قراءة في كتاب (قرش حشيش) "مجموعة قصصية" لمهدي مبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

clip_image002

في الفترة الماضية صرتُ شبه مُعتكف في منزلي وأمام كمبيوتري لا أفارقهما ولا أقرأ أو أكتب تقريباً إلا لضرورة، فببساطة لا أجد في رمضان نهاراً الطاقة الذهنية الملائمة لأكتب، وليلاً لا أجد الوقت الكافي! ^^"

لكن هذه المرة قررتُ انتزاع نفسي من هذا كله، والسبب أنني وجدتُ الضرورة! وهي كتاب جيد جداً وممتع بعنوان مفزع للوهلة الأولى (!) وهو مجموعة قصصية بعنوان (قرش حشيش) صدرت حديثاً للكاتب الشاب البارع (مهدي مبارك) عن دار إنسان للنشر والتوزيع والإعلام.

 

الكتاب يتضمن 108 صفحات من القطع المتوسط بين غلافين جيدي الطباعة والتصميم، وإن كان الغلاف الأمامي غريباً في الشكل للوهلة الأولى، كما أن الخطوط أنيقة ومقروءة وإن لزم تخفيفها بعض الشئ لا أكثر.

ربما سيختلف انطباعك بين النظرة إلى صورة الغلاف وبين العنوان نفسه، فصورة الغلاف لوحة "عشوائية" نوعاً تُظهر مجموعة من الشباب والفتيات يؤدون حركات عشوائية فوضوية خليعة إلى حدّ كبير وهو ربما ما سيعطيك انطباعاً بأن الكتاب عبثي أو فوضوي أو حتى "خليع" أو يتناول هذه المواضيع أو بعضها، كما أن عنوان الكتاب (قرش حشيش) قد يدعم هذه الصورة في ذهنك أكثر!

إن كنت فكرت هكذا فأنت أصبت بعضاً من الحقيقة لا كلها، ففعلاً، تتناول هذه المجموعة القصصية الممتعة الجانب الكثير من الفوضى العارمة التي أصابت المجتمع في كل شئ: السياسة والفكر والدين والمعاملات بين الناس، والناس أنفسهم.. وهي وإن كانت "قرش حشيش" فهي ليست منوّماً، وإنما موقظاً! موقظاً يجبرك على الاستيقاظ لترى كل تلك الفوضى والعبثية من حولك، فربما تحاول –وتنجح- في القضاء عليها..!

 

وربما لن تصدقني إلا إذا أخذتك لنلقي نظرة مدققة على ما بداخل الكتاب، وهو يحوي 7 قصص تتراوح بين القصيرة جداً ومتوسطة الطول، هي بالترتيب (هكذا أنا – على باب سينما مترو – اغتيال – هاني هيكل – ساعات في جامع شديد – سعد وصلاح وأنا – جرام واحد فقط).

ولقلّة عدد القصص في المجموعة فسأتناولها جميعاً هنا بإيجاز:

 

1- هكذا أنا: قصيرة جداً تكاد تكون خاطفة، ذلك القصر المفيد والذكي جداً! نجح الكاتب ها هنا في أن يختزل فكرة كبيرة وتجربة إنسانية عميقة في سطور قليلة، تلك هي فكرة حال الشباب –والشعب عموماً في بلد صار فيه العذاب جزاء كل من ينطق بكلمة الحق، وصار فيه الذلّ والهوان سمة تصم البلد فوصمت بها أبناءها كذلك، هؤلاء الذين ما يزالون يناضلون لأجل أن يرفعوا رأسها من جديد..!

تظهر في القصة كذلك قدرة لا بأس بها لدى الكاتب على تحويل أفكاره أو تأملاته إلى كلمات مباشرة (ذلك الذي يُسّمى لدى البعض بالتداعي الحر) خاصة في الفقرة الأولى من القصة، حيث قال:  "إن الظلام حين يقفز في الصدور يعبر عن مدى السواد، أما حين يغطي المكان ويسود فلا ظلام ولا سواد، إن وضعنا الحلكة التي غطت الجدران جانباً،يكون الظلام المحيط ما هو إلا عَرَض من أعراض السلام النفسي، تماماً مثل السكون"، وهي خاطرة ربما تتبادر إلى أذهاننا أحياناً حين نكون في نفس موقف البطل من الظلمة.

كما عبّر الكاتب عن فكرة القصة كلها في ذلك الرسم الذي رسمه البطل على جدار زنزانته فكان أبلغ من ألف كلمة، وربما هو تلميح من الكاتب لدور فنّ جميل كالرسم عموماً في التعبير عن الإنسان ونفسه وأفكاره، مثله مثل الكلمة المكتوبة. كذلك يمتلك الكاتب ثروة لغوية لا بأس بها كما يبدو في القصة، وإن كانت تحمل بعض الركاكة في جملة أو اثنين. غير ذلك، هي قصة أراها عبقرية فعلاً.. إيجاز المعنى في سطور قليلة مهارة رائعة أظنّ الكاتب من القلائل الذين يحملونها! ^^

 

2- على باب سينما مترو: متوسطة الطول، على درجة عالية من الجودة! أفضل ما في القصة هو بناؤها الدقيق المتين ونهايتها المختصرة القوية التي بُنيت على ما سبق سرده من أحداث في القصة. القصة باختصار تتناول حالة الكبت والعجز الدائمة التي يعيشها الشباب والتي تؤدي بهم غالباً إلى التصارع من أجل حطام الدنيا وانتزاع اللقمة من أفواه غيرهم من أجل أن يعيشوا هم، وظهر ذلك في عناصر الكبت تلك التي قابلها بطل القصة الشاب والتي سببت لديه الإحساس القوي بالعجز، وهي غالباً الكبت الجنسي والمادي والمجتمعي (ذلك الذي تمثل سابقاً في القصة الأولى)، والتي كانت كلها تراكمات أدت إلى تلك النهاية الخاطفة قليلة الكلمات..! ورغم أن العمل الذي قام به البطل في النهاية كان أنذل ما يكون إلا أنه رآه قمة المروءة..! ولا عجب فالأسباب كثيرة ومتراكمة..

القصة رُويت بأسلوب الحكي الذاتي أو ما يُسمى (صانع القدر)، وهو كان الاختيار الأمثل في قصة ذاتية كهذه، حيث لم يتجه الكاتب لأسلوب الراوي كلي المعرفة فهو لن يكون واقعياً هنا، كما لم يتجه للكثير من التحليل النفسي، وترك فهم أسباب فعل البطل في النهاية للقارئ يستخرجه من السطور الماضية..! الخلاصة أن أفضل ما في القصة كان بناءها الذكي المُرتّب بذكاء والمُستخدم حتى أقصى حد له ^^ وكذلك الحوار فيها الذي كان واقعياً جداً وممتعاً في الوقت ذاته، وما زلتُ أؤكد على تمتع الكاتب بثروة لغوية جيدة ظهرت في الكثير من العبارات.

 

3- اغتيال: قصيرة لكن أطول من الأولى بعض الشئ، رمزية بشكل مباشر جداً حتى أنني لم أرَ داعيا لمتابعتها بعد إطلاعي على السطر الأول، لكنها عبرت عن وضع حقيقي سائد وهو العلاقة بين المحكومين (الشعب) والحاكم (معروف طبعاً!!) فيما مضى والآن، وما يريده الشعب للخلاص من ذلك "الحاكم" المتجبر رغم كبره في السن!

وهذه بالمناسبة القصة الأولى في المجموعة التي قدّمت حلاً للقضية التي عرضتها، وهو ذلك "القائد المنتظر" الذي يترقب الشعب وصوله ليوحدهم وينقذهم من براثن الطاغية..! ولو أني أراه حلاً غير واقعي وربما سيستغرق سنوات يبقى الشعب فيها تحت وطأة ظلم متجبر أو حتى يضعه في يد ظالم آخر لا يقل جبروتاً.. والحل الوحيد هو أن يكون الشعب كله ذلك القائد القوي المُنتظر، فالله لم يكن مغيراً ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم!

 

4- هاني هيكل: نفس طول سابقتها تقريباً. هي قصّة كاتب صحفي شاب جرئ قرر عرض أفكاره وإن كانت خاطئة في بعضها على الناس جميعاً، فووجه بالهجوم المعتاد الذي يواجهه كل من في مكانه ومن نفس الفئة والتي هي بعض الشيوخ المتشددين، الذي يرى بعضهم –لا كلهم بالطبع- أفكار هاني هدماً لمصالحهم ونقضاً لسيطرتهم على فئات كبيرة من الناس وتذويباً لتجميدهم عقول هؤلاء، فواجهوه بالهجوم العنيف والتشهير لا بالرد والنقاش العقلاني الهادئ. القصة تعبر ببساطة عن مجموعة من الكُتّاب والمفكرين المتفاعلين مع الشعب بحق، الذين لا يخشون من عرض أفكارهم الجريئة بصرف النظر عن صوابها وبغض الطرف عن نواياهم من ذلك سواء كان الاستعراض الفج أو البحث الصادق عن الحقيقة والمناقشة الفكرية الهادئة، والتي يندر أن تجدها في مجتمعنا للأسف. القصة كانت عرضاً أراه صادقاً لهذه الفئة والتي قد يكون كثير منها لا يقصد سوء نية كما يرى الآخرون، ولكن قد يكون قطاع عريض منها سيئ النية فعلاً..! إلا أنني لسبب ما أرى الفكرة مكررة كثيراً وربما عُرضت في بعض الأعمال الأخرى بنفس الشكل القصصي تقريباً.

 

5- ساعات في جامع شديد: أراها من أهمّ القصص في المجموعة، حيث أظهرت القصة (الطويلة هذه المرة) جانباً كبيراً من الفساد المجتمعي الذي كان التيمة الأساسية في المجموعة القصصية، والذي يتمثّل في التناقض في شخصيات الناس، مثل تديّنهم الظاهري الذي يختفون وراء ستاره فيفعلون كل منكر وخبيث خلفه، وفسادهم الظاهر الذي قد يخفون خلفه قلباً طيباً أُكره على فساد أفعاله للعديد من الأسباب، وهؤلاء الذين يسعون لتدمير غيرهم لمصالح شخصية بدعوى الدفاع عن الدين والمبادئ، والذين يخفون فساد قلوبهم خوفاً من المجتمع لا أكثر..

ثم يجئ الحدث الأساسي والأعظم في هذه القصة فيكشف الستار عن هذا كله: ذلك النيزك الذي كاد يضرب الأرض فظنّ الناس جميعاً أنه يوم القيامة، فإذا بالكثيرين يظهرون على حقيقتهم بينما يبقى بعضهم ثابتاً على موقفه:

أهل البلد الذين لجأوا فجأة إلى التوبة إلى الله سبحانه حين انكشف لهم أنهم موتى لا محالة، والمال الحرام الذي جمعه بعض هؤلاء فتخلصوا منه كله لذات السبب، وهؤلاء الذين كشفوا عن حقيقة فسادهم حين بدا لهم أنه لا فرق، واستغل البعض الموقف ليفعلوا ما يظنونه صواباً وجهاداً! أما عن الثابتين على موقفهم فهم كانوا في هذه القصة قلّة كما هم في الحقيقة قلة..!

ثم حين انكشف البلاء ورُفع عاد أكثرهم لما كانه: تركوا التضرّع والتوسل لله وعادوا لحياتهم الدنيا حين طال بهم الأمل، وازداد جامعو المال الحرام كُفراً وهكذا..!

عبّرت هذه القصة بصدق كبير عن معنى الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23) ).. كانت تحليلاً دقيقاً لنفوس الناس أمام تلك الأهوال الكبيرة، وتعبيراً ذكياً عن وضعهم قبل وأثناء وبعد انقضاء الهول الكبير.. وقد ساعدت كل شخصيات القصة تقريباً في ذلك، فها هو (خليفة) يعبر عن هؤلاء الذين لم يفهموا تماماً معنى كونهم خلفاء لله في الأرض واستغلّ المعنى لمصلحته ولتحقيق انتقامه الشخصي ومجده وكان موقفه وكلماته حينذاك معبرين بشدة عن المعنى، وهناك (صفية) تلك التي ألجأها العوز إلى الخطيئة رغم صفاء قلبها الحقيقي، وكذلك (عبد الملك) الذي حين أصابته مصيبة موت أبيه انقلب على وجهه فألحد، والحاج (سيد) الذي جُنّ حين وجد أنه أضاع ماله الحرام كله بيده حين وجد أن هلاكه قريب، وكذلك الشيخ (عابد) الذي ثبت على موقفه من الدين والدنيا قبل وبعد الكارثة، فرفض أن يبيع دينه بدنياه، ورفض استغلال الكارثة المقتربة في تحقيق مجد شخصي له فكان مخلصاً لدينه وربه حق الإخلاص حتى آخر لحظة..

باختصار، كانت شخصيات القصة مجسّمة قوية معبرة، عبرت عن مجتمع كامل رمزت له القرية الصغيرة، قليلون هم هؤلاء الصادقون مع أنفسهم فيه، وكثيرون هم الفاسدون..!

أعجبني في القصة كذلك لغتها الجميلة جداً وحوارها الواقعي أيضاً، وصدق شخصياتها الكبير وبعدها عن الرمزية الفجة كقصة (اغتيال) ووضعها في قالب واقعي صادق جداً، كذلك فكرة التداعي الحر في بعض النقاط والتي نجح الكاتب في تجسيدها ببراعة، إلا أنني أعيب عليها بعض نقاط غير منطقية نوعاً، مثل تعبير (صفية) عن مشاعرها المكبوتة بالكتابة، تلك العادة التي يصعب أن يمارسها من هم مكانها –من وجهة نظري على الأقل-. لكن بشكل عام هي قصة ممتازة حقاً.

 

6- سعد وصلاح وأنا: ممتعة ومبدعة جداً، عبرت عن الفكرة العامة للمجموعة وكانت شاملة كثيراً، عبر الكاتب فيها عن كثير مما يعتمل في نفسه وعن همومه في صورة أبيات صلاح جاهين التي رفضت أن تغادر فكره طوال القصة حتى نهايتها، فكأنما أراد أن يعبر عن همومه في تلك الرباعيات البديعة، أي أنها فكرة مبتكرة نوعاً للتعبير عن أفكار البطل ابتعد بها الكاتب عن السرد المعتاد للأفكار، وكان اختياره لصلاح جاهين معبراً عن أفكاره موفقاً تماماً، فعمنا صلاح جاهين كان سيّد حمالي أسيّة الوطن منذ نضج حتى مات حسرة على الكثير من تلك الهموم..

ثم هناك سعد زغلول، العنصر الذي مثل الماضي الجميل والذي واجهه مهدي في حوار طويل استغرق نصف القصة فقارن في كلمات رشيقة بين ذلك الماضي السعيد –مقارنة بالآن طبعاً- والحاضر القاتم الذي لا يبشر بخير، فكان ذلك الحوار عرضاً عاماً لتلك الهموم التي كان جاهين ينطق بها باستمرار في رأس البطل مثل بيع البلد برخيص المال والفتن التي تستيقظ بين الوقت والآخر، والصراع على السلطة وفساد السلطة نفسها، ثم هناك كذلك تعبير سعد زغلول عن سبب كل هذا (بصق الماضي على الحاضر)! عنى بها أخطاء هؤلاء الذين سبقونا وورثونا إياها على أمل أن نحلها نحن فإذا بها تلتهمنا!

 ثم يأتي العم جاهين في النهاية ليقدّم حلاً جزئياً لكل ذلك: حلاً يكمن في الإنسان، في أن يثور على وضعه وأن يغيّر مصيره بيده، في أن يغيّر كل إنسان نفسه فربما يتغير الوضع لأفضل..

كانت لغة القصة والكثير من تشبيهاتها جميلة جداً كعادة الكاتب، وكان اختيار هذين الاثنين (سعد وصلاح) جميلاً جداً، فقد كان من بيئة وثقافة البطل لا خارجاً أو بعيداً عنها، فناقش البطل مع الاثنين هموم الوطن والبيئة نفسها وعرضوها معاً ثم حاولوا تقديم حل.. ثم جاءت الكلمة الأخيرة في القصة لتحوّل القصة كلها إلى (جاهينية) كبيرة، مزجت –كعادة جاهين ذاته- بين الواقع المرير والخيال الذي لا يبعد كثيراً عن الواقع.. وكذلك كانت القصة: فانتازية في ظاهرها واقعية حدّ الموت في باطنها..!

 

أخيراً: 7- جرام واحد فقط: شاملة كذلك وصادقة إلى حد كبير، حيث المتكلمون فيها ليس الأقنعة اللحمية التي تدعى (البشر) والتي تبطن أكثر مما تخفي، وإنما أرواحهم التي بين جنبيهم، تلك التي حين تتكلم تتكلم بصدق فلا تكذب ولا تزوّر، ويطيعها بعض البشر أو يكبتونها حسب عقلياتهم وعقائدهم.. وقد جمع حوار الأرواح العديد منها، وقد كان القاسم المشترك بينها أن كانت كلها تقريباً أمّارة بالسوء، لكن الاختلاف كان في أصحابها أنفسهم: الشاب الذي طاوع شهوته ففقد حياته لأجلها، والرجل المتدين ظاهرياً الفاسد باطنياً، والرجل المتدين الصادق الإيمان الذي يكبت نفسه ورغباتها، والعاقل الذي يحكم عقله وفكره روحه الميالة للشر..

ولذلك كله كان حكمي على القصة أنها صادقة، حيث اختار الكاتب أصدق شئ في الإنسان كله: روحه..!

حملت القصة ثروة لغوية جيدة جداً وكذلك تشبيهات ممتعة مثل (الدمّ تجمع حوله كأنما يزفه إلى الآخرة)، إلا أن الحوار في نقاط عدة جمع بين الفصحى والعامية فلم يكن فصيحاً نقياً تماماً، وأرى أن الفصحى الكاملة كانت ستكون أصدق وأكثر حياداً فهي ستكون معبرة عن أرواح البشر جميعاً بلا تفرقة.. هناك كذلك التعبير عن الشئ الشرير في الإنسان بلفظة (روح)، فالشر في الإنسان يكمن في (النفس) لا في (الروح)، فالروح كيان نقي وجزء من روح الله سبحانه وتعالى، بينما النفس هي تلك التي تأمر صاحبها بالسوء أو تلومه أو تأمره بالخير فتكون مطمئنة..

 

نظرة نهائية:

 إن كان الكاتب الشاب (مهدي مبارك) يريد أن يجعل من هذه المجموعة (قرش حشيش) أن توقظ وتحرّك أذهان البشر السكارى الغافلين فقد نجح إلى حد كبير..! وقد نجح في ذلك باستخدام أدوات لغوية عديدة كالألفاظ الرشيقة والتشبيهات المعبرة الذكية والشخصيات المنتقاة بعناية، والمواقف البسيطة المعبرة جداً، وقد اختار مهدي في كل قصة عنصراً من عناصر ذلك الفساد المجتمعي ليناقشه من خلال القصص، ثم شمل كل تلك المفاسد والمشاكل والقضايا في القصص الثلاث الأخيرة (ساعات في جامع شديد – سعد وصلاح وأنا – جرام واحد فقط) بشكل جيد جداً، حيث عرّى نفوس الناس ومفاسدهم في (جامع شديد)، وقارن بين الماضي والحاضر وحاول من بين الاثنين إيجاد حلّ ما عن طريق حواره مع (سعد وصلاح)، وكشف عن موطن الصدق في الإنسان واستنطقه بـ(جرام واحد فقط) من الحشيش كان كفيلاً بانتزاع الاعترافات من ألسنة أرواح البشر الصادقة رغم شرورها..! ثم هو في كل قصة تناول جانباً ما، فعرض مشاكل شباب هذا المجتمع المكبوت العاجز (على باب سينما مترو)، وجسّد ذلّ الناس في هذه الدولة البوليسية على رسم في جدار كُتِبَ تحته (هكذا أنا)، وقدّم شبه حل لذلك كله على صورة (اغتيال)، وجسّد رغبة المجتمع في فكر حر ونقاش عقلاني في القضايا المختلفة في شخص (هاني هيكل)..

(مهدي مبارك) كاتب شاب متمكن فعلاً وقارئ ممتاز، وناظر ومحلل جيد لقضايا مجتمعه، وقاص يملك القدرة على تحويلها لقصص ممتعة تمزج بين حلاوة وإمتاع الخيال وقسوة وصدق الواقع.. وأظنني أتفق كثيراً مع الدكتور أبو القاسم عمر صميدة في كثير مما امتدح فيه مهدي في مقدمة الكتاب.

وفعلاً، سعدتُ بهذا الكتاب جداً واستمتعت به، وسعدت كذلك بالتعرف إلى صديق جميل هو مهدي مبارك-كون ^^

 

شكراً..

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s