك الآن.. اختر أنت ما تريد، هذه نفسك أنت لا نفسي!

صمت مفكراً.. احترتُ إذ أفكر فيما أواجه هذه المرة.. واجهتُ خوفي المرة الماضية فلم يعد هناك من شعور معين قد أختار مواجهته بعد أن انتفى خوفي من أي مواجهة تالية.. لذا:

– اختر أنتَ شعوري المفضل لديك.

تهلل وجهه فجأة وظهرت أسنانه البيضاء في ابتسامة عريضة جداً، هاتفاً:

– حقاً؟؟ أنت واثق مما تقول؟

قلقتُ للحظة إذ رأيت فرحته المفاجئة فتساءلت في شك:

– نعم.. ولكن علامَ كل هذه السعادة؟

* لا شئ.. فقط أفتقد رؤية ذلك العزيز!

– أيّ عزيز؟

– سترى حالاً!

 

ثم ودون إنذار اندفع نحوي فتراجعت بضع خطوات وكدتُ أهتف بشئ ما، لولا أن سبقني فضربني بكفه المفرود تماماً على منتصف صدري فشهقت:

– ما الـ..

* اصمت!

ثم تراجع للخلف في سرعة ساحباً في يده شيئاً ما.. نفس الألم الحارق يتفجر في صدري بينما يده العنيفة مستمرة في سحب ذلك الشئ.. لم يطل الأمر حيث انفصل الشئ عني كلية في ثوانٍ قبل أن يتراجع به (الوطواط) ثم يقذفه على الأرض في عنف كعادته ويثب خطوة للخلف مفسحاً المجال لحدوث شئ ما..

لم أندهش حين تحسستُ صدري موضع الانتزاع فلم أجد ألماً، وإنما اندهشت من الشئ المُلقى أمامي لتوّه:

كتلة حمراء بلون اللهب، كثيفة لزجة جداً كالعجين، لا تتوقف عن حركة مستمرة جشعة عنيفة كأنما تناضل من أجل شئ ما.. كأنما تناضل من أجل.. أن تتخذ شكلاً بشرياً..!

هتفت:

– ما هذا؟؟

لم يجبني (الوطواط) وإنما أشار إليّ بذقنه أن أنظر إلى الكتلة مجدداً فنظرت، فإذا بها –لعجبي- اتخذت بالفعل قامة بشرية ذات طول وعرض وأطراف ورأس.. وملامح ساخرة لأقصى حد!!

كان الشئ قد فتح عينيه بالفعل ولم يبدَ ملامح دهشة لتجسده المفاجئ، وإنما انشقّ وجهه عن ابتسامة ساخرة عريضة واتسعت عيناه في شبه جنون.. فوجئت بـ(الوطواط)، جانبي الآخر يهتف:

– لشدّ ما افتقدتك يا أعز زميل!

التفت الشئ نحوه فاتسعت ابتسامته وهتف بلهجة مستفزة:

– صديقي!

ثم اندفعا ليتصافحا في حرارة ويتساءلا عن حال بعضهما كأي صديقين قديمين فلجأت إلى الصمت بضع ثوانٍ، ثم تنحنحت في سخرية:

– آسف لمقاطعة لقاء لمّ الشمل الحميم هذا، لكن ألا تعرفّني بصديقك يا (وطواط)؟

التفتا نحوي معاً وفي عينيْ الشئ نظرة استنكار، بينما ضحك جانبي الآخر قائلاً:

– أوه! اعذرني لسوء أدبي يا زعيم، نسيت أن أعرفك: "الغضب"!

رفعت حاجب دهشة:

– "الغضب"؟ هذا أنت؟؟

ابتسم "الغضب" وهتف ساخراً:

– هذا أنا! ظننتُك ستعرفني من النظرة الأولى يا زعيم!

* لا تنادني بهذا الاسم! ثم منذ متى وأنتما تعرفان بعضكما؟

أجاب جانبي الآخر عنه:

– منذُ ولدتُ أنا يا زعيم!

* ماذا تعني؟؟

أجاب:

– أعني ما قلت! حينما ولدتُ لم يكن هناك من يسمح لي بالسيطرة على الجسد –قبل أن تنتزعها أنت- غير هذا العزيز! كان هو مفتاحي السحري لحكم الجسد، وقريني ورفيق دربي وعوني الوحيد في هذه المهمة.

 

صمتُّ في غيظ، ثم وجهتُ حديثي إلى "الغضب":

– أصحيح ما يقول يا هذا؟

رفع رأسه في تعالٍ أغاظني أكثر:

– طبعاً. أنا وهو صرنا قرينين لا نفترق، حتى بعد انتزاعك ملكية الجسد يا زعيم. أنا –بشكل ما- سبب في ولادته ووجوده.. هو تشكّل من الضغط السلبي عليك أنت.. من توترك وكبتك ورغباتك الدفينة التي عجزتَ وتعجز عن تنفيذها، ومن الصورة المثالية للبطل التي تحملها في ذهنك دائماً.. كانت تلك الصورة هي هيكله العظمي، وتوترك وكبتك ورغباتك هما لحمه ودمه وعقله.

وأنا سبب في هذا التوتر.. أنا والتوتر متلازمان دائماً، فإن شعرتَ بالتوتر أظهر أنا أحياناً، وإن شعرتَ بي أنا يأتي التوتر ولا يغادرك بسهولة.. هكذا ترى أني سبب غير مباشر في ولادته، أعني جانبك الآخر، ذلك الذي تدعوه (الوطواط).

 

لم أقدّم جواباً والتفتُّ إلى (الوطواط) فوجدته متربعاً على الأرض كعادته بلا مبالاة، مشيراً إليّ أن أتابع حديثي مع "الغضب"..

 

نظرتُ إلى "الغضب" الذي بادرني بالسؤال:

– والآن، لِمَ جعلته يستدعيني إلى هنا؟ ماذا تريد أن تقول؟

أشحتُ بوجهي ولم أجب، لكنه اقترب مني ونظر في عينيّ بإصرار وعلى وجهه ذات الابتسامة المستفزة:

– هيا قل.. قل أنك تكرهني.. صحيح؟؟ أنت تكرهني!

انفجرتُ فيه:

– نعم أكرهك! أنت شعور بغيض! حين أشعر بك أصير أهوج لا أدري ما أفعل وربما أؤذي من حولي، ثم أشعر بالندم بعدها..! لطالما بغضني العديدون لأنني عصبي سريع الغضب! أنت السبب!!

جلجلت ضحكته الساخرة فدفعته بعيداً عني غاضباً، فهتف:

– هيه يا زعيم! ما زال بداخلك بعض مني! أرجع إليّ هذا البعض قبل أن أجيبك!

لم أفهم قصده تماماً في البداية، ثم بدأتُ أشعر بما عناه..

 

بالفعل، ما يزال بداخلي بعض منه.. ما أزال غاضباً وما أزال أحمل داخلي بعض الكراهة والتوتر من ناحيته.. هكذا وضعتُ كفي على صدري وركّزتُ لثوانٍ.. هكذا عرفتُ مكان الأجزاء، وفي لحظة انتزعتها من صدري كما فعل (الوطواط) قبل دقائق فخرجت في يدي حمراء لزجة تتلاعب في شراهة، فقذفتها إلى "الغضب" الذي التقطها في شغف، ثم دمجها مع جسده اللزج فاندمجت واختفت داخله..

ثم بدأ حديثه:

– الآن نستطيع أن نتحدث بهدوء..

ألا فلتعلم يا زعيم أن هذه ليست مشكلتي أنا! أنا مجرد شعور داخلك أنت.. أنا جزء منك وأنت سيدي.. حين يحدث ما يستفزك أو يغيظك أقوم بواجبي ليس إلّا.. وواجبي هو أن أجعلك تغضب، تتعصّب وتتشنج وتتخذ رد فعل عنيف نحو مصدر استفزازك.. أنا أقوم بواجبي فقط، والباقي عليك أنت!

* عليّ أنا؟؟

– بالطبع.. أنت المشكلة لا أنا.. أنت لا تسيطر عليّ كما يجب، تدعني –حين يحدث ما يستدعي ظهوري- مصدر قوتك الوحيد، فتغضب وتثور.. تكتسب قوة هائلة لفترة طالت أو قصرت، فتجعلها سلاحاً تحطّم به أي شئ إلا مصدر ثورتك!

أنت المشكلة لا أنا! أنت الفارس وأنا الحصان وليس العكس، لكنك تنسى هذا دائماً.. دائماً تجعلني أسودك أنا، ثم تعود فتندم على ما فعلت وتلقي باللائمة عليّ! حين تشعر بي أفعل ما يجب عليّ فعله فقط، لكنك لا تسيطر فأجد المكان خالياً، فيسيطر (الوطواط)، جانبك الآخر بمساعدة مني أنا.. فقط لأنه استطاع الاستفادة مني والسيطرة عليّ لما يريد هو..

 

ثم التفت إليه قائلاً بابتسامة:

– والحقّ أنني وهو متوافقان كثيراً، وأنا أرضى به سيّداً عنك أنت.. يا زعيم!

هتفتُ معترضاً:

– ولكني..

* سيد هذا الجسد؟؟ صحيح، لكنك لم تكن تحسن السيطرة فيما مضى..! وما زلتَ لا تحسن السيطرة عليّ أنا، وفي الحقيقة لا أستطيع أن أكون حراً تماماً فطبيعتي أن أكون مسوداً لا سيّداً، لذا أجد (الوطواط) سيداً أفضل بكثير!

لم أجب.. للأسف، هو على حق تماماً.. لا أحسن السيطرة عليه على الإطلاق.. أغضب لأتفه الأسباب فلا أتمكن من السيطرة على غضبي مطلقاً.. عصبي عديم الصبر لا يحسن السيطرة على غضبه.. هكذا أنا.. لكن:

– لكني سيد هذا الجسد شئتما أو رفضتما.. هو لا يعدو أن يكون ظلي وجانبي الآخر.. ألا تفهم هذا؟؟

* بالطبع أفهم تماماً.. لكنك لا تحسن السيطرة..! هذه مشكلتك!

– وما الحل في رأيك؟

صمت "الغضب" للحظات، ثم قال أخيراً:

– فلتعلم يا زعيم أنني ضد "العقل".. "العقل" هو ضدّي وخصمي الأساسي، نتبادل الأدوار عليك دائماً، من ينتصر فينا يكون هو محركك الأساسي.. لذا..

* إن أحكمتُ السيطرة على "العقل" سأتمكن من السيطرة عليك..؟

لم يجب فوراً:

– نعم..! "العقل" هو خصمي ولجامي الذي في يدك.. إن أمسكت اللجام كما يجب سأكون طوع أمرك، وإن تركته سألقيك من على ظهري وربما رفستك أو دهستك.. فتذكر!

* نعم.. ولكن..

– تريدُ القضاء عليّ وقتلي تماماً، لا مجرّد السيطرة عليّ.. صحيح؟؟

* صحيح!

 

أطلق فجأة ضحكة ساخرة مدوية لم أندهش لها كثيراً قدر ما اندهشت لما قال:

– إذاً حاول أن تفعل! لكنك أبداً لن تستطيع! أتعرف لماذا؟؟ لأنني جزء منك أيها السيد الأحمق! لن يمكنك قتلي بهذه السهولة إلا لو تمكنتَ من قطع يدك دون أن تصرخ ألماً وتتأثر بقية حياتك!

فلتعلم يا زعيم أن فكرة القضاء عليّ أو على أيّ من مشاعرك فكرة ساذجة الأفضل أن تنساها.. تذكر مبدأ المقايضة المساوية الذي تؤمن به: حتى تحصل على شئ يجب أن تدفع ثمناً مساوياً له.. قضاؤك عليّ سيجعلك بارداً متبلداً لا تتعصب لأي شئ ولا تحاول الدفاع عن أي شئ حتى أعز من تحب وحتى وطنك ودينك وأفكارك! تحولك إلى كائن متبلد ثمنه قتلي أنا..

أنت فهمتني خطأ تماماً يا زعيم.. أنا لستُ شريراً وغداً يتسلى بك.. أنا مجرد خادم، حصان في يدك.. غير أني حصان جامح أكره السيّد الضعيف وأحب الأسياد الأقوياء..

إن استعملتَ "العقل" وربما "الإيمان" كلجام لي ستعرف تماماً ما عليك فعله.. وجهني، اجعلني عوناً لك لأحمي ما ومن تحب، أياً كان.. أنا قوتك وأنت سيدي لا العكس.. افهم هذا جيداً وإياك أن تنساه، حينها أعدك أن أقرضك قوتي كلها وأدعك تقودني، وإلا ربما أدهسك المرة القادمة..!

 

 

حلّ عليّ الوجوم إذ سمعت وابل الكلام ذاك فصمتّ تماماً وتربعتُ جالساً على الأرض أفكّر.. كان محقاً في كل كلمة قالها.. نادراً ما استخدمته في أي غرض مما قال.. دائماً كنتُ أدعه يحكمني ولا أحاول أنا حكمه.. دائماً أنسى أنني السيد وهو خادمي.. لكن الآن ربما سأتذكر في المرة القادمة فصاعداً..

لكن، لسبب ما شعرتُ أن هناك حلقة ناقصة في الأمر كله.. لذا:

– بالمناسبة.. لماذا تقول لي هذا كله؟ أنت أخبرتني بنقطة ضعفك بنفسك! حتى (الوطواط) لم يكن ليفعل هذا!

ابتسم (الوطواط) ساخراً ولم يعلّق، بينما أجاب "الغضب" مبتسماً بعد برهة صمت:

– (الوطواط) ليس مثلي.. أنا بحاجة لسيّد دائماً ولستُ ذا إرادة حرة تماماً، على عكسه.. هو يملك إرادة حرة أكثر مني حتى وإن كان مقيداً بك.. والدليل أنه كان يسيطر على الجسد كثيراً فيما مضى.

أما لماذا أخبرتك بنقطة ضعفي.. فلا أدري..! ربما أرى فيك ملامح سيّد أفضل من (الوطواط).. هو سيّد متسلّط نوعاً ما ويستخدمني كثيراً، وهو ما قد يؤدي لانهيار الجسد تحت وطأة قوتي.. أنت صاحب الجسد ومالكه على كل حال، وأنا شعور منتزع منك أنت لا منه، وربما أنت الأولى بأن تحكمني..

ثم مدّ يده لي فأنهضني من الأرض، متابعاً:

– لا أملك سوى أن أثق بك في الواقع.. لكن لديك فرصة واحدة أخيرة.. استعمل الألجمة في يدك كما يجب واستعمل قوتي استعمالاً صحيحاً.. أرى أن تلتقي بـ"العقل" و"الإيمان" لاحقاً فربما تجد حلاً كاملاً.. ولا تحاول أن تقتلني أو تغتالني، فحينها سأموت تاركاً خلفي سيّداً متبلداً بلا إحساس..! تذكر هذا كله حين تشعر بي المرة القادمة.. فإن نسيت فأدهسك فأقضي عليك حقاً، وحينها سيسيطر هو! أهذا ما تريده؟؟

هتفت:

– بالطبع لا!

 

تراجع إلى الخلف خطوتين، ثم التفتَ إلى (الوطواط) هاتفاً:

 – كان لقاءً قصيراً يا صديق.. آسف، مضطر للعودة الآن.

* لا بأس يا عزيزي، سيكون لنا لقاءٌ آخر بالتأكيد.. بعد أن أستعيد حكم الجسد مجدداً!

صحتُ به:

– ذلك بعيد عن أحلامك يا هذا!

ابتسم "الغضب" ولم يعلّق، ثم وثب نحوي فعاد إلى النقطة التي خرج منها من صدري مندمجاً مع جسدي، حتى تلاشى داخله تماماً، فتحسستُ مكان الاندماج بابتسامة..

ثم التفتُّ نحو (الوطواط)، متسائلاً في حذر:

– ما رأيك هذه المرة؟

خطا إلى حيث كان جالساً حين وصلت فاعتلى المقعد وجلس محتضناً الجيتار من جديد، ثم قال في هدوء غريب:

– لا بأس.. لكن لم أشعر بقوتك هذه المرة كما كان الأمر مع "الخوف".. شعرتُ كأنك طالب فاشل يتلقى درساً قاسياً من معلمه!

ابتلعتُ الإهانة الواضحة، مجيباً:

– لا بأس.. إنما آتي إلى هنا وأفعل ما أفعل من أجل أن أتعلم.. ألا ترى هذا معي؟

بدأ يدقّ بأصابعه على الأوتار دقاً رفيقاً كأنما يسخنها، ثم أجاب بنفس النبرة الهادئة:

– نعم.. ربما أنت محق.. والآن..

* حسناً، سأرحل من هنا وأدعك مع جيتارك!

أغمض عينيه وابتسم بينما أصابعه تتسارع:

– ليس جيتاري وحدي.. هو جيتارك أيضاً وأنا أعزف الآن فقط!

هززتُ رأسي موافقاً، ثم أدرتُ ظهري وبدأتُ أبتعد، بينما عاد صوته وصوت أوتاره يمتزج ويتردد مجدداً:

 

" أنا متعب، أنا ضعيف، لكني قويّ لأجلك..

أتمنى لو أعودُ لوطني، لكنّ حبي يدفعني لكي أمضي.."

 

ابتسمتُ إذ سمعتُ هذا المقطع، متذكراً تلك التي وددتُ لو استطعت أن أقوله لها.. بشجاعة أكثر..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution