الدقّ على أبواب الذات..! (المواجهة الثالثة: الحبّ)

بسم الله الرحمن الرحيم

sm1007b_thumb5b35d5b45d

لم تطل إغماءتي كثيراً هذه المرة.. كانت بالأحرى كلحظة نعاس سريع استيقظتُ منها لألقي نظرة على محيطي.. الذي كان قد تغيّر كثيراً وبشكل مفزع!

بداية لم أجد قدميّ على أرض ثابتة! كنتُ أطفو في فضاء أبيض ناصع البياض، طفواً ثابتاً لا أشعر فيه أنني قد أقع فجأة، مانحاً إياي حرية حركة كبيرة كأنما أسبح في ماء كثيف بعض الشئ..

ثم تلك الفوضى العارمة من حولي! متعلقات شخصية وأشياء مختلفة تطفو في الفضاء حولي بلا نظام على الإطلاق.. كتب وأقلام وأكواب وثياب ومقاعد وبطاقات مختلفة الأحجام وأطعمة متنوعة وهواتف محمولة وأقنعة مختلفة الأشكال والألوان وأوراق مدوّن بها علامات موسيقية وأخرى عليها رسوم عديمة المعنى، وسيوف وخناجر وصور داخل أُطُر ملونة، وسرير كبير وأشياء أخرى.. ولم يكن (الوطواط)، جانبي الآخر في المكان على الإطلاق..

 

عثرتُ على مقربة مني على مرآة كبيرة شديدة اللمعان مسطحة مستديرة، وجدتني أقترب منها في تلهف وتوتر لم أجد لهما داعياً، لأتطلع إلى انعكاسي فيها..  ولم يعجبني ما رأيت..!

صورتي، مشوهة متموجة تتغير في كل لحظة، لا تموجاً لطيفاً كماء النهر وإنما تموجاً وحشياً عنيفاً يغيّر ملامحي في كل لحظة، فأجدني مرة باكياً ومرة ثائراً غاضباً ومرة متظاهراً بالسعادة.. تأملتُ كل هذا في ذهول وفزع، غطيتُ وجهي وارتجفتُ في قوة راغباً في أن أحطّم تلك المرآة فأتخلّص من الصورة الشائهة للأبد، فنظرتُ حولي فوجدتُ كتاباً كبيراً سميكاً التقطته فقذفتُ به المرآة في عنف.. فقط لأفاجأ باليدّ السوداء المألوفة تبرز من العدم لتلتقط الكتاب في مهارة وثبات، ثم يظهر صاحبها هو الآخر من العدم.. ذلك الذي صرتُ أراه كثيراً مؤخراً، والذي لم يتوقف يوماً عن مناداتي:

– مرحباً يا زعيم! لم يطل غيابك كثيراً هذه المرة كما أرى.

ثم ألقى نظرة على الكتاب السميك فصفّر بشفتيه تظاهراً بالدهشة، ثم قال:

– ما الأمر؟ مالك ثائراً فاقد الهدوء هذه المرة؟ صرتَ أشبه بي!

ثم أدار بصره بيني وبين المرآة فبدت عليه ملامح الفهم، وابتسم ساخراً وقال:

– آه.. نظرتَ في المرآة.. صحيح؟

ثم اقترب مني:

– ولم يعجبك ما رأيت، صحيح..؟؟

لم أجبه وأشحت بوجهي متأففاً، فأمسك بذقني بأطراف أصابعه وجذب وجهي نحوه:

– لا تحاول أن تخفي عني شيئاً في مكان كهذا يا رفيق.. أنت تفهم أكثر مني لماذا!

ثم ابتعد، ونظر إلى المرآة قائلاً:

– إذاً نظرتَ إلى المرآة، هه؟ آسف، نسيتُ أن أخبرك أن مرايا هذا العالم ليست كمرايا عالم الواقع تريك القناع الجسدي الخارجي وحده، وإنما تريك نفسك كما أنت حقاً، تعكس لك صورة روحك وما يدور بداخلك.. وبصدق كامل! وأنت نظرتَ فيها لتوّك ولم يعجبك ما رأيت..

أنت تكره نفسك يا زعيم! عدتَ لضلالك القديم، عُدتَ تكره نفسك التي تحكم هذا الجسد، والتي لم تتمكن من فرض سيطرتها إلا بعد أن أحببتَ نفسك وتقبلتها كما هي واضطررتني أنا للتخلي عن السيطرة.. هكذا قد أعود لأنتزعها قريباً جداً.. هل يعجبك هذا؟؟

* بالطبع لا!

– ولكنه يعجبني أنا! لا تنسَ أنني بالفعل سيطرتُ على زمام الجسد للحظات قصيرة في الأيام الفائتة حين بغضتَ نفسك حقاً.. وأنت الآن في حالة من الضعف وبغض الذات تمنحني فرصة سهلة للقضاء عليك واستعادة السيطرة من جديد!!

 

هنا تحفزتُ وشددت على قبضتي، فرفع كفيه نحوي مهدئاً بابتسامة ساخرة:

– اهدأ اهدأ! لستُ في مزاج مناسب لذلك، وأنت لستَ ضعيفاً تماماً أيضاًَ..

ثم فتح الكتاب الذي في يده واقتطع من منتصفه ورقة لفّها في شكل أنبوب ضيّق، متابعاً:

– لكنّ مزاجي اليوم مناسب للقيام بأمر آخر.

* وما هو؟

– اختيار شعور آخر كما في المرتين السابقتين! نسيت؟؟

تنفست الصعداء قبل أن يتابع بلهجة حازمة:

– لكن هذه المرة ليس لمصلحتك أنت كما تظن! الأمر لمصلحتي أنا! ربما لقاؤك مع شعور آخر هذه المرة سيجعلك تفهم سوء موقفك أكثر، ويجبرك على تسليم القيادة لي!

ثم لوّح بيده مشيراً لما حوله:

– انظر لما حولك! هذا عالمك، انظر إلى هذه الفوضى التي أصابته! عالمك في فوضى لا حصر لها، مضطرب لا نظام فيه، لأنك فقدت السيطرة عليه وأضعت نظامه.. دائماً تفكر وتضع في ذهنك كل لون تراه وكل حرف تقرأه وكل كلمة ولحن تسمعه ولا تختار لنفسك طريقاً وسط كل هذا.. صرتَ في فوضى فلا تعرف حقيقة ما تريد..! وأنت في هذا العالم.. تطفو! جسدك طافٍ يسبح على غير هدى.. ليتك كنتَ تملك أجنحة تحلّق بها هنا بدل طفوك الضالّ هذا.. الطفو غير التحليق، حين تكون محلّقاً فأنت تعرف إلى أين تذهب وتملك القدرة على أن تتحكم في جسدك واتجاهك وتملك اختيار طريقك.. وليس الأمر كذلك حين تكون طافياً..!

 

ثم أشار نحوي بالأنبوب الورقي:

– وأنا أعيش في هذا العالم كذلك ولا تعجبني فوضاه فأنا أكرهها كما تعلم.. لذا لابد أن أستعيد النظام هنا، ولا أستطيع قتالك الآن فأنت المسيطر، لذا بدلاً من ذلك سأجعلك ترى سوء موقفك أكثر فتتخلى لي عن السيطرة بإرادتك!

ابتسمتُ متحدياً فجأة:

– حقاً؟؟ إن كنت ترى نفسك مستطيعاً فافعل ما يعجبك، ولنرى من الأحق بالسيطرة هنا!

* لا بأس إذاً.. أتعشّم أن أجد بعض التسلية فيما سيلي.. يا نصف الزعيم!

 

ثم رفع الأنبوب الورقي في الهواء، فبدأ طرفه الأعلى يجتذب من كل ما يحيط بنا كُريّات زرقاء مختلفة الأحجام، بدأت جميعها تتلاصق فتندمج بشكل عشوائي لتكوّن شكلاً هلامياً بلا ملامح يتنامى بسرعة هائلة.. هتفتُ بجانبي الآخر:

– ماذا تفعل؟

* كما ترى، أجسّد لك شعوراً جديداً كما في كل مرة!

– لكنك لا تنتزع شيئاً من داخلي..! ما هذا الذي تفعله بالتحديد؟؟

ابتسم لما رأى علامات عدم الفهم على وجهي:

– هذا لأن الشعور هذه المرة مختلف.. هذا هو "الحب"!

اتسعت عيناي دهشة فتابع فوراً:

– لا تندهش.. نعم، هذا هو "حبك"، وهو مختلف عن ما سبق من المشاعر.. "الخوف" و"الغضب" شعوران مؤقتان ينبعان لوقت قصر أو طال ثم يختفيان فيعودان في وقت لاحق، لكن "الحب" غير ذلك تماماً.. أنت تحب الكثير من الأشياء يا زعيم، تحب كثيراً جداً وبإخلاص شديد وتوزع وتودع حبك في كل شئ حولك ولأغلب من تعرف من الناس.. توزع حبك بسخاء وبدون حساب، حتى إنك..

 

قطع جملته حين اكتمل الشكل الذي كونته النقاط الزرقاء، وقد كان شكلاً بشرياً كالعادة، إلا أنه هذه المرة يحمل لوناً أزرق هادئاً مريحاً ووجهاً ذا ملامح باسمة، وكان منطوياً على نفسه في وضع جنيني..

دفعه (الوطواط) بيده إلى الأمام قليلاً، ثم أشار نحوي بالأنبوب، فخرجت من صدري نقطة زرقاء دقيقة لم أكد أراها فانضمت إلى المخلوق الأزرق، ثم تابع عبارته:

– كما ترى، لا تستبقي لنفسك إلا أقل القليل من ذلك "الحب"! هذه النقطة هي مقدار حبّك لنفسك، وتلك النقاط تلك على اختلاف أحجامها هي مقدار حبك لمصدرها، وكلها أكبر من نقطتك..!

لم أندهش لما سمعته منه، فقد كان محقاً تماماً..!!

 

عدتُ بنظري إلى المخلوق الأزرق فرأيته بدأ يتحرك قليلاً قليلاً كأنما نُفِخت فيه الروح باندماج نقطتي معه.. فرد جسده وبدأ يتثاءب ويتمطع، ثم فتح عينيه وبدأ يجيلها في المكان مبتسماً لسبب لا أدريه، حتى استقرّ بصره عليّ، فاتسعت ابتسامته جداً واندفع نحوي فاتحاً ذراعيه هاتفاً:

– عزيزي!

وجدته يعانقني بشدة ويدور بي في المكان ضاحكاً بسعادة، فلم أملك إلا أن أبتسم رغم المفاجأة، حتى توقف تماماً فابتعد عني ممسكاً بيديّ بنفس السعادة، فقلتُ:

– أنت "الحب" إذاً؟؟

* هو أنا! سعيد أني أراك للمرة الأولى! أنت تراني كثيراً بالفعل، لكن هذه هي المرة الأولى التي أراك وتراني فيها في هذه الهيئة!

– أنا أراك كثيراً؟ كيف؟

ابتسم أكثر:

– في عيون أسرتك وأصدقائك..!

قاطعه (الوطواط) بهتاف ساخر:

– آسف لاستدعائك بهذا الشكل المفاجئ يا رفيق! فقط كنتُ أريدك أن تتبادل حواراً صريحاً مع الزعيم لبعض الوقت.. أتسمح؟

التفت "الحب" نحوه بذات الابتسامة:

– بالتأكيد أسمح! لكن ماذا تريد من فعلك هذا؟

* أبداً.. أردتُ فقط أن أواجهه ببعض الحقائق من خلالك!

– تستغلني إذاً؟

* ربما!

– حسناً، لسوف أتبادل معه الحوار، ليس من أجلك وإنما من أجله وأجلي فقط.

ابتسم (الوطواط) ساخراً:

– لا بأس، افعل ما تشاء، أنا أنتظر فقط نتيجة الحوار!

 

عاد "الحب" يلتفتُ إليّ، ولما رأى النظرة القلقة في عيني قال:

– لا تقلق يا عزيزي، لا تبالِ به، الحديث سيكون بيني أنا وأنت فقط، وأياً تكن النتيجة فلسوف تجد وضعاً أفضل وربما حلاً أفضل لشئ مما يقلقك.

ابتسمتُ خفيفاً رغم القلق المستمر:

– صحيح.. هناك الكثير مما يقلقني وأريد أن أعرفه منك أنت، ولا أظن أن أحداً غيرك سيمنحني جواباً حقيقياً.

* تحدّث بمكنون نفسك.

التزمتُ الصمت بضع ثوانٍ، ثم سألته ناظراً من طرف خفيّ إلى (الوطواط) الذي لاحظ النظرة:

– جانبي الآخر قال لي قبل أن تستيقظ أنت.. أنني لا أستبقي لنفسي منك إلا أقل القليل.. ماذا يعني هذا؟ ولماذا؟

سمع "الحب" هذا فلم يجب فوراً وإنما أغمض عينيه كأنما يفكر، ثم أجاب بنفس الابتسامة:

– هو لم يكذب في الواقع.. نعم يا عزيزي، أنت لا تحبّ نفسك كما تحبّ أي شئ أو شخص آخر من حولك.. لا تحبّ نفسك إلا بمقدار ما يبقيكَ حياً..!

ثم قرّب وجهه مني:

– أخبرني: ماذا تحب في حياتك؟ ما الأشياء التي تجد نفسك تشعر بي حين تراها أو تتعامل معها؟

قلتُ بعد تفكير:

– الكثير الكثير جداً.. أحب الله، وأحب أسرتي وأصدقائي، أحب جهاز الكمبيوتر خاصتي وهاتفي وكتبي والأقلام والأوراق، وأحب الطعام وأحب الأطفال والكثير من المخلوقات، أحبّ كل شئ جميل وأحب الخير والعدل والحياة كلها.. وأحبك أنت!

تبسّم ضاحكاً من قولي، ثم قال بهدوء:

– وأنا أحبك كثيراً أيضاً.. لكن، لِمَ تحب كل هذا أكثر من نفسك؟؟

أجبت على الفور:

– لأن كل هذا يستحق أن أحبه أكثر من نفسي.. وربما لأنني لا أستحق أن أحبّني..!

* ولِمَ تظن هذا؟

– لستُ راضياً عن نفسي، لا أحبها، أرى أنها ناقصة على الدوام سيئة على الدوام، لن أحبها أبداً إلا حين أشعر أنها وصلت للكمال الذي أريده.. وأرى أن كل شئ غيري لا نقصان فيه، والله تعالى فوق كل هذا.. أحبّه لأنه كامل حقاً كمالاً مطلقاً لا يحده شئ، على عكس ما عداه.

* إذاً لم تحب ما عداه؟

– لأنني.. ربما أرى فيه كمالاً من نوع ما.. لا أقول أن كمال أي شئ آخر مطلق، لكن على الأقل هو كمال نسبي، وبالتأكيد أي شئ آخر سيكون أكمل مني أنا..!

* إذاً دعني أخبرك بشئ يا عزيزي.. بالتأكيد تعلم أن مالا تراه ليس بالضرورة غير موجود.. صدقني، أنت تملك جزءاً من ذلك الكمال النسبي لكنك لا تراه.. نقصانك ذاته جزء من كمالك النسبي كإنسان، الإنسان السويّ دائماً غير كامل وإن بدا كذلك، ومن كمال الإنسان أنه ينقصه الكثير وأنه يحاول أن يعوّض ذلك الكثير..! ذلك النقص الذي تشعر به هو جزء منك، وهذا لا يعني أنك ضعيف أو إنسان سيئ..

كمالك الحقيقي هو أن تستمر على ما أنت بخير فيه، وأن تبحث دائماً عن إصلاح لما لديك من عيوب.. وحتى لو لم تستطع فيكفي أن ترضى بنفسك كما هي، وأن تحاول أن لا تؤثر تلك العيوب عليك وعلى غيرك ممن تحب..!

 

صمتُّ بعد هذا الحوار مفكراً في كل كلمة فيه واحترم هو صمتي فلم يتحدث ولم يأتِ بحركة، بينما لاحظتُ علامات قلق وتوتر على وجه (الوطواط) وإن لم ينبس بكلمة هو الآخر، حتى بادرتُ أنا:

– فليكن.. دعني أسلّم أنني أملك كمالاً نسبياً وأنني لستُ سيئاً لهذا الحد، كيف أحبّ نفسي كما تقول؟ ولِمَ أحبها أصلاً؟ أليس حبُ النفس غروراً؟

* ليس كل حب النفس غروراً يا عزيزي.. الكثير من حبك لنفسك ضروري جداً لتبقى حياً، ولتشعر بقوتك الحقيقية وتجد قدراتك وتبدع وتنتج.. لو لم تحبّ نفسك ستشعر بالنقص دائماً، وستشعر أن كل ما تفعله سيكون ناقصاً دائماً فلن تفعل شيئاً على الإطلاق..!

لكن.. حب النفس حد الغرور هو الخطأ.. الغرور هو أن لا ترى في العالم غير نفسك وأن لا ترى أحداً أفضل منك، وهو كذب ووهم.. فدائماً ستجد من أو ما هو أفضل منك، حتى لا تتوقف عن العمل من أجل إصلاح نفسك وتطويرها.. حاول أن تفرّق بين الاثنين وتفهمهما يا عزيزي.

ربما ستتضح لك الأمر أكثر إن حاولتَ أن تفهمني أنا.. ولأساعدك سوف أخبرك عن نفسي أكثر.

– أرجو أن تفعل!

 

ضحك ضحكة خفيفة، ثم رفع ثلاثة أصابع من يده في مواجهتي:

– أنت تحب ثلاثاً: الله تعالى، وأنواعاً معينة من البشر، والكثير من الأشياء..

أنت حاولت أن تعرف الله.. كنت في البداية تعبده لأن والديك كانا يفعلان، فقط، لكنك عرفته أكثر بمرور الوقت.. ربما لا تعرفه تماماً ولكنك عرفتَ ما يكفي لكي تحبه، وهي الخطوة الأولى الصحيحة في طريقك إليه، وحبك له هو الأساس وفوق كل شئ، وعليك أنت أن تحب كل شئ لأجله، لأنه هو الذي خلق كل شئ..!

أنت تحب الناس، الكثير منهم ربما، وتجد صعوبة في أن تكره أحداً.. تحب أسرتك وتحب أصدقاءك ربما كما تحب أسرتك، وتحب الأطفال وتحب الأخيار من الناس عموماً.. تحب بعض الناس لوجود رباط روحي بينك وبينهم كأسرتك والكثير من أصدقائك، وتحب الجنس الآخر –أو لنسمّه ميلاً أولياً فحسب؟- لأنها فطرة داخلك، وتحب كثيراً من الناس لأنك لا تجد حلاً آخر..!

كذلك تحب الكثير من الأشياء، متعلقاتك الشخصية بشكل خاص، تخلص لها في الحب حتى لتضعها في منزلة الأصدقاء، وتلك ليست صلة روحية بالطبع.. يمكنك أن تسميه اعتياداً أو حتى محاولة منك للإئتناس بتلك المتعلقات حين تكون وحيداً.. وهي محاولة جيدة، لكنها لن تغنيك عن دفء الصحبة البشرية بالطبع..

 

ثم ضمّ أصابعه من جديد، وتابع:

– أنت تحب بسخاء وبلا حدود يا عزيزي.. وهذا في حد ذاته أمر يجعلك تحبّ نفسك! أنت نفس تحب الله والناس وكل شئ، وتحبني أنا، بل وتعتقد أن العالم لا ينقصه ليكون عالماً فاضلاً رائعاً إلا أن يحبّ كل شخص كل شخص وكل شئ..

صدقني.. أنت شخص رائع، وإن لم تحب نفسك فأنت ظالم أو كمن لا يرى الشمس.. جسدي هذا لا يحوي سوى خلية واحدة من حبك لنفسك وهي بالكاد تحييني.. أرجوك، حاول أن تحبّ نفسك أكثر، حاول ألا تكرهها، فـ"الكراهية" هي عدوّي الأول والسمّ الذي يقتلني بطيئاً.. حتى وإن كنتَ تحب غيرك فستجد حبك لهم يفنى بكراهيتك لنفسك، لأنك حينها ستفقد ثقتك بأن هؤلاء يستحقون حبك بينما هم يستحقونه وأكثر!

 

اتسعت عيناي لدى سماع هذا الكلام، ثم حين فكرتُ فيه وجدته معقولاً وصحيحاً تماماً.. صحيح، الكراهية مهما قلّت تقتل الحب كل الحبّ بطيئاً، كسمّ زعاف لا يكتفي من الجسم بالمعدة..

حينها ابتسمت ابتسامة خفيفة، وتساءلت:

– لا أستطيع إلا أن أوافقك.. لكن.. ما الذي في نفسي يجعلني أحبه؟

* الكثير! أحبّ نفسك لأنها من جميل خلق الله، لأن خالقها هو الله الذي تحبه، حبها لأنها تحبّ الله ولأنك تحبه، لأنها تحب الناس والأشياء، لأنها قادرة على رؤية الجمال في كل شئ، لأنك مؤمن بشئ أو بالعديد من الأشياء.. ألا يكفي هذا لأن تحبها أكثر..؟  

ابحث داخل نفسك يا عزيزي واستكشفها وافهمها تماماً، التقِ بمشاعرك الأخرى واسألها فيما تحب أن تعرف عنها وحاول أن تصل لفهم كامل لها ولنفسك من بعد.. وصدقني، ستجد ألف سبب لتحب نفسك تلك التي تكاد أن تكرهها.

 

ثم تراجع خطوة، وتابع:

– ربما لن تتغير نظرتك لنفسك في لحظة، لكن أرجو –وربما أظن- أن حديثنا هذا سيترك أثراً ما في نفسك.. وحقاً، أتعشم أن يتحسن الوضع.. لا أريد أن أموت، ولا أريدك أنت أن تموت بعدي..!

صمتُّ لحظة، ثم ابتسمت:

– حسناً.. أظنك كنت محقاً في كل كلمة قلتها، ولا تخف، فربما لن يخيب ظنك الحسن بي..!

اتسعت ابتسامته بينما بدأ جسده يفقد تماسكه تمهيداً لعودته إلى نقاط زرقاء من جديد، بينما ازداد صوته عمقاً:

– وكما قال لك "الخوف" و"الغضب" من قبلي: حاول أن تلتقي بـ"الإيمان" قريباً جداً.. ولتعلم أن علاقتي به وطلبي منك أن تلتقيه ليس مثل "الخوف" و"الغضب".. علاقتي بـ"الإيمان" أوثق مما تتخيل، فأنت إن أحببت شيئاً آمنت به حتى النخاع، وإن آمنت بشئ اخترت أن تؤمن به بعقلك فلسوف تجد نفسك تحبه رغماً عنك.. هكذا هو الأمر بيني أنا وهو.

* سيحدث يوماً ما بالتأكيد، لا تخف.

– لستُ أخاف سوى أن أموت قبل ذلك الحين..! لن تستطيع أن تلتقي بـ"الإيمان" إلا إذا كنت تملكني داخلك!

* أعلم هذا تماماً، لا تخف على نفسك داخلي.. لن تموت بهذه السهولة أبداً، وحتى إن متُّ أنا فربما تبقى أنت حياً أكثر مني..!

بدا أنه سمع هذا فظهرت على وجهه ابتسامة اختفت سريعاً مع تفتت وجهه وباقي جسده إلى نقاط زرقاء، عاد كل منها إلى مكانه الأصلي..

 

 

بعد أن انتهى كل هذا، التفتُّ إلى (الوطواط) الذي ظلت ملامحه جامدة، وسألت:

– ما رأيك يا هذا؟

لم يقدّم جواباً على الإطلاق، فقط أشار بيده نحو المرآة دون كلمة ففهمت ما يريد، فتوجهت إلى المرأة لأنظر فيها مجدداً..

وكانت الصورة هذه المرة أفضل كثيراً وإن كانت ما تزال مشوشة بعض الشئ.. بدا عليّ الامتعاض بعض الشئ فبادرني (الوطواط):

– لا تتعجل الأمور.. الصورة لن تتحسن كلياً في لحظة كما كنت تظن، عليك أن تحاول أكثر لتجعل هذه الصورة أفضل.. ولا تظن أن هذا غير ضروري، فأقلّ تشوش في هذه الصورة قد يشوهها من جديد، وسيُبقي هذا العالم في فوضى كما هو.. فلا تنسَ!

اندهشتُ إذ وجدته يسدي إليّ النصح على غير عادته فقلت:

– حسناً.. لكن.. ما بالك؟ ليس من عادتك اسداء النصائح..!

ابتسم دون معنى:

– لا أدري.. أردتُ ذلك فحسب.. ألديك مانع؟؟

* بالطبع لا.. شكراً لك على أي حال..

أشاح بوجهه بعيداً مخفياً انفعاله عني فابتسمت، ثم قلت له بينما أبحث عن باب ما للخروج:

– لا تبدو في مزاج جيد، لذا سأرحل الآن قبل أن تطردني..!

* لا أستطيع طردك، هو عالمك على أيّ حال..

بالمناسبة: ما زلتَ تثبت لي أنك خصم غير سهل يا فتى.. حتى القوة الناعمة لم تجدِ معك نفعاً، ظننتُ أن حوارك مع "الحب" قد يجعل حالتك أسوأ، لكنك قلبت الطاولة على رأسي كالعادة..!

ابتسمتُ ظافراً، فتابع:

– ولكني أيضاً لستُ خصماً سهلاً ولا أستسلم أبداً كما تفعل أنت أحياناً.. لذا يجدر بك أن تستعد لجولة قادمة!

ثم فتح الكتاب السميك –الذي كان ما يزال يحمله- واقتطع منه ورقة أخرى ألقاها في الهواء فكبرت واتسعت عدة أضعاف، ثم تحولت إلى فتحة كبيرة في الفراغ أشبه بباب متوسط الاتساع أشار إليه قائلاً في جمود:

– هذا هو الباب.. عد إلى وعيك الآن واستعد للجولة الآتية، ولعلها تكون قريباً!

توجهت نحو الباب دون كلمة أخرى، بينما أشير له بيدي مودعاً قبل أن ألج في الباب، عائداً إلى وعيي الذي أحاول استعادته كاملاً منذ زمن بعيد.. ومتخذاً الخطوة الأولى في الاستعداد لجولة قادمة..!

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s