الحرية هي..؟ (أفكار غير ذات نظام)..

بسم الله الرحمن الرحيم

misuzu-yukito-sunset

كنتُ أستمع في اهتمام إلى حديث صديقتي عن ذلك الكتاب الذي كان عليها أن تقرأ فصولاً منه؛ لتناقشها في دورة تدريبية ما.. ولمّا كان موضوع الكتاب هو (الحرية) استمعتُ باهتمام وسألتها غير مرة عن موضوعات الكتاب وأفكاره، حتى انتهى حديثها فساد بيننا صمت قصير قطعته أنا بأن سألتها مبتسماً دون سبب:

– ما هي الحرية في رأيك..؟

احتارت هي في إجابة السؤال حتى انتهت إلى (لا أعرف)، حاولتُ تبسيط السؤال أكثر فظلّت الإجابة كما هي.. فهمتُ من حيرتها وجوابها النهائي أنها –فقط- لا تجد ما تعبر به عن المعنى في ذهنها، وقد كان في إمكاني تفهم الأمر تماماً..

لذا لم أسألها أكثر، وإنما أجبتها عن السؤال كما أرى جوابه:

– الحرية هي ما يمارسه الطير في السماء.. ذلك الطير حر طليق حقاً، وليس مثلنا.. نحن لسنا أحراراً مهما ادعينا العكس، نحن سجناء الكثير من الأشياء: النظام والوقت والمواعيد والعلاقات، بل والأفكار والمبادئ ذاتها، نحن سجناء كل هذا لمجرد أننا بشر!

نحن سجناء صنعنا القيود التي تقيّدنا أو اخترناها، لأسباب مختلفة، ونحن أسرى تلك القيود حتى نهاية أعمارنا تقريباً، لا نخلص منها إلا لفترات محدودة وفي أماكن محدودة، فنجد نفسنا نخلص إلى قيود أوسع، غير أنها تظلّ قيوداً..!

اندهشت من إجابتي تلك، ثم قالت في حياد:

– ولكن كل هذا موجود ليجعل حياة الجميع أفضل.. أليس كذلك؟

* نعم.. ولكننا كثيراً ما نتعامل مع تلك الأشياء كقيود مؤلمة نتمنى الخلاص منها في أقرب فرصة، لا كنظام حياة طبيعي..

أتعرفين؟ أشفق بشدة على هؤلاء الذين ينادون بالحرية ويعملون بها ولأجلها.. هؤلاء يعملون لهدف نبيل نعم، لكنهم هم أنفسهم ليسوا أحراراً.. صاروا منذ اللحظة التي نهضوا فيها لكل ذلك أسرى مبادئهم وكلماتهم وأفكارهم، يحاسبهم عليها المجتمع ويحاسبون هم أنفسهم عليها في كل يوم وربما كل لحظة.. فأي حرية هذه؟؟

صمتت برهة، ثم في حيرة سألت:

– ما زلتُ لا أفهم تصورك تماماً..

ابتسمتُ إذ أدركتُ سذاجتي وبوحي المتدفق بأفكاري دون نظام كعادتي، ثم قلتُ بعد فترة صمت:

– الحرية في أبسط صورها –كما أراها على الأقل- هي أن يتحرر الكائن الحي من كل شئ، كل شئ حتى نفسه! أن يتحرر من الأفكار والماديات والمكان والزمان.. قد تقولين أن حرية كهذه ليست إلا ضياعاً وتيهاً، لكن ما أعنيه هو أن لا تكون لأفكار المرء وبيئته وزمانه سلطة ورقابة دائمة على عقله وكيانه، أن يتحول كل ذلك إلى جزء من نسيجه هو نفسه! حينها يكون المرء حراً ولو بالنسبة إلى نفسه.. على الأقل لن يجد كل تلك الأشياء قيوداً، بل ربما لن يشعر بثقل لوجودها فلن تكون قيداً بالنسبة له..

* أتعني أن الحرية شئ نسبي؟؟

– طبعاً! وإلا لماذا لا يجد المفكرون تعريفاً محدداً ثابتاً للحرية، فتجدهم يختلفون في معناها بل ويجعل بعضهم الحرية شيئاً يختلف من شخص لآخر؟ الحرية كيان لا شكل له يراه كلٍ منا بعين مختلفة.. لذا فإن حصرنا له ومحاولتنا وضعه في شكل ثابت صعبة.. كيف نحصر شيئاً لا ندري له شكلاً من الأساس؟؟

الهواء لا شكل له.. وكذلك الحرية! الحرية كالرياح والرياح حرة، بل ربما هي أكثر مخلوقات الله حرية.. وحتى الرياح مقيدة باتجاهات..! هي فقط أكثر حرية منا نحن البشر..

لأننا بشر، لن نصل إلى (الحرية) إلا حين نكون أكثر حرية من الرياح نفسها.. حين نتجرد من أجسادنا وعقولنا ومكاننا وزماننا، لنعود إلى حالتنا الأولى من الوجود، قبل أن يجعلنا الله أرواحاً داخل أجساد.. وربما سنصل إلى حالة كهذه حين نرجع إلى مولانا الحق، الله سبحانه وتعالى..

ثم أغلقتُ عينيّ:

– أنا أيضاً لا أجد تعريفاً علمياً صلباً لتلك (الحرية)، فمأواها ومنتهاها إلى الله لا يُسأل عما يفعل، هو السيّد وله ملكوت كلّ شئ ولا شئ يحاسبه أو يمنعه..

كل ما أريده هو أن أصل إلى أقصى درجات الحرية المادية.. أن أكون كتلك الرياح، حراً كأفضل ما تكون الحرية التي وهبنا الله إياها نحن المخلوقات..

لكن.. يبدو أننا نحن البشر سجناء تلك الحرية التي ندعيها، نحاول الوصول إليها وحين نفعل نجدها تحولت إلى قيْد، إلا من رحم ربك..!

ثم نظرتُ إلى صديقتي فوجدتها تستمع في انتباه، فسألتها ضاحكاً:

– فهمتِ شيئاً مما قلته؟

ابتَسَمتْ:

– نعم.. الكثير في الواقع..

* ماذا رأيك إذاً فيه وفيّ أنا؟

اتسعت الابتسامة:

– لن أخبرك!

ابتسمتُ قائلاً:

– أنتِ حرة..!

وانتهى ذلك التداعي الفكري الطويل بابتساماتنا تلك، وصار ذلك الحديث عن الحرية فكرة أخرى تؤرقني، وتسجن حريّة فكري إلى أجل غير مسمى..

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s