الدقّ على أبواب الذات.. (المواجهة الثانية: الغضب)

بسم الله الرحمن الرحيم

SM1007B_thumb[3]

 

"قد سرتُ عشرة آلاف ميل، عشرة آلاف ميل كي أراك..

وكل لهيث نفس لهثته، لهثته كي أجدك..

قد تسلقتُ كل ربوة حتى أصل إليك..

قد هِمتُ ببلاد قديمة حتى أضمك أنت فقط..

وكل خطوة من الطريق سرتها، أدفعها لك.."

 

كلمات حنون تهادت إلى أذني ممتزجة بنبضات رفيقة رقيقة على وتر آلة ما.. وجدتُ نفسي على هذا المزيج الهادئ أستيقظ من إغماءتي، تلك التي لا أعرف لها سبباً إلى الآن.

فتحتُ عينيّ واعتدلتُ في جلستي ولم أحاول النهوض.. شعرتُ أني بنهوضي قد انتهك الجمال والرقة البكر التي يحملها ذلك اللحن وتلك الكلمات فاكتفيتُ بالجلوس بينما أستمع وأبحث بعينيّ عن مصدر المزيج الصوتي..

حتى وقعت عيناي على.. جانبي الآخر كالعادة..! كان مصدر الصوتيْن هو نفسه..! كان جالساً على مكان عالٍ محتضناً جيتاراً يدقّ على أوتاره بمهارة ورقّة، بينما يغنّي مغمض العينين منسجماً بصوت عذب جداً لم أكد أصدق أنه نابع من حنجرته هو..

اتسعت عيناي دهشة:

– أهذا أنت..؟؟

انتهى من أغنيته بهمهمة هادئة، ومن عزفه بدقّة ناعمة أخيرة، ثم فتح عينيه نحوي وأنزل الجيتار من على حِجْره ووضعه جانباً، ثم ابتسم قائلاً:

– مرحباً يا زعيم، لم يطل غيابك هذه المرة.

نهضتُ واقفاً، ومندهشاً قلت:

– أهذا.. صوتك..؟؟

* نعم.. هل يعجبك؟

– نعم.. وهو ما يدهشني! لم أعتقد يوماً أنك مغنِ أو عازف بارع! كنتُ أظنك..

* محارباً وحسب، صحيح..؟

ثم التقط الجيتار من طرفه الأطول فأداره في الهواء بخفة رغم ثقله، ثم استند عليه قائلاً في سخرية:

– دائماً ما تنسى وأضطر أنا لأن أذكرك دائماً.. أنا ما تريدني أنت يا زعيم ليس إلّا.. أنا أحلامك وأمانيك التي لا –وربما لن- تستطيع تحقيقها.. أكون محارباً حين تتمنى أنت أن تكون محارباً قوياً فتعجز.. أكون حالماً رقيقاً صريح المشاعر في الوقت ذاته حين تعجز أنت عن البوح بمشاعرك.. أنا أنت، غير أني عكسك..! أنا ظلّك والظل يتخذ شكل صاحبه لكنه ليس مثله بالطبع..!

* إذاً أنت منذ قليل كنتَ تبوح بالمشاعر التي أخفيتها زمناً طويلاً؟

– بالطبع.. لكني أبداً لن أستطيع أن أقولها لمن نحبّ أنا وأنت.. إلا بإذنك طبعاً يا زعيم!

* "نحبّ" ؟؟

– بالطبع.. أنا وأنت نشترك في حب العديد من الأشياء والأشخاص لكن موقفانا منها يختلف.. طبعاً هناك أشياء وأشخاص أكرهها أنا وتحبها أنت.. ويا للمصادفة، نحن الاثنان نحب نفس الإنسانة..!

 

سرت في نفسي موجة من ألم الحنين حين دار حديثنا حول محور الحب.. أبداً لم أنسَ –وبالطبع لم ينسَ هو- تلك التي أحببتها حقاً يوماً ما ثم انتهى الأمر إلى أجل غير مسمى، لأسباب لم أشأ أن أتذكرها..

وجدتُ ألماً واضحاً على ملامحه فتساءلت:

-ما بك؟

* شعورك هذا بالحنين يؤلمني أكثر مما يؤلمك يا هذا! تناساه حالاً!

احترتُ إذ طلب مني هذا إذ لم أعرف كيف تناساه، فبادر هو:

– فلنكن عمليْين ونبدأ بما جئتَ من أجله.

* هذا أفضل.. أيّ شعور تقترحه للمواجهة هذه المرة؟

تحوّل الألم في ملامحه إلى ما بدا أنه تفكير عميق، ثم نظر إليّ مجدداً:

– لا أدري.. اختر أنت.

* ما رأيكُ في "الإيمان"؟ كان ذلك اقتراح "الخوف" فيما مضى.

– لا.. دع هذا لما بعد، سيكون الحديث طويلاً فعلاً والأفضل أن تأتي له مستعداً، وأنت لستَ كذلك الآن.. اختر أنت ما تريد، هذه نفسك أنت لا نفسي!

صمت مفكراً.. احترتُ إذ أفكر فيما أواجه هذه المرة.. واجهتُ خوفي المرة الماضية فلم يعد هناك من شعور معين قد أختار مواجهته بعد أن انتفى خوفي من أي مواجهة تالية.. لذا:

– اختر أنتَ شعوري المفضل لديك.

تهلل وجهه فجأة وظهرت أسنانه البيضاء في ابتسامة عريضة جداً، هاتفاً:

– حقاً؟؟ أنت واثق مما تقول؟

قلقتُ للحظة إذ رأيت فرحته المفاجئة فتساءلت في شك:

– نعم.. ولكن علامَ كل هذه السعادة؟

* لا شئ.. فقط أفتقد رؤية ذلك العزيز!

– أيّ عزيز؟

– سترى حالاً!

 

ثم ودون إنذار اندفع نحوي فتراجعت بضع خطوات وكدتُ أهتف بشئ ما، لولا أن سبقني فضربني بكفه المفرود تماماً على منتصف صدري فشهقت:

– ما الـ..

* اصمت!

ثم تراجع للخلف في سرعة ساحباً في يده شيئاً ما.. نفس الألم الحارق يتفجر في صدري بينما يده العنيفة مستمرة في سحب ذلك الشئ.. لم يطل الأمر حيث انفصل الشئ عني كلية في ثوانٍ قبل أن يتراجع به (الوطواط) ثم يقذفه على الأرض في عنف كعادته ويثب خطوة للخلف مفسحاً المجال لحدوث شئ ما..

لم أندهش حين تحسستُ صدري موضع الانتزاع فلم أجد ألماً، وإنما اندهشت من الشئ المُلقى أمامي لتوّه:

كتلة حمراء بلون اللهب، كثيفة لزجة جداً كالعجين، لا تتوقف عن حركة مستمرة جشعة عنيفة كأنما تناضل من أجل شئ ما.. كأنما تناضل من أجل.. أن تتخذ شكلاً بشرياً..!

هتفت:

– ما هذا؟؟

لم يجبني (الوطواط) وإنما أشار إليّ بذقنه أن أنظر إلى الكتلة مجدداً فنظرت، فإذا بها –لعجبي- اتخذت بالفعل قامة بشرية ذات طول وعرض وأطراف ورأس.. وملامح ساخرة لأقصى حد!!

كان الشئ قد فتح عينيه بالفعل ولم يبدَ ملامح دهشة لتجسده المفاجئ، وإنما انشقّ وجهه عن ابتسامة ساخرة عريضة واتسعت عيناه في شبه جنون.. فوجئت بـ(الوطواط)، جانبي الآخر يهتف:

– لشدّ ما افتقدتك يا أعز زميل!

التفت الشئ نحوه فاتسعت ابتسامته وهتف بلهجة مستفزة:

– صديقي!

ثم اندفعا ليتصافحا في حرارة ويتساءلا عن حال بعضهما كأي صديقين قديمين فلجأت إلى الصمت بضع ثوانٍ، ثم تنحنحت في سخرية:

– آسف لمقاطعة لقاء لمّ الشمل الحميم هذا، لكن ألا تعرفّني بصديقك يا (وطواط)؟

التفتا نحوي معاً وفي عينيْ الشئ نظرة استنكار، بينما ضحك جانبي الآخر قائلاً:

– أوه! اعذرني لسوء أدبي يا زعيم، نسيت أن أعرفك: "الغضب"!

رفعت حاجب دهشة:

– "الغضب"؟ هذا أنت؟؟

ابتسم "الغضب" وهتف ساخراً:

– هذا أنا! ظننتُك ستعرفني من النظرة الأولى يا زعيم!

* لا تنادني بهذا الاسم! ثم منذ متى وأنتما تعرفان بعضكما؟

أجاب جانبي الآخر عنه:

– منذُ ولدتُ أنا يا زعيم!

* ماذا تعني؟؟

أجاب:

– أعني ما قلت! حينما ولدتُ لم يكن هناك من يسمح لي بالسيطرة على الجسد –قبل أن تنتزعها أنت- غير هذا العزيز! كان هو مفتاحي السحري لحكم الجسد، وقريني ورفيق دربي وعوني الوحيد في هذه المهمة.

 

صمتُّ في غيظ، ثم وجهتُ حديثي إلى "الغضب":

– أصحيح ما يقول يا هذا؟

رفع رأسه في تعالٍ أغاظني أكثر:

– طبعاً. أنا وهو صرنا قرينين لا نفترق، حتى بعد انتزاعك ملكية الجسد يا زعيم. أنا –بشكل ما- سبب في ولادته ووجوده.. هو تشكّل من الضغط السلبي عليك أنت.. من توترك وكبتك ورغباتك الدفينة التي عجزتَ وتعجز عن تنفيذها، ومن الصورة المثالية للبطل التي تحملها في ذهنك دائماً.. كانت تلك الصورة هي هيكله العظمي، وتوترك وكبتك ورغباتك هما لحمه ودمه وعقله.

وأنا سبب في هذا التوتر.. أنا والتوتر متلازمان دائماً، فإن شعرتَ بالتوتر أظهر أنا أحياناً، وإن شعرتَ بي أنا يأتي التوتر ولا يغادرك بسهولة.. هكذا ترى أني سبب غير مباشر في ولادته، أعني جانبك الآخر، ذلك الذي تدعوه (الوطواط).

 

لم أقدّم جواباً والتفتُّ إلى (الوطواط) فوجدته متربعاً على الأرض كعادته بلا مبالاة، مشيراً إليّ أن أتابع حديثي مع "الغضب"..

 

نظرتُ إلى "الغضب" الذي بادرني بالسؤال:

– والآن، لِمَ جعلته يستدعيني إلى هنا؟ ماذا تريد أن تقول؟

أشحتُ بوجهي ولم أجب، لكنه اقترب مني ونظر في عينيّ بإصرار وعلى وجهه ذات الابتسامة المستفزة:

– هيا قل.. قل أنك تكرهني.. صحيح؟؟ أنت تكرهني!

انفجرتُ فيه:

– نعم أكرهك! أنت شعور بغيض! حين أشعر بك أصير أهوج لا أدري ما أفعل وربما أؤذي من حولي، ثم أشعر بالندم بعدها..! لطالما بغضني العديدون لأنني عصبي سريع الغضب! أنت السبب!!

جلجلت ضحكته الساخرة فدفعته بعيداً عني غاضباً، فهتف:

– هيه يا زعيم! ما زال بداخلك بعض مني! أرجع إليّ هذا البعض قبل أن أجيبك!

لم أفهم قصده تماماً في البداية، ثم بدأتُ أشعر بما عناه..

 

بالفعل، ما يزال بداخلي بعض منه.. ما أزال غاضباً وما أزال أحمل داخلي بعض الكراهة والتوتر من ناحيته.. هكذا وضعتُ كفي على صدري وركّزتُ لثوانٍ.. هكذا عرفتُ مكان الأجزاء، وفي لحظة انتزعتها من صدري كما فعل (الوطواط) قبل دقائق فخرجت في يدي حمراء لزجة تتلاعب في شراهة، فقذفتها إلى "الغضب" الذي التقطها في شغف، ثم دمجها مع جسده اللزج فاندمجت واختفت داخله..

ثم بدأ حديثه:

– الآن نستطيع أن نتحدث بهدوء..

ألا فلتعلم يا زعيم أن هذه ليست مشكلتي أنا! أنا مجرد شعور داخلك أنت.. أنا جزء منك وأنت سيدي.. حين يحدث ما يستفزك أو يغيظك أقوم بواجبي ليس إلّا.. وواجبي هو أن أجعلك تغضب، تتعصّب وتتشنج وتتخذ رد فعل عنيف نحو مصدر استفزازك.. أنا أقوم بواجبي فقط، والباقي عليك أنت!

* عليّ أنا؟؟

– بالطبع.. أنت المشكلة لا أنا.. أنت لا تسيطر عليّ كما يجب، تدعني –حين يحدث ما يستدعي ظهوري- مصدر قوتك الوحيد، فتغضب وتثور.. تكتسب قوة هائلة لفترة طالت أو قصرت، فتجعلها سلاحاً تحطّم به أي شئ إلا مصدر ثورتك!

أنت المشكلة لا أنا! أنت الفارس وأنا الحصان وليس العكس، لكنك تنسى هذا دائماً.. دائماً تجعلني أسودك أنا، ثم تعود فتندم على ما فعلت وتلقي باللائمة عليّ! حين تشعر بي أفعل ما يجب عليّ فعله فقط، لكنك لا تسيطر فأجد المكان خالياً، فيسيطر (الوطواط)، جانبك الآخر بمساعدة مني أنا.. فقط لأنه استطاع الاستفادة مني والسيطرة عليّ لما يريد هو..

 

ثم التفت إليه قائلاً بابتسامة:

– والحقّ أنني وهو متوافقان كثيراً، وأنا أرضى به سيّداً عنك أنت.. يا زعيم!

هتفتُ معترضاً:

– ولكني..

* سيد هذا الجسد؟؟ صحيح، لكنك لم تكن تحسن السيطرة فيما مضى..! وما زلتَ لا تحسن السيطرة عليّ أنا، وفي الحقيقة لا أستطيع أن أكون حراً تماماً فطبيعتي أن أكون مسوداً لا سيّداً، لذا أجد (الوطواط) سيداً أفضل بكثير!

لم أجب.. للأسف، هو على حق تماماً.. لا أحسن السيطرة عليه على الإطلاق.. أغضب لأتفه الأسباب فلا أتمكن من السيطرة على غضبي مطلقاً.. عصبي عديم الصبر لا يحسن السيطرة على غضبه.. هكذا أنا.. لكن:

– لكني سيد هذا الجسد شئتما أو رفضتما.. هو لا يعدو أن يكون ظلي وجانبي الآخر.. ألا تفهم هذا؟؟

* بالطبع أفهم تماماً.. لكنك لا تحسن السيطرة..! هذه مشكلتك!

– وما الحل في رأيك؟

صمت "الغضب" للحظات، ثم قال أخيراً:

– فلتعلم يا زعيم أنني ضد "العقل".. "العقل" هو ضدّي وخصمي الأساسي، نتبادل الأدوار عليك دائماً، من ينتصر فينا يكون هو محركك الأساسي.. لذا..

* إن أحكمتُ السيطرة على "العقل" سأتمكن من السيطرة عليك..؟

لم يجب فوراً:

– نعم..! "العقل" هو خصمي ولجامي الذي في يدك.. إن أمسكت اللجام كما يجب سأكون طوع أمرك، وإن تركته سألقيك من على ظهري وربما رفستك أو دهستك.. فتذكر!

* نعم.. ولكن..

– تريدُ القضاء عليّ وقتلي تماماً، لا مجرّد السيطرة عليّ.. صحيح؟؟

* صحيح!

 

أطلق فجأة ضحكة ساخرة مدوية لم أندهش لها كثيراً قدر ما اندهشت لما قال:

– إذاً حاول أن تفعل! لكنك أبداً لن تستطيع! أتعرف لماذا؟؟ لأنني جزء منك أيها السيد الأحمق! لن يمكنك قتلي بهذه السهولة إلا لو تمكنتَ من قطع يدك دون أن تصرخ ألماً وتتأثر بقية حياتك!

فلتعلم يا زعيم أن فكرة القضاء عليّ أو على أيّ من مشاعرك فكرة ساذجة الأفضل أن تنساها.. تذكر مبدأ المقايضة المساوية الذي تؤمن به: حتى تحصل على شئ يجب أن تدفع ثمناً مساوياً له.. قضاؤك عليّ سيجعلك بارداً متبلداً لا تتعصب لأي شئ ولا تحاول الدفاع عن أي شئ حتى أعز من تحب وحتى وطنك ودينك وأفكارك! تحولك إلى كائن متبلد ثمنه قتلي أنا..

أنت فهمتني خطأ تماماً يا زعيم.. أنا لستُ شريراً وغداً يتسلى بك.. أنا مجرد خادم، حصان في يدك.. غير أني حصان جامح أكره السيّد الضعيف وأحب الأسياد الأقوياء..

إن استعملتَ "العقل" وربما "الإيمان" كلجام لي ستعرف تماماً ما عليك فعله.. وجهني، اجعلني عوناً لك لأحمي ما ومن تحب، أياً كان.. أنا قوتك وأنت سيدي لا العكس.. افهم هذا جيداً وإياك أن تنساه، حينها أعدك أن أقرضك قوتي كلها وأدعك تقودني، وإلا ربما أدهسك المرة القادمة..!

 

 

حلّ عليّ الوجوم إذ سمعت وابل الكلام ذاك فصمتّ تماماً وتربعتُ جالساً على الأرض أفكّر.. كان محقاً في كل كلمة قالها.. نادراً ما استخدمته في أي غرض مما قال.. دائماً كنتُ أدعه يحكمني ولا أحاول أنا حكمه.. دائماً أنسى أنني السيد وهو خادمي.. لكن الآن ربما سأتذكر في المرة القادمة فصاعداً..

لكن، لسبب ما شعرتُ أن هناك حلقة ناقصة في الأمر كله.. لذا:

– بالمناسبة.. لماذا تقول لي هذا كله؟ أنت أخبرتني بنقطة ضعفك بنفسك! حتى (الوطواط) لم يكن ليفعل هذا!

ابتسم (الوطواط) ساخراً ولم يعلّق، بينما أجاب "الغضب" مبتسماً بعد برهة صمت:

– (الوطواط) ليس مثلي.. أنا بحاجة لسيّد دائماً ولستُ ذا إرادة حرة تماماً، على عكسه.. هو يملك إرادة حرة أكثر مني حتى وإن كان مقيداً بك.. والدليل أنه كان يسيطر على الجسد كثيراً فيما مضى.

أما لماذا أخبرتك بنقطة ضعفي.. فلا أدري..! ربما أرى فيك ملامح سيّد أفضل من (الوطواط).. هو سيّد متسلّط نوعاً ما ويستخدمني كثيراً، وهو ما قد يؤدي لانهيار الجسد تحت وطأة قوتي.. أنت صاحب الجسد ومالكه على كل حال، وأنا شعور منتزع منك أنت لا منه، وربما أنت الأولى بأن تحكمني..

ثم مدّ يده لي فأنهضني من الأرض، متابعاً:

– لا أملك سوى أن أثق بك في الواقع.. لكن لديك فرصة واحدة أخيرة.. استعمل الألجمة في يدك كما يجب واستعمل قوتي استعمالاً صحيحاً.. أرى أن تلتقي بـ"العقل" و"الإيمان" لاحقاً فربما تجد حلاً كاملاً.. ولا تحاول أن تقتلني أو تغتالني، فحينها سأموت تاركاً خلفي سيّداً متبلداً بلا إحساس..! تذكر هذا كله حين تشعر بي المرة القادمة.. فإن نسيت فأدهسك فأقضي عليك حقاً، وحينها سيسيطر هو! أهذا ما تريده؟؟

هتفت:

– بالطبع لا!

 

تراجع إلى الخلف خطوتين، ثم التفتَ إلى (الوطواط) هاتفاً:

 – كان لقاءً قصيراً يا صديق.. آسف، مضطر للعودة الآن.

* لا بأس يا عزيزي، سيكون لنا لقاءٌ آخر بالتأكيد.. بعد أن أستعيد حكم الجسد مجدداً!

صحتُ به:

– ذلك بعيد عن أحلامك يا هذا!

ابتسم "الغضب" ولم يعلّق، ثم وثب نحوي فعاد إلى النقطة التي خرج منها من صدري مندمجاً مع جسدي، حتى تلاشى داخله تماماً، فتحسستُ مكان الاندماج بابتسامة..

ثم التفتُّ نحو (الوطواط)، متسائلاً في حذر:

– ما رأيك هذه المرة؟

خطا إلى حيث كان جالساً حين وصلت فاعتلى المقعد وجلس محتضناً الجيتار من جديد، ثم قال في هدوء غريب:

– لا بأس.. لكن لم أشعر بقوتك هذه المرة كما كان الأمر مع "الخوف".. شعرتُ كأنك طالب فاشل يتلقى درساً قاسياً من معلمه!

ابتلعتُ الإهانة الواضحة، مجيباً:

– لا بأس.. إنما آتي إلى هنا وأفعل ما أفعل من أجل أن أتعلم.. ألا ترى هذا معي؟

بدأ يدقّ بأصابعه على الأوتار دقاً رفيقاً كأنما يسخنها، ثم أجاب بنفس النبرة الهادئة:

– نعم.. ربما أنت محق.. والآن..

* حسناً، سأرحل من هنا وأدعك مع جيتارك!

أغمض عينيه وابتسم بينما أصابعه تتسارع:

– ليس جيتاري وحدي.. هو جيتارك أيضاً وأنا أعزف الآن فقط!

هززتُ رأسي موافقاً، ثم أدرتُ ظهري وبدأتُ أبتعد، بينما عاد صوته وصوت أوتاره يمتزج ويتردد مجدداً:

 

" أنا متعب، أنا ضعيف، لكني قويّ لأجلك..

أتمنى لو أعودُ لوطني، لكنّ حبي يدفعني لكي أمضي.."

 

ابتسمتُ إذ سمعتُ هذا المقطع، متذكراً تلك التي وددتُ لو استطعت أن أقوله لها.. بشجاعة أكثر..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s