الدقّ على أبواب الذات..! (المواجهة الأولى: الخوف)

الدقّ على أبواب الذات..!

المواجهة الأولى: الخوف

SM1007B

 

ظلام دامس كظلام ما قبل الوجود.. أصوات متضاربة مختلفة كلها عنيفة.. صوت معدن حاد يشقّ الهواء ثم الكثير من اللحم والعظم، صرخات ألم رهيبة، دماء ترتطم بالأرض بعنف ثم اصطدام أجساد ثقيلة بالأرض..

مزيج الأصوات ذاك أجبرني على أن أفتح عينيّ وأعتدل في مكاني على الأرض بعد إغماءة قصيرة..

إنه.. عالمي الداخلي، مرة أخرى..! حيث أتيتُ سابقاً في محاولة لحسم موقف ما بيني وبين الجانب الآخر من نفسي،  والذي أنا فيه اليوم لغرض مختلف قليلاً.. لا أدري كيف أغمي عليّ حين وصلت، لكن لا يهم.. صُدِمتُ حين رأيت المشهد الدائر أمامي:

معركة دامية..! عشرات الأشخاص يهاجمون شخصاً ما فتتطاير أجسادهم أو رؤوسهم أو بعض أطرافهم غارقة في شلالات من الدماء.. وفي منتصف الدائرة الدامية ذلك الذي يمزّق هؤلاء جميعاً بسيف طويل حاد وبضمير ميت.. طعن وضرب وتمزيق مستمر كالأبدية.. لم أتبيّن وجهه تماماً إلا بعد أن انتهت المجزرة.. نفس الملامح الصلبة العنيدة والقناع الأسود النصفي والجسد المتشح بالسواد: جانبي الآخر..!

كان يلهث بشدة، مغطى بدماء ضحاياه، الدماء نفسها التي تتقاطر من طرف سيفه في يمناه.. طوّح بالسيف في قوة لينثر عنه الدماء العالقة، ثم أسند سيفه إلى كتفه في ثقة والتفت نحوي مبتسماً:

– أوه! مرحباً يا زعيم! آسف، لم أنتبه لمجيئك ولم أجد وقتاً لتنظيف هذه الفوضى.

* فوضى؟! هذه مجزرة!! من هؤلاء وما فعلت بهم؟!

ثم نظرتُ بامتعاض:

– وما "زعيم" هذه؟؟ لا أجد لسانك لائقاً لأن ينطق كلمة كهذه!

ساخراً:

– هه! ألستَ من انتزع زمام هذا الجسد قبل زمن؟ إذاً أنت تستحق لقب الزعامة..!

لم يقلها بصدق أو تهذيب فلم أرد.. ثم ألقيتُ نظرة متقززة على الأشلاء المتناثرة وكررت سؤالي بهتاف:

-لم تقل لي من هؤلاء! وما هذا الذي فعلته بهم؟

* ولِم كل هذا التأثر..؟ أنت من طلب مني فعل هذا!

– أنا؟!

* نعم! هل نسيت؟ أنا جانبك الآخر.. أنا أنت، غير أنني عكسك! أنا الشخص الذي تتمنى (أو كنت تتمنى) أن تكون! هؤلاء هم مشاكلك والعقبات التي تواجهك، حينما تعجز عن حلها تلجأ لطلب العون مني فأقضي عليهم من أجلك، ولكن داخل حدود هذا العالم فقط لا في الواقع! كما تعلم، لستُ أملك زمام الجسد ولا أستطيع فعل شئ إلا بأمرك أنت.. يا زعيم!

 

ثم إنه دهس إحدى الرؤوس المقطوعة بقدمه فتلاشى في لحظة سابقاً الأجساد المتناثرة التي بدأت تخفت وتختفي بالتدريج.. ألقى بسيفه جانباً ثم تربّع جالساً أرضاً في استرخاء كامل، ورسم ذات الابتسامة الساخرة على وجهه:

– والآن.. لِمَ أتيتَ اليوم؟ هل قررتَ التنازل عن الملكية أخيراً؟

* كفاك سخفاً يا هذا! تعلم جيداً لِمَ أتيتُ اليوم!

أطلق همهمة عالية ثم قال:

– بالطبع أعلم.. لكني أراه غرضاً غريباً بعض الشئ.. تريد أن.. تفهم نفسك أكثر؟

همهمت موافقاً، فقال متعجباً:

– ولِمَ أتيتَ إليّ؟ الأجدر بك أن تحاول هذا بنفسك.. أنت أنت وأنا أنا ولا شأن لي بك.

* على العكس.. أنت جزء من كيان كامل نشكله أنا وأنت.. نحن نكمل بعضنا، أنت ظلي وجزء مني ونتشارك جسداً واحداً ومصيراً واحداً، فلا أقل من أن أستشيرك..

ثم قطّبت جبيني:

– مضطراً للأسف!

ابتسم كأنما شامتاً، ثم قال:

– لا بأس إذاً، طالما الأمر يتعلق بالمصير.. لا أريد أن أزول معك بحماقة ترتكبها أنت وحدك! كيف تريد أن تفهم نفسك أيها العبقري؟

لم أقّدم جواباً فوراً، وإنما صمتُّ بعض الوقت، ثم قلت:

– ما رأيك في مواجهة؟

* ضد من؟ ومن أي نوع؟

– ما أريد أن أواجه هو بعض المشاعر والأفكار داخلي.. بعض هذه الأشياء لا أستطيع مواجهتها وحدي كما يجب، فأجدني أهرب من المواجهة مرغماً أو لا أجد لها وقتاً من الأساس.. لذا أريدك أنت أن تختار شعوراً أو فكرة ما لتضعني في مواجهتها، وتكون أنت الرقيب على المواجهة..!

* همممم.. تشرفني ثقتك يا زعيم!

– ليست ثقة.. لنقل أنني أستعملك..! أعلم أنك ستطيعني، وأعلم كذلك أنك حازم ولا تسمح بحدوث الخطأ ولا تتهاون، لذا أنت المرشح الأفضل لهذه المهمة.

همهم قليلاً، ثم ابتسم قائلاً:

– لا مانع.. بشرط أن تمنحني مكافأتي بالطبع، لستُ مثلك أقدم الخدمات بلا مقابل!

* وماذا تريد؟

– زمام الجسد لبعض الوقت.. لا أكثر!

* لا! لن أدعه لك مطلقاً.. فقط سأمزج قواك مع قواي وأجعلك تبرز على السطح بعض الوقت مجرداً من بعض قوتك، تحت إشرافي.. أيناسبك هذا؟

نهض من جلسته المسترخية مجيباً:

– لا بأس، هذا سيفي بالغرض في الوقت الحالي على الأقل..! بالمناسبة، لِمَ لم تجعل هذا الوضع دائماً؟

* أي وضع؟

– اتحاد قوانا هذا! في تلك اللحظات القليلة التي كنا فيها نسيّر الجسد معاً كنا نكتسب قوة هائلة مميزة، قوتي مع حكمتك وعقلك كانا يكونان فريقاً ممتازاً يجعل المستحيل ممكناً، لكنك لسبب ما تفصل الاتحاد بعد قليل.. فلماذا؟

* نحن روحان في جسد واحد يا هذا.. لا يمكن أن يستمر حكم روحين لجسد واحد طويلاً، فإما أنا أو أنت وإلا سينهار الجسد بنا معاً.. اتحادنا قوة نعم، لكن استمراره طويلاً قاتل.. ثم أنني بدأتُ بالفعل أصير أقوى بنفسي ومن دون مساعدة منك في كثير من الأحيان..!

– لا حاجة لك بي إذاً، هه؟

* ليس بالضبط.. طبيعة هذا الكيان تحتم وجودنا معاً بشكل ما.. لن يختفي أحدنا وإن كانت السيطرة في يد واحد منا.. فهمت؟

– هذا مسلٍ جداً! نِعمتْ من مكافأة إذاً! صفقة ذكية وأنا موافق.. السيطرة وإن قلت وقصرت لها متعة خاصة على أي حال!

فجأة وجدته أمامي مباشرة فأجفلت، ووجدتُ كفه قابضاً على جبهتي بقوة ووجهه المقنع أمام وجهي ينفث أنفاساً حارة فهتفت فزعاً:

– ماذا تفعل أيها الـ..؟!

* راقب في صمت!

ثم أبعد يده عن جبهتي بحركة مفاجئة قوية فاشتعل ألم قوي في جبهتي كأنما شئ ما ينتزع منها.. وحين نظرتُ وجدته فعلاً ينتزع شيئاً.. كياناً شفافاً شبه هلامي ينسحب من رأسي في يد جانبي الآخر.. استمر الألم المحرق والانتزاع بضع ثوانٍ قبل أن ينفصل الكيان الشفاف عني تماماً ويلقيه جانبي الآخر أرضاً في عنف ثم يتراجع إلى الخلف في رشاقة..

اندهشتُ حين تحسستُ جبهتي فوجدتها سليمة لم تُجرَح، ثم تأملتُ ذلك الشئ الملقى على الأرض..

كانت كتلة هلامية شفافة تتحرّك في تموجات غريبة كالماء إلا أنها متماسكة لا تفقد من كتلتها شيئاً، فقط تتموّج محاولة اتخاذ شكل ما.. سألت جانبي الآخر الذي كان قد استعاد سيفه ويلوّح به في الهواء كاستعراض قوة:

– ماذا فعلت؟ ما هذا؟

* هذا شعور الخوف..! انتزعته من داخلك وحولّته إلى هذا الشكل المادي.. سرعان ما سيتخذ شكلاً بشرياً فتستطيع تبادل الحديث معه كما تشاء.. هذا ممكن هنا فقط طبعاً ولمدة محدودة، فأسرع.

ثم أشار بالسيف نحوي:

– وهذا سيكون عقابك إن حاولت الهرب قبل نهاية المحادثة..! حينها ستكون المكافأة كلها لي، تفهم ما أعنيه طبعاً..!

 

لم أجب، أعدت النظر إلى ذلك الشئ الذي بدأ يستطيل حتى صار في طولي تقريباً، ثم نما له رأس انشقت فيه ملامح، ثم برز ذراعان ويدان وساقان وقدمان.. باختصار: تشكل أمامي مخلوق شبه بشري شفاف.

تأملني الشئ بنظرة باردة فارتجفت.. قال لي بنبرة ثابتة:

– ماذا تريد؟

صمتُّ للحظة لا أدري خوفاً أم تردداً، وقبل أن أجيب بادر جانبي الآخر:

– لا شئ سيئ أيها "الخوف".. فقط يريد تبادل الحديث معك، فهل تسمح؟

التفت "الخوف" نحوه ثم عاد فالتفت إليّ، وبعد برهة صمت قال:

– تبادل الحديث؟ لا بأس.. لكن..

ثم اقترب مني فجأة متابعاً:

– لماذا هنا والآن؟ أنا داخلك منذ عشرين عاماً لم تفكر خلالها في تبادل حديث حقيقي معي أبداً، وكنتَ تهرب من الحديث قبل حتى أن يبدأ..! ما الذي جدّ الآن؟

أجبت:

– قلتها بنفسك.. أنت داخلي منذ عشرين عاماً، وقريباً جداً ربما سأضطر لأن أواجه الحياة وحدي تماماً، لذا يجب أن أتعرف على نفسي أكثر.. أفهم مشاعري وأفكاري بشكل أفضل.. بكلمة أخرى: أريد أن أعرف أسلحتي في المعركة وكيف أقاتل بها.. وأنت جزء من مشاعري وربما أنت الأولى بأن أتعرف عليك أولاً.. لا أكثر.

* ولماذا هنا؟

– حتى نستطيع إكمال حديثنا كما نشاء.. سيكون جانبي الآخر رقيباً علينا ها هنا ولن يجعلني أهرب من المواجهة ككل مرة.

همهم، ثم قال:

– لا بأس إذاً.. طالما سنتحدث فلا تهم تفاصيل كهذه.. ماذا تريد أن تعرف يا فتى؟

* ما أنت؟ ما سبب وجودك؟

– تعرفني جيداً ولطالما شعرتَ بي.. أنا "الخوف"، خوفك، أنا الشعور الذي يسبب لك تلك الرجفة الباردة في أوصالك حين تواجه ما قد يسبب لك خطراً ما.. أنا –بطريقة ما- أوفر لك الحماية والنجاة.. أنا –كما يسمونني- شعور إيجابي.

اندهشت للجملة الأخيرة:

– إيجابي؟ كيف وأنت شعور مكروه؟؟ لا أحد يجد راحة حين يشعر بك وإنما فقط القلق والتوتر.. الكل يتمنى لو يستطيع الهرب من سيطرتك ليعيشوا في أمان. لطالما كنتَ شعوراً مذموماً عند من سبقونا من الأجداد، وحتى من أهلي.. لطالما عابوا عليّ أن أشعر بك فيدفعونني دفعاً لفعل ما أخاف! كيف تكون إيجابياً مع كل ذلك؟

 

ظهرت في وجهه الهلامي ابتسامة لم أدرِ طبيعتها بالضبط، ثم قال:

– لم تفهم طبيعة الأمور إذاً.. هناك فرق بيني وبين الجُبْن يا فتى!

* ماذا تعني؟

– أنا أحميك.. حين يهوي عليك حجر من ارتفاع عالٍ أكون أنا من يدفعك لتثب جانباً متفادياً إياه فلا تموت.. حين تضع هاتفك النقال في جيبك أكون أنا من يحرّك يدك لتفعل، حتى لا يُسرق منك الهاتف.. حين تذهب لموعد مهم أكون أنا من يوقظك قبل الموعد بساعتين لتستعد لحضوره كما يجب..

لكن الجبن أمر آخر.. الجبن أن تخاف مما لا يسبب لك خطراً حقيقياً، أو أن تخاف من شئ مجهول لم تجربه بعد.. الجبن أن تمتلك ما يؤهلك لصد الخطر عن نفسك ثم تتراجع معللاً ذلك بخوفك.. آسف، أنا برئ من هذا كله يا فتى..! الجبن هو ما انتقده وينتقده الناس، لا أنا.

* وما الحل في رأيك؟ كيف أتخلص من هذا؟

– بسيطة.. برئني منها! حين تواجه مالا يسبب لك خطراً حقيقياً أو تخاف مما لا تعرف، تذكر أن هذا ليس خوفاً وإنما جُبن.. سترى الأمور بمنظار أفضل وربما ستكتسب شجاعة أكبر.. حين تواجه مالا تعرف اقتحمه وحسب، فإن رأيت فيه خطراً حقيقياً سأكون أنا كفيلاً بمساعدتك على النجاة ولك كلمتي في هذا.

لكن انتبه.. ليس الأمر هكذا دائماً.. ليست كل مرة تشعر فيها بي يكون الخطر حقيقياً..!

* ماذا تعني؟

صمت "الخوف" مفكراً، ثم أجاب:

– سأخبرك.. يفترض بي أن أكون شعوراً يدفعك لفعل شئ ما لدفع الخطر، لكنك أحياناً كثيرة لا تفعل، بل أجدك تستسلم لي تماماً وأحياناً تصل إلى هوّة فقدان نفسك أمامي..!

أنت تخاف من الفشل.. ما أعلمه هو أن شعورك بي في هذه الحالة يُفترض أن يجعلك تعمل جاداً من أجل النجاح، لكنك بدلاً من ذلك تجلس مكانك لا تفعل شيئاً وتتحجج بي أنا!

 

ثم، في رفق، اقترب مني ووضع كفيه على كتفيّ مجلساً إياي أرضاً، ثم ترّبع جالساً أمامي وسألني في هدوء:

– الآن دوري لأسألك: ما سبب وجودك؟

هنا تردد صوت جانبي الآخر ساخراً:

– كي أستولي على جسده وأمتلكه أنا!

هتفتُ به أن يخرس ويكتفي بالمراقبة، ثم أعدت النظر إلى "الخوف" وأجبت حازماً:

– كي أعبد الله عملاً وشعائر.. خُلِقت لأعبده ولأجعل صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي له وحده.. هو خلقني فلا أقل من أجعل كل شئ أعمله في الحياة في سبيله وسبيل رضاه.. ولستُ ممن يقنعون بالشعائر وحدها أو بالعمل وحده كطريق لعبادة الله، هما يكملان بعضهما تماماً.. هذا هو سبب وجودي كما أراه.

*جميل جداً.. ما دُمتَ تعرف سبب وجودك فما يجعلك تخاف إذاً..؟

– ماذا تعني؟

* سأخبرك.. إيمانك الحقيقي بشئ –أي شئ- سيجعلك أقوى من أجله.. سيجعلك تحب من أجله وتكره من أجله وتقاتل وتنتصر من أجله، وسيجعلك لن تخاف من أي شئ يواجهك، سيكون خوفك الوحيد هو أن لا يتحقق ذلك الهدف أو أن تقصر في تحقيقه.. حينها سأكون فعلاً شعوراً إيجابياً يدفعك لفعل شئ ما للنجاة ولطرد شبح الفشل عنك.. سأكتسب المعنى الحقيقي لوجودي وهو حمايتك، لا شلّ حركتك كما يفعل الجبن. حياتك طريق نهايته الموت، ومهمتي في ذلك الطريق هو جعلك تتفادي الأخطار لتتابع طريقك، لا جعلك تتوقف في الطريق أو تتراجع.. فهمت؟

-نعم..لكن ماذا عن الجبن؟

* إيمانك كذلك كفيل بالقضاء عليه تماماً.. أنت مؤمن بالله ومؤمن بما تفعل في سبيله ومؤمن بأنه سيدعمك ويؤيدك طالما تعمل في سبيله ولأجله.. وهو كذلك لن يخذلك، سيمدك بما يكفي من القوة لتطرد عنك جبنك البغيض.. طالما أنت مؤمن حقاً لن تجبن عن أي شئ.. لن يضعفك فشل أو يشلّك مجهول، لن يكون خوفك سوى من ربك أو مما يغضبه أو من تقصيرك في سبيله.

 

ثم ابتسم، ونهض من جلسته فمدّ يده لي لأنهض ففعلت.. قال لي:

– أرجو فقط أن تفكّر في كلامي هذا.. لم أقل كل هذا لك إلا لأن وجود كلٍ منا مرتبط بالآخر ومصالحنا مشتركة كما تعلم، كما أنك صاحبي ولا يرضيني أن يصيبك أذى.

ابتسمتُ:

– نعم.. أعلم ذلك.

تراجع هو للخلف قليلاً ثم قال:

– بالمناسبة، أرجو أن تفكر في مواجهة مع "الإيمان".. حديثنا هذا ربما كشف لك بعض الأمور، لكن لقاءاً مع "الإيمان" أظنه سيفيدك أكثر.. هو محركك الأساسي كإنسان كما تعلم.

* سأفكر في الأمر جدياً.. شكراً لك يا صديق.

ابتسم مرة أخرى دون كلام، ثم بالتدريج بدأ يفقد تماسكه وشكله البشري فعاد إلى كتلة الهلام التي كانها، ثم بدأ ينسحب إلى حيث كان مصدره: جبهتي.. بدأ يتسرب إليها في سرعة عائداً إلى داخلي، لكن دون ألم حارق هذه المرة، حتى اندمج معي تماماً..

حينها خَفُت ترقب جانبي الآخر لمعركة محتملة فخفض سيفه وأغمده في حزامه، ثم فوجئت به يبتسم ابتسامة تبدو –لأول مرة- غير ساخرة، قائلاً:

– يا لتلك من محادثة رائعة.. لم تعد ضعيفاً كما كنت يا فتى.. ربما لم يكن لوجودي هذه المرة أي داعٍ على الإطلاق.. خضت المحادثة كاملة دون أن أشعر أنك فكرت في الهرب لحظة.

لا أخفي إعجابي.. لكن.. حالك هذا بدأ يشكل خطراً عليّ أنا يا فتى! بدأت تكتسب الكثير من صفاتي دون أن تفقد طبيعتك الأصلية ومن دون أن تجعلني أسيطر على الجسد..! تحولك هذا قد يمحوني من الوجود فعلاً حتى دون أن تدري أنا! لن يكون لوجودي أهمية فلن يكون لديك ما تخاف منه فتتمنى تحقيقه في خيالك فأقوم به أنا.. لن تكون لديك مشاكل تعجز عن حلها وحدك فأساعدك فيها، وستتمكن أنت من حل كل مشاكلك وحدك..! فكيف سأستمر في الوجود..؟!

* لا تخف يا هذا.. لن تختفي، صدقني.. قلت لك نحن جزءان من كيان واحد ولا يمكن لأحدنا أن ينفصل عن الآخر تماماً أو أن يختفي.. حتى وإن تغير دورك واكتسبتُ أنا بعض قواك أو كلها، فتكتسب أنت الصفات التي قد أفقدها أنا في ذلك الحين..! ربما أكون أنا أنت وأنت أنا، لكننا سنبقى معاً وإن اختلفت الأدوار.. سأبقى أنا صاحب الجسد وستبقى أنت ظلي مهما تغيرتُ أنا.

 

صمت مفكراً فيما قلت، ثم هز رأسه موافقاً:

– نعم.. صحيح.. أظنك على حق يا زعيم. للأسف، مصيري مرتبط بك حتى النهاية، وهو ما يكبتني فعلاً لكن لا خيار آخر أمامي.

ثم تغيرت لهجته فجأة:

– والآن، ألم ينتهِ ما أردت فعله بعد؟ هيا ارحل ودعني وحدي!

* أرحل؟ وماذا عن المشاعر الأخرى..؟

– فيما بعد.. أنت نفسك لن تحتمل شيئاً مثل هذا مدة طويلة.. عليك أن تأخذ بعض الراحة ثم تعود، هذا يجهدك أنت نفسك وتعلم هذا.. حين ستعود إلى وعيك ستشعر بالإجهاد، لذا يكفي اليوم.

هززتُ رأسي ثم قلت:

– حسناً إذاً.. بالمناسبة..

* نعم؟

– أنا لا أعرف لك اسماً حتى الآن غير "جانبي الآخر" وهو ليس اسماً لطيفاً في الواقع.. ما اسمك؟

صمت.. ثم:

– ماذا تعتقد أنت؟ تأملني قليلاً وحاول أن تتذكر مِن مَن صنعتني!

فعلت كما قال.. بالفعل، بدأتُ أتذكر ذلك الزي المميز.. زي أحد أولئك الأبطال الخارقين الذين كنتُ أفضلهم بشدة في طفولتي وحتى اليوم.. زي أسود وعضلات متينة وخفة حركة وشجاعة بلا حدود.. لذا:

– أنت (الوطواط)! صحيح؟

ابتسم:

– أحسنت يا فتى! هذا هو اسمي، وأفضل أن تناديني به لاحقاً!

* لا بأس.. بالمناسبة: مكافأتك ستحصل عليها في أقرب فرصة ممكنة، أيناسبك هذا؟

– سأحاول أنا انتزاعها بنفسي فلا تتعب نفسك!

* عدتَ إلى الكلام السخيف..!

 

استدرتُ باحثاً عن مخرج ما من هذا العالم، لألتقط بعض الأنفاس والأفكار المتلاحقة.. وربما تكون لي جولة أخرى..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s