حين نظرتُ للعالم من أعلى.. (نصّ.. من مفكرتي الشخصية)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

عند القمة وقفت..

 

كنتُ وحدي، أنظرُ إلى العالم..

 

لكن.. لِمَ أجدُ هذه النظرة..

 

متدانية.. غير متعالية..؟

 

كأنما صرتُ – حين وصلت-

 

أدنى.. لا أعلى..!

 

الآن.. وهنا..

 

لم أعد أرى تفاصيل..

 

بل كل شئ.. وهذا محزن..

 

لأنني..

 

فقدتُ الشئ الوحيد الباقي..

 

وجودي..!

 

 

******

 

إلى القمة وصلت.. ولم يكن هذا بمكاني..

 

لذا فقدتُ بشريّتي..

 

صرتُ.. نصف إله.. شائه..!!

 

لم تعد هناك من تفاصيل.. من بشر..

 

من بشريّة كنتُ أملكها يوماً..

 

صرتُ.. نصف إله.. شائه..!!

 

فقدتُ كل شئ.. بل أضعته..

 

وصلتُ للقمة.. ومن أعلاها رميتُ بكل شئ..

 

ولم يعد معي من شئ..!!

 

صرتُ..

 

نصف إله..

 

شائه..!!

 

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

الصالون الأدبي الطنطاوي 35 – عن دور المثقفين في قضايا الشعب مع د. أيمن نور

بسم الله الرحمن الرحيم

 

13

بالأمس 12 نوفمبر كانت إحدى أهم جلسات الصالون على الإطلاق، تلك التي كان ضيفها واحداً من أهم القيادات السياسية والحزبية في مصر د. أيمن نور مؤسس ورئيس حزب الغد، والتي كانت نقاشاً عن دور المثقفين تجاه قضايا الشعب الحالية بإدارة طارق عميرة، والتي كان ضيوفها مجموعة رائعة من النشطاء السياسيين والصحفيين والمثقفين والشباب المهتم بالأدب بالدلتا :)

 

بدأت الجلسة بالأمس عند حوالي السادسة والنصف بسبب تأخر الدكتور في الوصول بسبب زحام الشوارع (^^") وقد كان من الحاضرين (غير العبد لله) الدكتور أيمن نور والأستاذ وليد كساب الكاتب الصحفي بالدستور (الأصلي) والأستاذ عطيّة النحاس والأستاذ شوقي رجب الناشط بحزب العمل والأستاذ مصطفى أبو الروس عضو مجلي محلي طنطا والأستاذة ياسمين الفخراني المتقدمة بقضية (مدينتي) مع والدها المهندس حمدي الفخراني،و محمد السيد أبو سنة وأحمد رسلان وأحمد شرف الدين ومحمد عبد الحليم وأسامة غزال (مظلوم في علوم) وعلي حسام الدين وأحمد سالم ومحمود الحنفي، وغادة محسن وتيسير الجوخي ومروة شوقي، وغير هؤلاء ممن لم يتسنّ لي تسجيل أسمائهم أو التعرف عليهم بعد للأسف ^^"

 

وإليكم عرضاً لأحداث الجلسة مع صور بكاميرا أحمد رسلان وبتصويري وبعض الأصدقاء الآخرين :)

 

22

 

بدأت الجلسة حال وصول الدكتور أيمن، وقد بدأت بمقدمة من طارق عن موضوع الجلسة وعن دور المثقفين تجاه قضايا الشعب الحالي كنهب أراضي الدولة وتزوير الانتخابات، فبدأ الدكتور أيمن يتحدث بإيجاز عن قضية (مدينتي) ذاكراً أنه لم يجد الكثيرين من مثقفي مصر –على كثرتهم- يكتبون عن هذه القضية اللهم إلا عدداً قليلاً، فردت عليه الأستاذة ياسمين الفخراني بقولها أن هناك الكثيرون ممن كتبوا عن هذا الأمر إلا ان غالبية ما كتبوه لم ينشر، فردّ الدكتور أيمن بترحيب بها وبكل الحاضرين، وتحدث عن مؤتمر الجمعية الوطنية للتغيير الذي كان مخططاً له حضوره بالأمس بنقابة أطباء طنطا، ثم تحدّث عن أهمية تواصله (لكون من جيل أسبق لجيل الشباب) مع الأجيال الجديدة وعن أهمية التواصل بين المثقفين والمهمومين من أبناء الشعب.

 

8

 

كما تطرق في الحديث إلى المثقفين المصريين فوصفهم بأنهم أخون ما في مصر وبأن أفراد الشعب العاديين أفضل منهم، ثم تفرع حديثه إلى الحديث عن الانتخابات في مصر وعن تاريخ تطورها خاصة في انتخابات مجلس الشعب حتى وصلت إلى شكلها الحالي، وأكّد أنه لا المثقفون ولا الأحزاب السياسية كان لها أي دور في ذلك التطور وإنما كان المتسبب في هذا كله فرد بعينه وحزب بعينه (!)

 

تطرق في كلامه إلى الحديث عن التغيير والقادرين على إحداثه، ونفى قدرة النخبة الحالية من المثقفين ورجال الفكر على إحداث ذلك التغيير لكون نواتهم غير صالحة، بينما النخب السليمة ذات الرؤية السليمة لا تلعب دورها كما يجب، كما ونفى صحة فكرة (التغيير من الداخل) حيث أنها كانت فكرة أثبتت فشلها فيما مضى، حيث صار من حاولوا القيام بها فاسدين هم أنفسهم!

 

تقدّم الأستاذ وليد كساب بمداخلة كانت سؤالاً للدكتور أيمن عن الفرق في رؤيته في فترة سجنه وما قبلها، فأجاب الدكتور بأن رؤيته داخل السجن كانت أوضح كثيراً، ووصف السجن بأنه كأنه أكبر كتاب قرأه في حياته، وتحدث عن فتراته الأولى في السجن تلك التي كانت –حسب وصفه- كئيبة مرعبة، ثم فقدت رهبتها بعد الاعتياد عليها، وقال بأن رؤية أغلب الناس للسجن خاطئة، وأن الحر حر ولو داخل السجن وأن السجين سجين ولو خارجه! كما تحدث عن زيارة مسؤول مهم له داخل السجن وعن الحوار الذي دار بينهما والذي ظهر منه رهبة حكومية من أيمن نور فهو –حسب وصف المسؤول- كالأسد قوي مرهوب لا يخيفه أو يمنعه السجن ولا تؤمن أفعاله إذا تُرِك طليقاً.

 

7

 

تحدث الدكتور كذلك عن الدكتور محمد البرادعي ووصفه بأنه رمز وقيمة مهمة للمصريين، ونفى رغبة البرادعي في الترشح للرئاسة منذ اللحظة الأولى، وأكد تأييده بشدة للدكتور البرادعي –رغم عدم اتفاقه معه في البداية- وأشار إلى تطور الخطاب السياسي للدكتور البرادعي بسبب فهمه ورؤيته الأفضل لمصر بعد عودته إليها. إلا أن الدكتور أيمن تقدم بنصيحة للجميع بألا يراهنوا على دور أحد في الإصلاح والتغيير بل أن يراهنوا على أدوار أنفسهم فقط، وأكد أن التغيير سيكون قريباً جداً بإذن الله (في ردّ على سؤال لتيسير الجوخي)، غير أنه أكد على أهمية التغيير الديمقراطي حيث أن التغيير أحياناً قد يأتي بالأقل عقلاً وقدرة على التغيير والإصلاح.

 

 

تطرق الحوار كذلك إلى الحديث عن الحركة الطلابية وأهميتها والتي ضعفت كثيراً بعد التعديلات الدستورية في السبعينات، وعن عظمة الشعب المصري والتي ضرب بها مثلاً مظاهرات طلاب الجامعة الأمريكية في فترة ضرب واحتلال العراق حيث أن فعلاً كهذا يدل على اهتمامهم ووعيهم الكامل بالقضايا الكبرى عكس ما هو متوقع منهم.

 

أكد الدكتور أيمن كذلك على أهمية وجود معارضة قوية فاعلة حرة لا كالمعارضة الحالية المتمثلة في كثير من الأحزاب السياسية الموجودة حالياً، وذكر أن صوت وحسّ المعارضة الحقيقي متمثل حالياً في شباب الفيس بوك وتويتر (وخصني بالإشارة حينها :)) ) وفي الشعب وخصّ بالذكر هنا سائقي التاكسي! ^^

 

قرب نهاية الجلسة حذّر الدكتور أيمن من أن مصر في هذه الفترة لا تتقدم بل تتراجع للخلف إلى ما يشبه فترة الستينات، منبهاً أن الأمل في هذا التقدّم والتغيير سيكون في جيلنا نحن الشباب، وأنه من واجبنا فعل الكثير جداً تجاه هذا.

 

انتهت الجلسة لهذا الأسبوع عند حوالي السابعة والنصف، على وعد من الدكتور أيمن بتكرار الزيارة لطنطا مرة أخرى والاجتماع بالشباب في الصالون الطنطاوي في وقت قريب إن شاء الله :)

 

صور متنوعة

 

1

4

16

26

28

29

30

31

 

 

في الواقع كانت الجلسة فعلاً عودة قوية للصالون الأدبي ومن أفضل ما حضرتُ والشباب ضمن جلسات الصالون، كان النقاش فيها قوياً جداً وجميلاً أضاف لمعلوماتي –على الأقل- الكثير، كما سعدت وسعدنا جميعاً برؤية الدكتور أيمن :)

 

وأشكر جميع من حضروا وبخاصة الدكتور أيمن نور والأستاذ وليد كساب والأستاذ شوقي رجب وشباب الصالون الطنطاوي، وأعتذر عن أي خطأ أو سهو حدث في تسجيلي لأحداث الصالون، فإن كان هناك من سهو فهو مني أو من الشيطان.. ^^

ولنا لقاء آخر بإذن الله في جلسة أخرى من الصالون الأدبي :)

 

شكراً..

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

شيخوخة – أنطون تشيكوف

شيخوخة (قصة قصيرة)

أنطون تشيكوف – ترجمة: محمد الوكيل

 

cemetery-grave-yard-eerie

 

 

وصل أوزيلكوف، المهندس المعماري برتبة مستشار مدني، إلى بلدته الأصلية التي كان قد دُعِيَ لزيارتها لترميم الكنيسة المقامة في المقابر. كان قد وُلِدَ في البلدة ودرس في مدرستها، وترعرع وتزوّج فيها، لكنه تعرّفها بكثير من العسر حين هبط من القطار.

كان كل شئ قد تغيّر.. فقبل ثمانية عشر عاماً قبل انتقاله إلى بطرسبرج، كان الأطفال اللاهون في الشارع –على سبيل المثال- يتسلون بصيد المرموط في المنطقة التي يقف فيها مبنى المحطة الآن، كذلك سيرى السائر في الشارع الرئيسي في مواجهته مباشرة فندقاً ذا أربعة طوابق، مقاماً مكان سور رمادي قبيح كان يحتل ذاك المكان فيما مضى. لكن لم يكن التغير الذي طرأ على البيوت والأسوار كمثل الذي طرأ على الناس.. عرف أوزيلكوف من خلال أسئلته لنادل الفندق أن أكثر من نصف الناس الذين ما يزال يتذكرهم قد ماتوا أو أكلهم الفقر أو غابوا في النسيان.

 

 

سأل أوزيلكوف النادل العجوز عن نفسه قائلاً:

– “وهل تذكر أوزيلكوف؟ أوزيلكوف المهندس المعماري الذي طلّق زوجته؟ كان يملك منزلاً في شارع سفيربيفيسكي.. لابد أنك تذكره.”

* “لا أتذكره يا سيدي”.

– “كيف لا تتذكر؟ تلك القضية أثارت الكثير من الضجة، حتى سائقو الزلاجات جميعاً كانوا على علم بها. حاول أن تتذكر! المحامي شابكين هو الذي رتّب لي إجراءات الطلاق، ذلك الوغد.. ذلك الغشاش في الورق سيئ السمعة الذي هُزِمَ شرّ هزيمة في النادي..”

* “إيفان نيكولايتش؟”

– “نعم نعم.. ألا يزال حياً؟ هل مات؟”

– “حيّ يا سيدي والحمد لله. إنه الآن كاتب عدل ويمتلك مكتباً وثري جداً. لديه منزلان في شارع كيربيتشني.. زفاف ابنته كان بالأمس”.

 

 

ذرع أوزيلكوف الغرفة جيئة وذهاباً، وفكر قليلاً، ثم بدافع ملله قرر أن يذهب لزيارة شابكين في مكتبه. كان اليوم قد انتصف حين خرج من الفندق وتمشّى الهوينى تجاه شارع كيربيتشني.. ووجد شابكين في مكتبه، وتعرّفه بالكاد. فشابكين المحامي الداهية المتغطرس دائم السُكر صاحب العربة، قد تحوّل إلى رجل عجوز رمادي الشعر متواضع قعيد.

بدأ أوزيلكوف بالكلام:

– “لا تتعرفني.. لقد نسيتني. أنا عميلك القديم أوزيلكوف.”

* “أوزيلكوف؟ أوزيلكوف من؟ آه!”

تذكّره شابكين وتمكن من التعرف على ملامحه وتفاجأ بشدة، ثم بدأ يمطره بوابل من الأسئلة والتعجبات والتذكّرات.

 

 

ثرثر شابكين قائلاً:

– “هذه مفاجأة! هذا غير متوقع! ماذا يمكنني أن أقدّم لك؟ هل لك في بعض الشمبانيا؟ ربما تفضل المحار؟

  صديقي العزيز، أفضالك عليّ في سابق أيامك هنا أكثر من أجد لها مقابلاً أقدمه لك في هذه المناسبة.”

قال أوزيلكوف:

– “لا تتعب نفسك. لا وقت لديّ أضيعه، عليّ التوجه إلى المقابر من فوري وفحص الكنيسة هناك، فقد كُلِّفتُ بترميمها.”

* “رائع! سنتناول وجبة خفيفة وشراباً ثم نذهب إلى هناك بالعربة، ولديّ جياد ممتازة. سآخذك إلى هناك وأقدّمك إلى حارس الكنيسة. سأرتب كل شئ بنفسي..

لكن لِمَ تبدو خائفاً مني وتبعد نفسك عني مسافة ذراع يا عزيزي؟ اقترب قليلاً! لا داعي لأن تخاف مني الآن. هي هي! صحيح أنني كنتُ في وقت ما داهية حقيقياً وشخصاً حقيراً ككلب.. لم يكن أحد ليجرؤ على التعامل معي، لكني الآن صرتُ أهدأ من الماء وأكثر وضاعة من الحشائش. كبرتُ في السن وصرتُ ربّ أسرة ولديّ أطفال. كان يفترض بي أن أكون ميتاً منذ زمن.”

تناول الصديقان الغداء وبعض الشراب معاً، وركبا العربة يجرها حصانان إلى خارج البلدة حيث المقابر.

 

 

بدأ شابكين يسترجع الذكريات بينما يجلس على الزلّاجة:

– “يا لها من أيام! حين يتذكرها المرء لا يُصدّق أنه عاشها. أتذكر كيف طلّقت زوجتك؟ كان هذا منذ عشرين عاماً تقريباً، وأجرؤ على القول أنك قد نسيت كل شئ عن هذا، لكني أذكر الأمر تماماً كأنّما أتممتُ إجراءات طلاقك بالأمس.

يا إلهي الرحيم، يا للقلق الذي كان يتملكني حيال هذا الأمر! كنت أيامها شخصاً حاذقاً ومخادعاً وماكراً.. شخصية متهورة.. في بعض الأحيان كنت أتحرق شوقاً للقيام ببعض الأعمال الخطرة خاصة وإن كان المكسب منها جيداً، كما في حالتك أنت على سبيل المثال. كم دفعتَ لي حينها؟ خمسة أو ستة آلاف! كان هذا المبلغ يستحق خوض المشاكل لأجله، صحيح؟

ذهبت أنت إلى بطرسبرج وتركت الأمر كله في يدي لأفعل كل ما بوسعي. ورغم أن زوجتك صوفيا ميهايلوفنا ابنة أسرة من التجار، إلا أنها متغطرسة ومتكبرة. كانت محاولتي لرشوتها حتى تتحمل هي الذنب في القضية صعبة.. صعبة جداً! كنت أذهب إليها للتفاوض، وكانت بمجرد أن تراني تنادي خادمتها: “ماشا، ألم أطلب منكِ ألا تسمحي لهذا الوغد بالدخول؟!”

حاولت كل شئ.. كتبتُ لها خطابات ودبرتُ خططاً للقائها مصادفة.. بلا جدوى! اضطررتُ للتعامل معها من خلال شخص ثالث. خضتُ الكثير من المشاكل معها لوقت طويل، وقد استسلمتْ فقط حين وافقت أنتَ على أن تمنحها عشرة آلاف.. لم تتمكن من مقاومة العشرة الآف ولم تتماسك.. بكت وبصقت في وجهي، لكنها وافقت. تحملت هي الذنب!”

قال أوزيلكوف:

– “ظننتها تلقت مني خمسة عشر ألفاً، لا عشراً”.

أجاب شابكين مرتبكاً:

– “نعم نعم.. خمسة عشر ألفاً.. لقد أخطأت.. لكن.. الأمر كله انتهى ومضى ولا جدوى من إخفاء الحقيقة. أنا أعطيتها عشرة آلاف واحتفظت بخمسة لنفسي.. خدعتكما أنتما الاثنين.. الأمر كله انتهى ولا جدوى من الشعور بالخزي. لكن حقاً، احكم أنت بنفسك يا بوريس بتروفيتش، ألم تكن أنت الشخص الوحيد الذي أحصل منه على المال..؟ أنت كنت شخصاً ثرياً وكان لديك كل شئ أردته.. زواجك كان نزوة فارغة وكذلك كان طلاقك. كنت تكسب الكثير من المال.. أذكر أنك ربحت حوالي عشرين ألفاً في عقد واحد. من كنتُ سأجتزّ لو لم أجتززك أنت؟ عليّ أن أعترف أنني كنتُ أحسدك، فحين كنتَ تحصل على أي شئ كانوا يرفعون لك القبعات احتراماً، بينما كانوا كانوا يضربونني أقسى الضرب من أجل روبل واحد ويصفعونني على وجهي في النادي..

لكن مهلاً.. لماذا أتذكر هذا كله؟ حان الوقت لنسيانه.”

* “أرجوك أخبرني، كيف عاشت صوفيا ميهايلوفنا بعد ذلك؟”

– “بآلافها العشرة؟ للأسف يعلم الله وحده ماذا حدث.. ربما فقدت عقلها، أو عذبها كبرياؤها وضميرها على بيعها لكرامتها، أو ربما كانت تحبك.. لكن أتعلم؟ كانت قد بدأت تدمن شرب الخمر.. بمجرد أن تلقت المال ركبت عربة مع بعض الضباط. كان ذلك سكراً، تبديداً، فسقاً.. حين ذهبت إلى مطعم مع الضباط لم ترضى بشرب “البورت” أو بشرب أي شئ خفيف، بل كانت تشرب “براندي” ثقيلاً ومشروبات قوية أخرى لتخدّرها.”

* “نعم، كانت غريبة الأطوار.. اضطررتُ كثيراً لأن أتحمل أفعالها.. كانت أحياناً تشعر بالإهانة من أقل الأشياء وتبدأ بالهستيريا.. وماذا حدث بعد؟”

– “مر أسبوع وآخر.. كنتُ جالساً في منزلي أكتب شيئاً. فجأة انفتح الباب ودخلت هي.. كانت مخمورة. قالت لي: “خذ مالك الملعون” ثم رمت في وجهي لفافة من الأوراق النقدية.. لم تتمكن من تحمل الوضع. التقطتُ الأوراق النقدية وعددتها، كانت العشرة الآف ناقصة خمسمائة، وهذا يعني أنها تمكنت من إنفاق خمسمائة فقط وبالكاد.”

* “وأين احتفظت بالمال؟”

– “هذا كله صار ماضياً.. لم يعد هناك من سبب لإخفائه الآن.. المال في جيبي بالطبع! لِمَ تنظر إليّ هكذا؟ انتظر حتى تسمع ما سيلي.. إنها قصة معتادة وحالة مرضيّة. بعد ما حدث بشهرين كنتُ عائداً إلى منزلي ذات ليلة في حالة سكر فظيعة.. أشعلتُ شمعة، ويا للمنظر الذي رأيته! صوفيا ميهايلوفنا كانت جالسة على أريكتي، وكانت مخمورة أيضاً وفي حالة مزرية، كانت تبدو شرسة كأنما هربت لتوّها من مستشفى المجاذيب. قالت: “أعد إليّ مالي. لقد غيرتُ رأيي، وإن كنتُ سأؤول إلى الخراب فلأفعلها على أكمل وجه، ولسوف أنغمس في لذاتي حتى النهاية! أسرع أيها الوغد، أعد إليّ مالي!”..

كان مشهداً مخزياً! ”

* “وهل.. أعدته إليها؟”

– “أعدتُ إليها عشرة روبلات كما أذكر.”

هتف أوزيلكوف مقطّباً:

– “أوه! كيف فعلت ذلك؟! كان عليك أن تكتب إليّ لو لم تستطع أو لم ترد أن تعيد المال إليها.. وأنا لم أكن أعلم! لم أكن أعلم!”

* “صديقي العزيز، أي فائدة كانت ستحدث من كتابتي إليك، باعتبار أنها كتبت إليك بنفسها حين كانت راقدة في المستشفى بعدها؟”

– “نعم، لكني كنتُ مشغولاً بشدة في زيجتي الثانية. كنتُ في دوامة ولم يكن لديّ بال رائق لقراءة الخطابات.. لكنك كنتَ غريباً، ولم تكن تحمل كراهية ما لصوفيا.. لِمَ لم تمدّ لها يد المساعدة..؟”

* “لا يمكنني الحكم في هذا بمعايير هذه الأيام يا بوريس بتروفيتش.. هذه هي نظرتنا لمثل هذا الموقف الآن، لكن في ذلك الحين كنا ننظر للموقف بشكل مختلف تماماً.. الآن ربما كنتُ لأعطيها ألف روبل، لكن في ذلك الحين أنا لم أعطها الروبلات العشرة دون جدوى. كان ذلك أمراً كريهاً! علينا أن ننسى ذلك.. ها قد وصلنا..”

 

 

توقّفت الزلاجة عند بوابة المقابر. هبط أوزيلكوف وشابكين من الزلاجة ودخلا من البوابة ليسيرا في طريق مشجر طويل متسع. كانت أشجار الكرز الجرداء وأشجار السنط والصلبان الرمادية وشواهد القبور مفضضة بصقيع أشبه بشيبة الشعر، وكانت كل حبة من الثلج تعكس ضوء اليوم الساطع المشمس. كان المكان معبقاً بتلك الرائحة دائمة الوجود في المقابر، رائحة البخور والأرض المحفورة حديثاً..

قال أوزيلكوف:

– “لدينا مقابر جميلة. ما أروعها من حديقة!”

* “نعم، لكن للأسف اللصوص يسرقون شواهد القبور باستمرار..

هناك، خلف ذلك النُصُب التذكاري الحديدي، دُفِنت صوفيا ميهايلوفنا. هل تود أن تلقي نظرة؟”

 

 

استدار الصديقان إلى اليمين وسارا عبر الثلوج العميقة نحو النُصُصب التذكاري الحديدي. قال شابكين مشيراً إلى لوح صغير من الرخام الأبيض:

– ” ها هو ذا. أحد الضباط وضع هذا الحجر على قبرها.”

خلع أوزيلكوف قبعته ببطء كاشفاً لأشعة الشمس عن رأسه الأصلع. نظر إليه شابكين ثم خلع قبعته بدوره، والتمعت رقعة صلعاء أخرى في ضوء الشمس. كان السكون سائداً في كل المساحة حول القبر كأنما الهواء ميت هو الآخر. نظر الصديقان إلى القبر وتفكّرا ملياً دون أن ينبسا ببنت شفة.

قال شابكين قاطعاً حبل الصمت:

– “إنها راقدة في سلام. الآن لم يعد تحملها للذنب وشربها “للبراندي” يعني لها أي شئ. عليك أن تعترف بهذا يا بوريس بتروفيتش..”

سأله أوزيلكوف مكفهر الوجه:

– “أعترف بماذا؟”

* “بهذا.. مهما كان الماضي كريهاً فقد كان أفضل من هذا.”

وأشار شابكين إلى شعره الرمادي.

* “كنتُ قد اعتدتُ على ألا أشغل بالي بالوقت الذي سأموت فيه.. كنتُ أتخيل أنه باستطاعتي الانتصار على الموت إن حدث وتواجهنا.. لكن الآن.. ما النفع من الكلام؟!”

 

 

كان أوزيلكوف مغلوباً بحزنه. شعر فجأة بشوق عارم للبكاء كما كان مشتاقاً للحب، وشعر بأن هذه الدموع كانت لتكون حلوة المذاق منعشة. وجد رطوبة تتسلل إلى عينيه ووجد في حلقه غصة، لكن.. كان شابكين واقفاً بجواره وكان أوزيلكوف خَجِلاً من إظهار ضعفه أمام أحد، فاستدار إلى الخلف فجأة وتوجّه إلى الكنيسة.

فقط بعد ساعتين، بعد تبادله الحديث مع حارس الكنيسة وإطلاعه على مبنى الكنيسة، انتهز لحظة كان فيها شابكين مشغولاً في حديث مع القسّ، وأسرع مبتعداً ليبكي.. تسلل إلى القبر خلسة ناظراً حوله كل لحظة. نظر إليه اللوح الأبيض الصغير بحزن وتفكّر وبراءة كأنما ترقد تحته طفلة صغيرة لا زوجة مُطلّقة كانت خليعة منغمسة في الملذات. فكّر أوزيلكوف:

– “فلتبكِ.. فلتبكِ!”

لكن لحظة البكاء كانت قد فاتت، رغم أن العجوز رمش بعينيه، ورغم أنه حاول استثارة مشاعره إلا أن دموعه لم تنهمر والغصة لم تعد إلى حلقه. بعد أن وقف لمدة عشر دقائق، أومأ أوزيلكوف برأسه في يأس وذهب ليبحث عن شابكين.

 

ترجمة: محمد الوكيل

A.M.Revolution

قضية "فيسبوكية" أخرى..!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

لمحت أثناء تجوالي في شوارع (الفيس بوك) كالعادة رابطاً لمقال ما للأستاذ أحمد العسيلي المذيع والكاتب الشاب المعروف – وهو بالمناسبة أحد كتابي الشباب المفضلين فعلاً – فضغطت الرابط للقراءة غير عالم بموضوع المقال، فإذا به مقال طويل جداً يتناول أمراً أظنه يقضّ مضجعه ويؤلم أعصابه بشدة: (أذكار الفيس بوك)! وأعني هنا التكبيرات والتسبيحات والتحميدات وغيرها من الأذكار الشائعة بين جمهور الفيس بوك في حالاتهم الشخصية..

 

بدا في مقاله ذاك رافضاً لذلك الأمر بشدة، وسببه في ذلك الآتي:

 

" عرفتوا منين على وَجه اليَقين كِده ان اللي يكتب دُعاء بياخد ثواب؟ ليه مايكونش فيه إحتمال انُّه ياخُد إثم على إنّه بيوَرّي الناس إنّه بيِدعي وحاطط يافطة على نَفسُه انُّه مُتَدَيِّن (والله أعلم من الجميع)، وخصوصا ان الدليل على تَدَيُّنُه مش إنّه حافظ القرآن ولا انّه تقي ولا إنُّه وَرِع ولا انّه باين عليه سماحة التديُّن ولا حاجة من الحاجات الكتير دي أبدا لا سَمَحَ الله، بس هُو الحق يُقال مش مقصّر وكُل يوم يكتبلُه كام دُعاء على الفيس بوك! انتو بتهَزّروا ولّا بتتكلّموا جَد؟ "

 

(بالحرف الواحد كما جاء في مقاله)

 

أي أنه يرى ببساطة أن أغلب من يكتب دعاءً أو ذكراً على الفيس بوك هو (بيوري الناس إنه بيدعي وحاطط يافطة على نفسه إنه متدين)، وأن هدف هؤلاء هو فقط اجتذاب الأنظار و(اللايكات) لا كسب الثواب أو تذكير الناس بذكر الله أو مجرد النية الحسنة أو الإعجاب بالدعاء..! ثم إنه يقول متابعاً:

 

" ما فيه مليون طريقة ممكن تاخُد بيها ثواب لمّا تعمل حاجة كويسة أو مفيدة أو مُلهِمة إشمعنى نشر الدُعاء بس اللي شاطرين فيه.. إشمعنى مافيش كُل يوم 1000 واحد بيدخُلوا يكتبولنا عَملوا إيه النهارده مُلهِم أو مُفيد أو ضروري للمُستَقبَل عشان نِعمِل زيُّهُم فياخدوا ثواب برضه.. إشمعنى مابنقولش إشمعنى غير على اللي أوحَش مننا؟ ولمّا اللي عايزين ثواب كُلّهُم قاعدين يتنافسوا في مين حيِبعَت أدعية أكتر، أمّال مين اللي حيِعمِل الحاجات التانية؟ "

 

 

كان هذا ملخص ما جاء في مقاله، ويمكنك قراءة المقال في صفحته بالفيس بوك أو في هذه الصفحة..

 

 

تذكرتُ بعد انتهائي من المقال تعليقاً مماثلاً لصديق لي (الله يمسيه بالخير) على نفس هذا الأمر، كان يرى فيها أن الدعاء يفترض به أن يكون في غرفة مغلقة حيث لا أحد يرى لا على الفيس بوك حيث زر (لايك) موجود.. وأمام هذين التعليقين تذكرتُ مواقف صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً) حيث كان أحدهم يكبّر ويهلل في الأسواق فيكبّر الناس خلفه ويهللون ويذكرون الله بما تيّسر لهم.. قارنت بين الحالتين في سرعة فقلت: سبحان الله! كان الذكر العلني في وقت ما أمراً مستحباً ويفعله كل الناس دون لوم أو نهي، والآن يريد البعض لو يجعلونه (سراً) كأنه عورة أو سبة أو كلام لا يصح!

 

بداية: ذكر الله ليس أبداً عيباً لأي سبب، ولا يعني أن شخصاً ما يذكر الله علناً أنه بالضرورة (بيوري الناس إنه بيدعي وحاطط يافطة على نفسه إنه متدين) أو أنه (مش شاطر غير في نشر الدعاء).. نيّة ذلك الشخص من وضع الذكر هي أمر بينه وبين الله سبحانه وتعالى وحده ولا دخل لمخلوق بها، وعلينا نحن البشر أن نأخذ بالظاهر فقط حتى يتضح لنا العكس، وكذلك أي عمل آخر يقوم به هو أمر بينه وبين الله وحده وثوابه فيه على الله سبحانه، ولا تدري لعله في الحقيقة يعمل عملاً أعظم عند الله مما يتخيل أي شخص..!

والذكر العلني قد يكون بنيّة صادقة من كاتبه في أن يذّكر الناس بذكر الله أو أن يجعل الناس يشاركونه الثواب، نعم ما المشكلة..؟؟ ما يدريك أنه بذلك لا يأخذ ثواباً ولو بسيطاً؟؟ لا أرى عيباً أبداً في أن يقوم شخص ما بأي عمل خير ولو كان بسيطاً، و(خير العمل ما دام وإن قلّ)، المهم طبعاً أن يقوم بغيره من العمل الخيّر كذلك..

ثم ما المانع أن يكون فعلاً قد رأى دعاءً أعجبه فقرر أن يكتبه على الفيس بوك، كما ينقل أي جملة لأحد المشاهير أو جملة من أغنية؟  تذكر أن المطلوب في ستيتس الفيس بوك هو:

What`s In your mind?  ^^

 

 

(بالمناسبة: أذكر أن فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية قد أفتى في قضية مشابهة بأن الذكر العلني لا شئ فيه طالما كانت نية صاحبه خالصة من الرياء.. والنية طبعاً بين الله والعبد كما أسلفت..!)

 

 

 

اممم.. سيقول البعض أن هذا قد يسبب أذى نفسياً ما لمن ليس على ديني (سواءً كان كاتب الذكر/الترنيمة مسلماً أم مسيحياً أو من أي دين آخر)، صحيح؟

إذاً فهي مشكلة المتأذي لا أكثر، طالما أن الكلمات لم تسبب له أذى أدبياً أو حرضت على عنف أو إيذاء مباشر ضده فلا شئ فيها أبداً، ولا أحد ولا قانون يمنعه من أن يتحدث عن دينه وشعائره حيثما شاء وكيفما شاء دون تعصب أو إيذاء.. ومن واجب غيره احترام ذلك حسب كل قانون سماوي ووضعي، فإن لم يفعلوا فهو ليس ذنب دينه أو دينهم، وإنما ذنبهم هم أو مشكلة ما في مجتمعهم هم..!

 

 

الدين لم يكن أبداً أمراً عليك أن تخفيه أو أن تعده في منزلة خصوصياتك، بل هو إنتماء..! كما تفتخر بأنك مصري أو سعودي أو أمريكي، ليبرالي أو شيوعي أو اشتراكي إلخ.. فمن حقك كامل الحق أن تفتخر بأنك صاحب دين واتجاه في الحياة تسير فيه وتعمل لأجله.. ليس الدين هو ما يسبب التعصب والمعارك، وإنما التعصب الآتي من الأفراد أنفسهم مع اختلاف أسبابه، عدم قدرتهم على قبول الآخر مع تنوع الأسباب.. المشكلة ليست في الدين، فلا دين يحرّض على معاداة الأبرياء بلا وجه حق ومن قال غير ذلك دون دليل فهو كاذب! وليس الحل للخلاص من التعصب هو أن (تستعر) من دينك، فسوف ينتقل ذلك التعصب إلى هدف آخر غير الدين (وما الحروب القبلية العصبية بين مصر والجزائر وتونس منكم ببعيد!)..

 

عالجوا التعصب أولاً، عالجوا تلك الأمراض أولاً دام فضلكم..! وأرجوكم، لا تمنعوا الناس من ممارسة أي من شعائر دينهم تحت أي مسمى، وإلا وقعتم في تناقض بين مطالباتكم بالحرية والعدل وبين مطالباتكم بحصر الأديان في (السريات) وحسب!!

 

آه بالمناسبة: لو كنتم تظنون أن ذكر الله علناً رياء، فأرجو أن تتفضلوا بإلغاء الصلوات والقداسات الجماعية والأذانات وأجراس الكنائس –بالمرة-.. أليس من يؤدون كل هذا –بنفس ذلك المنطق- مرائين..؟؟ ^^

 

 

(ملحوظة أخيرة: لمن سيظن أن مقالي أو أفكاري هذه ساذجة أو سخيفة، فأنا آسف لكوني ساذجاً وسخيفاً..! لكن أرجو أن لا تفسد سذاجتي هذه الودّ بيننا :) )

 

 

 

شكراً..

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution