عن لعنة/نعمة الكتابة.. أكتب..!

بسم الله الرحمن الرحيم

pen1

لعن الله الكتابة، ذلك الفعل قليل الأحرف شديد التعقيد والعسر والإيلام والإمتاع في آن معاً! هي لعنة تصيب أشخاصاً معينين فتجدهم مهووسين بها فلا يعيشون ولا يموتون إلا والقلم في أيديهم.. هي فعل يستحيل أن يتحوّل إلى فعل معتاد كالأكل والشرب والنوم والصلاة، فعل أبيّ لا يرضى أن يكون بمستوى تلك الأفعال المعتادة الممارسة يومياً..! هي فعل ليس ككل الأفعال حين تشاء أن تفعله تفعله، وإنما هو عمليّة ولادة شديدة التعسّر، بدايتها فكرة كجنين في رحم ذهنك ونهايتها عمل أدبي ما.. وسلسلة طويلة من العمليات الفكرية المعقدة بين هذين!

لسبب يستحيل عليّ أن أحول أفكاري كلها إلى أحرف مباشرة، فأجد الأفكار –تلك الوليدة المبتهجة بأن مُنحَت نعمة الحياة- قد أوقفت عند متاريس ذلك الشئ داخل عقلي الذي يُسمّى (الرقيب الذاتي)، ذلك الذي يسلب أفكاري الحرية وربما الحياة أحياناً..!

حتى الآن، لا أستطيع حقاً أن أصل لذلك الفعل الكتابيّ الراقي المدعوّ (التداعي الحر) الذي أجده مكتوباً عندهم في كتبهم النقدية وعلى ألسنتهم –أعني النقاد وعباقرة الأدب-.. التداعي الحر هو متعة أن تقتل ذلك الرقيب الذاتي وتحطّم متاريسه فتسمح لأفكارك بالتدفّق بحرية كاملة على الأوراق، دون أن تكون اللغة قيداً، بل بالعكس قد تكون سلاحاً في يد تلك الأفكار تجعل منها مخلوقاً أدبياً لا مثيل له..! للأسف لم أُمنح تلك الميزة، وربما لم أنلها بيديّ هاتين بعد..

 

هي لعنة تتخذ –أحياناً- شكل متعة عقلية راقية.. تجدها تلحّ عليك كرغبتك في طعام ما فجأة، فتجد نفسك في رغبة عارمة لكتابة تلك الفكرة الآن، فإن توفرت الأدوات الملائمة والمكان والجوّ المناسب ولدت الفكرة على الورق بلا مشاكل، فإن لم يكن فلا فكرة ولا كلمات ولا غيره.. وليست كل هذه العناصر ترفاً فكرياً بقدر ما هي دماء في شرايين الفكرة تحييها، وكونها كذلك حقيقة لن تجدها أنت –ككاتب- إلا حين تمارس ذلك الفعل مدة لا بأس بها..

 

حين تكون كاتباً حقيقياً لا تكتب لجريدة يومية ولا تكتب للتربح وحسب، فأنت حر حقاً وصدقاً تكتب فيما تشاء وقتما تشاء كيفما تشاء.. لكن من قال أن الحرية دائماً مزيّة..؟ الحرية تضع أمامك آلاف الخيارات التي تجعلك تضيع فيما بينها، بل وربما تسلبك القدرة على تحديد الاتجاه من الأساس.. ربما يجب أن يوضع المرء تحت عبودية فكرية حتى يستطيع أن يبدع فعلاً.. لاحظ أن كثيراً من هؤلاء الكُتّاب اليوميين يكاد لا يمر لهم مقال دون أن تجد قراءهم يصفّرون إعجاباً بروعته حتى وإن كتب (جزر)!

 

بين الحين والآخر أجد نفسي ألعن الكتابة، ومجرّد محاولتي الأولى للكتابة، لأنني اضطررت نفسي أن أقع تحت سيطرة مثل هذه لعنة.. لكن.. رغم ذلك.. أحبها.. ببساطة أحب الكتابة.. أحب أن أكتب..!

ربما لا أكتب شيئاً ذا قيمة، لكني –على الأقل- أعرف لماذا أكتب حتى وإن لم يقرأ ما أكتب أحد..

أكتب لكي أعرف نفسي التي بين جنبيّ تلك التي تحيرّني حقاً أحياناً.. أكتب لأصنع من الحروف منظاراً أرى به ما حولي أوضح، أو ميكروسكوباً يريني دقائق كل شئ، أو تليسكوباً أستكشف به وأكشف به للناس عوالم أبعد مما رأيتُ أو تخيلتُ من قبل.. أعدّ هذه الكتابة –بشكل أو بآخر- محاولة لتأمل دنيا الله، وللإحساس بذلك الجمال والإبداع الذي أودعه كل شئ في هذا العالم.. ربما إن تمكنتُ من رؤية كل ذلك الجمال –وربما لن أستطيع قبل نهايتي- أستطيع أن أحب الله أكثر، وأن أؤمن به أكثر..

 

لذا.. أحب الكتابة.. وإن كانت لعنة فمستعدّ لقبولها وحملها على كتفيّ إلى الأبد وربما توريثها لمن سيأتون من صُلبي لاحقاً، وإن كانت نعمة من ربي فسأنعم بها وأحدّث عنها كما أمرني سبحانه وتعالى..

 

أردتُ بكلماتي السابقة أن أحدد كنه فعل الكتابة ذاك، فلم أعرف عنه إلا أنني أحبه كما هو.. فقط!

وها أنا قد كتبت.. فهل أنتِ سعيدة الآن.. أيتها اللعنة..؟؟ ^^

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s