قضية "فيسبوكية" أخرى..!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

لمحت أثناء تجوالي في شوارع (الفيس بوك) كالعادة رابطاً لمقال ما للأستاذ أحمد العسيلي المذيع والكاتب الشاب المعروف – وهو بالمناسبة أحد كتابي الشباب المفضلين فعلاً – فضغطت الرابط للقراءة غير عالم بموضوع المقال، فإذا به مقال طويل جداً يتناول أمراً أظنه يقضّ مضجعه ويؤلم أعصابه بشدة: (أذكار الفيس بوك)! وأعني هنا التكبيرات والتسبيحات والتحميدات وغيرها من الأذكار الشائعة بين جمهور الفيس بوك في حالاتهم الشخصية..

 

بدا في مقاله ذاك رافضاً لذلك الأمر بشدة، وسببه في ذلك الآتي:

 

" عرفتوا منين على وَجه اليَقين كِده ان اللي يكتب دُعاء بياخد ثواب؟ ليه مايكونش فيه إحتمال انُّه ياخُد إثم على إنّه بيوَرّي الناس إنّه بيِدعي وحاطط يافطة على نَفسُه انُّه مُتَدَيِّن (والله أعلم من الجميع)، وخصوصا ان الدليل على تَدَيُّنُه مش إنّه حافظ القرآن ولا انّه تقي ولا إنُّه وَرِع ولا انّه باين عليه سماحة التديُّن ولا حاجة من الحاجات الكتير دي أبدا لا سَمَحَ الله، بس هُو الحق يُقال مش مقصّر وكُل يوم يكتبلُه كام دُعاء على الفيس بوك! انتو بتهَزّروا ولّا بتتكلّموا جَد؟ "

 

(بالحرف الواحد كما جاء في مقاله)

 

أي أنه يرى ببساطة أن أغلب من يكتب دعاءً أو ذكراً على الفيس بوك هو (بيوري الناس إنه بيدعي وحاطط يافطة على نفسه إنه متدين)، وأن هدف هؤلاء هو فقط اجتذاب الأنظار و(اللايكات) لا كسب الثواب أو تذكير الناس بذكر الله أو مجرد النية الحسنة أو الإعجاب بالدعاء..! ثم إنه يقول متابعاً:

 

" ما فيه مليون طريقة ممكن تاخُد بيها ثواب لمّا تعمل حاجة كويسة أو مفيدة أو مُلهِمة إشمعنى نشر الدُعاء بس اللي شاطرين فيه.. إشمعنى مافيش كُل يوم 1000 واحد بيدخُلوا يكتبولنا عَملوا إيه النهارده مُلهِم أو مُفيد أو ضروري للمُستَقبَل عشان نِعمِل زيُّهُم فياخدوا ثواب برضه.. إشمعنى مابنقولش إشمعنى غير على اللي أوحَش مننا؟ ولمّا اللي عايزين ثواب كُلّهُم قاعدين يتنافسوا في مين حيِبعَت أدعية أكتر، أمّال مين اللي حيِعمِل الحاجات التانية؟ "

 

 

كان هذا ملخص ما جاء في مقاله، ويمكنك قراءة المقال في صفحته بالفيس بوك أو في هذه الصفحة..

 

 

تذكرتُ بعد انتهائي من المقال تعليقاً مماثلاً لصديق لي (الله يمسيه بالخير) على نفس هذا الأمر، كان يرى فيها أن الدعاء يفترض به أن يكون في غرفة مغلقة حيث لا أحد يرى لا على الفيس بوك حيث زر (لايك) موجود.. وأمام هذين التعليقين تذكرتُ مواقف صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم جميعاً) حيث كان أحدهم يكبّر ويهلل في الأسواق فيكبّر الناس خلفه ويهللون ويذكرون الله بما تيّسر لهم.. قارنت بين الحالتين في سرعة فقلت: سبحان الله! كان الذكر العلني في وقت ما أمراً مستحباً ويفعله كل الناس دون لوم أو نهي، والآن يريد البعض لو يجعلونه (سراً) كأنه عورة أو سبة أو كلام لا يصح!

 

بداية: ذكر الله ليس أبداً عيباً لأي سبب، ولا يعني أن شخصاً ما يذكر الله علناً أنه بالضرورة (بيوري الناس إنه بيدعي وحاطط يافطة على نفسه إنه متدين) أو أنه (مش شاطر غير في نشر الدعاء).. نيّة ذلك الشخص من وضع الذكر هي أمر بينه وبين الله سبحانه وتعالى وحده ولا دخل لمخلوق بها، وعلينا نحن البشر أن نأخذ بالظاهر فقط حتى يتضح لنا العكس، وكذلك أي عمل آخر يقوم به هو أمر بينه وبين الله وحده وثوابه فيه على الله سبحانه، ولا تدري لعله في الحقيقة يعمل عملاً أعظم عند الله مما يتخيل أي شخص..!

والذكر العلني قد يكون بنيّة صادقة من كاتبه في أن يذّكر الناس بذكر الله أو أن يجعل الناس يشاركونه الثواب، نعم ما المشكلة..؟؟ ما يدريك أنه بذلك لا يأخذ ثواباً ولو بسيطاً؟؟ لا أرى عيباً أبداً في أن يقوم شخص ما بأي عمل خير ولو كان بسيطاً، و(خير العمل ما دام وإن قلّ)، المهم طبعاً أن يقوم بغيره من العمل الخيّر كذلك..

ثم ما المانع أن يكون فعلاً قد رأى دعاءً أعجبه فقرر أن يكتبه على الفيس بوك، كما ينقل أي جملة لأحد المشاهير أو جملة من أغنية؟  تذكر أن المطلوب في ستيتس الفيس بوك هو:

What`s In your mind?  ^^

 

 

(بالمناسبة: أذكر أن فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية قد أفتى في قضية مشابهة بأن الذكر العلني لا شئ فيه طالما كانت نية صاحبه خالصة من الرياء.. والنية طبعاً بين الله والعبد كما أسلفت..!)

 

 

 

اممم.. سيقول البعض أن هذا قد يسبب أذى نفسياً ما لمن ليس على ديني (سواءً كان كاتب الذكر/الترنيمة مسلماً أم مسيحياً أو من أي دين آخر)، صحيح؟

إذاً فهي مشكلة المتأذي لا أكثر، طالما أن الكلمات لم تسبب له أذى أدبياً أو حرضت على عنف أو إيذاء مباشر ضده فلا شئ فيها أبداً، ولا أحد ولا قانون يمنعه من أن يتحدث عن دينه وشعائره حيثما شاء وكيفما شاء دون تعصب أو إيذاء.. ومن واجب غيره احترام ذلك حسب كل قانون سماوي ووضعي، فإن لم يفعلوا فهو ليس ذنب دينه أو دينهم، وإنما ذنبهم هم أو مشكلة ما في مجتمعهم هم..!

 

 

الدين لم يكن أبداً أمراً عليك أن تخفيه أو أن تعده في منزلة خصوصياتك، بل هو إنتماء..! كما تفتخر بأنك مصري أو سعودي أو أمريكي، ليبرالي أو شيوعي أو اشتراكي إلخ.. فمن حقك كامل الحق أن تفتخر بأنك صاحب دين واتجاه في الحياة تسير فيه وتعمل لأجله.. ليس الدين هو ما يسبب التعصب والمعارك، وإنما التعصب الآتي من الأفراد أنفسهم مع اختلاف أسبابه، عدم قدرتهم على قبول الآخر مع تنوع الأسباب.. المشكلة ليست في الدين، فلا دين يحرّض على معاداة الأبرياء بلا وجه حق ومن قال غير ذلك دون دليل فهو كاذب! وليس الحل للخلاص من التعصب هو أن (تستعر) من دينك، فسوف ينتقل ذلك التعصب إلى هدف آخر غير الدين (وما الحروب القبلية العصبية بين مصر والجزائر وتونس منكم ببعيد!)..

 

عالجوا التعصب أولاً، عالجوا تلك الأمراض أولاً دام فضلكم..! وأرجوكم، لا تمنعوا الناس من ممارسة أي من شعائر دينهم تحت أي مسمى، وإلا وقعتم في تناقض بين مطالباتكم بالحرية والعدل وبين مطالباتكم بحصر الأديان في (السريات) وحسب!!

 

آه بالمناسبة: لو كنتم تظنون أن ذكر الله علناً رياء، فأرجو أن تتفضلوا بإلغاء الصلوات والقداسات الجماعية والأذانات وأجراس الكنائس –بالمرة-.. أليس من يؤدون كل هذا –بنفس ذلك المنطق- مرائين..؟؟ ^^

 

 

(ملحوظة أخيرة: لمن سيظن أن مقالي أو أفكاري هذه ساذجة أو سخيفة، فأنا آسف لكوني ساذجاً وسخيفاً..! لكن أرجو أن لا تفسد سذاجتي هذه الودّ بيننا :) )

 

 

 

شكراً..

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

2 thoughts on “قضية "فيسبوكية" أخرى..!

  1. لا بالعكس انا اشاطرك الرأي
    ورديت على المقال في صفحة مما قرأت
    هنا أمرين
    الامر الاول مناقشة ماجاء في المقال نفسه من ان هناك امور شط الكاتب فيها
    مثل الذكر العلني ان يكتب الشخص تسابيح او اذكار ما ليذكر بها غيره لا مضرر في هذا
    ولم يتكلم فيها اي عالم او شيخ فلماذا هذه الصورة التي تستحقها امور اخرى منكره فعلا

    الامر الثاني ماكان ينبغي ابدا هذا الانفعال لهذا الموضوع ولو كان لفت نظر يسير لمسألة واحدة فقط وهي كتابة الادعية ان المستحب للداعي قبل ان يكتب دعاءه
    الا يعتمد على خركات اصابع على الكي بورد
    لوكان يتوجه بقلبه ويستجب لزوم اداب الدعاء ويعتني بحال قلبه اثناء دعاء ربه

    ولاتأخذنا التعامل مع التقنية بتحويل الدعاء من عمل قلبي الى مجرد مشاعر بسيطة تثار لتدفع الاصابع لكتابته على مسنجر او فيس بوك

    فقط هذا هو التوجيه الذي ينيغي ان يقال

    وشكرا جزيلا لك استاذ محمد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s