شيخوخة – أنطون تشيكوف

شيخوخة (قصة قصيرة)

أنطون تشيكوف – ترجمة: محمد الوكيل

 

cemetery-grave-yard-eerie

 

 

وصل أوزيلكوف، المهندس المعماري برتبة مستشار مدني، إلى بلدته الأصلية التي كان قد دُعِيَ لزيارتها لترميم الكنيسة المقامة في المقابر. كان قد وُلِدَ في البلدة ودرس في مدرستها، وترعرع وتزوّج فيها، لكنه تعرّفها بكثير من العسر حين هبط من القطار.

كان كل شئ قد تغيّر.. فقبل ثمانية عشر عاماً قبل انتقاله إلى بطرسبرج، كان الأطفال اللاهون في الشارع –على سبيل المثال- يتسلون بصيد المرموط في المنطقة التي يقف فيها مبنى المحطة الآن، كذلك سيرى السائر في الشارع الرئيسي في مواجهته مباشرة فندقاً ذا أربعة طوابق، مقاماً مكان سور رمادي قبيح كان يحتل ذاك المكان فيما مضى. لكن لم يكن التغير الذي طرأ على البيوت والأسوار كمثل الذي طرأ على الناس.. عرف أوزيلكوف من خلال أسئلته لنادل الفندق أن أكثر من نصف الناس الذين ما يزال يتذكرهم قد ماتوا أو أكلهم الفقر أو غابوا في النسيان.

 

 

سأل أوزيلكوف النادل العجوز عن نفسه قائلاً:

– “وهل تذكر أوزيلكوف؟ أوزيلكوف المهندس المعماري الذي طلّق زوجته؟ كان يملك منزلاً في شارع سفيربيفيسكي.. لابد أنك تذكره.”

* “لا أتذكره يا سيدي”.

– “كيف لا تتذكر؟ تلك القضية أثارت الكثير من الضجة، حتى سائقو الزلاجات جميعاً كانوا على علم بها. حاول أن تتذكر! المحامي شابكين هو الذي رتّب لي إجراءات الطلاق، ذلك الوغد.. ذلك الغشاش في الورق سيئ السمعة الذي هُزِمَ شرّ هزيمة في النادي..”

* “إيفان نيكولايتش؟”

– “نعم نعم.. ألا يزال حياً؟ هل مات؟”

– “حيّ يا سيدي والحمد لله. إنه الآن كاتب عدل ويمتلك مكتباً وثري جداً. لديه منزلان في شارع كيربيتشني.. زفاف ابنته كان بالأمس”.

 

 

ذرع أوزيلكوف الغرفة جيئة وذهاباً، وفكر قليلاً، ثم بدافع ملله قرر أن يذهب لزيارة شابكين في مكتبه. كان اليوم قد انتصف حين خرج من الفندق وتمشّى الهوينى تجاه شارع كيربيتشني.. ووجد شابكين في مكتبه، وتعرّفه بالكاد. فشابكين المحامي الداهية المتغطرس دائم السُكر صاحب العربة، قد تحوّل إلى رجل عجوز رمادي الشعر متواضع قعيد.

بدأ أوزيلكوف بالكلام:

– “لا تتعرفني.. لقد نسيتني. أنا عميلك القديم أوزيلكوف.”

* “أوزيلكوف؟ أوزيلكوف من؟ آه!”

تذكّره شابكين وتمكن من التعرف على ملامحه وتفاجأ بشدة، ثم بدأ يمطره بوابل من الأسئلة والتعجبات والتذكّرات.

 

 

ثرثر شابكين قائلاً:

– “هذه مفاجأة! هذا غير متوقع! ماذا يمكنني أن أقدّم لك؟ هل لك في بعض الشمبانيا؟ ربما تفضل المحار؟

  صديقي العزيز، أفضالك عليّ في سابق أيامك هنا أكثر من أجد لها مقابلاً أقدمه لك في هذه المناسبة.”

قال أوزيلكوف:

– “لا تتعب نفسك. لا وقت لديّ أضيعه، عليّ التوجه إلى المقابر من فوري وفحص الكنيسة هناك، فقد كُلِّفتُ بترميمها.”

* “رائع! سنتناول وجبة خفيفة وشراباً ثم نذهب إلى هناك بالعربة، ولديّ جياد ممتازة. سآخذك إلى هناك وأقدّمك إلى حارس الكنيسة. سأرتب كل شئ بنفسي..

لكن لِمَ تبدو خائفاً مني وتبعد نفسك عني مسافة ذراع يا عزيزي؟ اقترب قليلاً! لا داعي لأن تخاف مني الآن. هي هي! صحيح أنني كنتُ في وقت ما داهية حقيقياً وشخصاً حقيراً ككلب.. لم يكن أحد ليجرؤ على التعامل معي، لكني الآن صرتُ أهدأ من الماء وأكثر وضاعة من الحشائش. كبرتُ في السن وصرتُ ربّ أسرة ولديّ أطفال. كان يفترض بي أن أكون ميتاً منذ زمن.”

تناول الصديقان الغداء وبعض الشراب معاً، وركبا العربة يجرها حصانان إلى خارج البلدة حيث المقابر.

 

 

بدأ شابكين يسترجع الذكريات بينما يجلس على الزلّاجة:

– “يا لها من أيام! حين يتذكرها المرء لا يُصدّق أنه عاشها. أتذكر كيف طلّقت زوجتك؟ كان هذا منذ عشرين عاماً تقريباً، وأجرؤ على القول أنك قد نسيت كل شئ عن هذا، لكني أذكر الأمر تماماً كأنّما أتممتُ إجراءات طلاقك بالأمس.

يا إلهي الرحيم، يا للقلق الذي كان يتملكني حيال هذا الأمر! كنت أيامها شخصاً حاذقاً ومخادعاً وماكراً.. شخصية متهورة.. في بعض الأحيان كنت أتحرق شوقاً للقيام ببعض الأعمال الخطرة خاصة وإن كان المكسب منها جيداً، كما في حالتك أنت على سبيل المثال. كم دفعتَ لي حينها؟ خمسة أو ستة آلاف! كان هذا المبلغ يستحق خوض المشاكل لأجله، صحيح؟

ذهبت أنت إلى بطرسبرج وتركت الأمر كله في يدي لأفعل كل ما بوسعي. ورغم أن زوجتك صوفيا ميهايلوفنا ابنة أسرة من التجار، إلا أنها متغطرسة ومتكبرة. كانت محاولتي لرشوتها حتى تتحمل هي الذنب في القضية صعبة.. صعبة جداً! كنت أذهب إليها للتفاوض، وكانت بمجرد أن تراني تنادي خادمتها: “ماشا، ألم أطلب منكِ ألا تسمحي لهذا الوغد بالدخول؟!”

حاولت كل شئ.. كتبتُ لها خطابات ودبرتُ خططاً للقائها مصادفة.. بلا جدوى! اضطررتُ للتعامل معها من خلال شخص ثالث. خضتُ الكثير من المشاكل معها لوقت طويل، وقد استسلمتْ فقط حين وافقت أنتَ على أن تمنحها عشرة آلاف.. لم تتمكن من مقاومة العشرة الآف ولم تتماسك.. بكت وبصقت في وجهي، لكنها وافقت. تحملت هي الذنب!”

قال أوزيلكوف:

– “ظننتها تلقت مني خمسة عشر ألفاً، لا عشراً”.

أجاب شابكين مرتبكاً:

– “نعم نعم.. خمسة عشر ألفاً.. لقد أخطأت.. لكن.. الأمر كله انتهى ومضى ولا جدوى من إخفاء الحقيقة. أنا أعطيتها عشرة آلاف واحتفظت بخمسة لنفسي.. خدعتكما أنتما الاثنين.. الأمر كله انتهى ولا جدوى من الشعور بالخزي. لكن حقاً، احكم أنت بنفسك يا بوريس بتروفيتش، ألم تكن أنت الشخص الوحيد الذي أحصل منه على المال..؟ أنت كنت شخصاً ثرياً وكان لديك كل شئ أردته.. زواجك كان نزوة فارغة وكذلك كان طلاقك. كنت تكسب الكثير من المال.. أذكر أنك ربحت حوالي عشرين ألفاً في عقد واحد. من كنتُ سأجتزّ لو لم أجتززك أنت؟ عليّ أن أعترف أنني كنتُ أحسدك، فحين كنتَ تحصل على أي شئ كانوا يرفعون لك القبعات احتراماً، بينما كانوا كانوا يضربونني أقسى الضرب من أجل روبل واحد ويصفعونني على وجهي في النادي..

لكن مهلاً.. لماذا أتذكر هذا كله؟ حان الوقت لنسيانه.”

* “أرجوك أخبرني، كيف عاشت صوفيا ميهايلوفنا بعد ذلك؟”

– “بآلافها العشرة؟ للأسف يعلم الله وحده ماذا حدث.. ربما فقدت عقلها، أو عذبها كبرياؤها وضميرها على بيعها لكرامتها، أو ربما كانت تحبك.. لكن أتعلم؟ كانت قد بدأت تدمن شرب الخمر.. بمجرد أن تلقت المال ركبت عربة مع بعض الضباط. كان ذلك سكراً، تبديداً، فسقاً.. حين ذهبت إلى مطعم مع الضباط لم ترضى بشرب “البورت” أو بشرب أي شئ خفيف، بل كانت تشرب “براندي” ثقيلاً ومشروبات قوية أخرى لتخدّرها.”

* “نعم، كانت غريبة الأطوار.. اضطررتُ كثيراً لأن أتحمل أفعالها.. كانت أحياناً تشعر بالإهانة من أقل الأشياء وتبدأ بالهستيريا.. وماذا حدث بعد؟”

– “مر أسبوع وآخر.. كنتُ جالساً في منزلي أكتب شيئاً. فجأة انفتح الباب ودخلت هي.. كانت مخمورة. قالت لي: “خذ مالك الملعون” ثم رمت في وجهي لفافة من الأوراق النقدية.. لم تتمكن من تحمل الوضع. التقطتُ الأوراق النقدية وعددتها، كانت العشرة الآف ناقصة خمسمائة، وهذا يعني أنها تمكنت من إنفاق خمسمائة فقط وبالكاد.”

* “وأين احتفظت بالمال؟”

– “هذا كله صار ماضياً.. لم يعد هناك من سبب لإخفائه الآن.. المال في جيبي بالطبع! لِمَ تنظر إليّ هكذا؟ انتظر حتى تسمع ما سيلي.. إنها قصة معتادة وحالة مرضيّة. بعد ما حدث بشهرين كنتُ عائداً إلى منزلي ذات ليلة في حالة سكر فظيعة.. أشعلتُ شمعة، ويا للمنظر الذي رأيته! صوفيا ميهايلوفنا كانت جالسة على أريكتي، وكانت مخمورة أيضاً وفي حالة مزرية، كانت تبدو شرسة كأنما هربت لتوّها من مستشفى المجاذيب. قالت: “أعد إليّ مالي. لقد غيرتُ رأيي، وإن كنتُ سأؤول إلى الخراب فلأفعلها على أكمل وجه، ولسوف أنغمس في لذاتي حتى النهاية! أسرع أيها الوغد، أعد إليّ مالي!”..

كان مشهداً مخزياً! ”

* “وهل.. أعدته إليها؟”

– “أعدتُ إليها عشرة روبلات كما أذكر.”

هتف أوزيلكوف مقطّباً:

– “أوه! كيف فعلت ذلك؟! كان عليك أن تكتب إليّ لو لم تستطع أو لم ترد أن تعيد المال إليها.. وأنا لم أكن أعلم! لم أكن أعلم!”

* “صديقي العزيز، أي فائدة كانت ستحدث من كتابتي إليك، باعتبار أنها كتبت إليك بنفسها حين كانت راقدة في المستشفى بعدها؟”

– “نعم، لكني كنتُ مشغولاً بشدة في زيجتي الثانية. كنتُ في دوامة ولم يكن لديّ بال رائق لقراءة الخطابات.. لكنك كنتَ غريباً، ولم تكن تحمل كراهية ما لصوفيا.. لِمَ لم تمدّ لها يد المساعدة..؟”

* “لا يمكنني الحكم في هذا بمعايير هذه الأيام يا بوريس بتروفيتش.. هذه هي نظرتنا لمثل هذا الموقف الآن، لكن في ذلك الحين كنا ننظر للموقف بشكل مختلف تماماً.. الآن ربما كنتُ لأعطيها ألف روبل، لكن في ذلك الحين أنا لم أعطها الروبلات العشرة دون جدوى. كان ذلك أمراً كريهاً! علينا أن ننسى ذلك.. ها قد وصلنا..”

 

 

توقّفت الزلاجة عند بوابة المقابر. هبط أوزيلكوف وشابكين من الزلاجة ودخلا من البوابة ليسيرا في طريق مشجر طويل متسع. كانت أشجار الكرز الجرداء وأشجار السنط والصلبان الرمادية وشواهد القبور مفضضة بصقيع أشبه بشيبة الشعر، وكانت كل حبة من الثلج تعكس ضوء اليوم الساطع المشمس. كان المكان معبقاً بتلك الرائحة دائمة الوجود في المقابر، رائحة البخور والأرض المحفورة حديثاً..

قال أوزيلكوف:

– “لدينا مقابر جميلة. ما أروعها من حديقة!”

* “نعم، لكن للأسف اللصوص يسرقون شواهد القبور باستمرار..

هناك، خلف ذلك النُصُب التذكاري الحديدي، دُفِنت صوفيا ميهايلوفنا. هل تود أن تلقي نظرة؟”

 

 

استدار الصديقان إلى اليمين وسارا عبر الثلوج العميقة نحو النُصُصب التذكاري الحديدي. قال شابكين مشيراً إلى لوح صغير من الرخام الأبيض:

– ” ها هو ذا. أحد الضباط وضع هذا الحجر على قبرها.”

خلع أوزيلكوف قبعته ببطء كاشفاً لأشعة الشمس عن رأسه الأصلع. نظر إليه شابكين ثم خلع قبعته بدوره، والتمعت رقعة صلعاء أخرى في ضوء الشمس. كان السكون سائداً في كل المساحة حول القبر كأنما الهواء ميت هو الآخر. نظر الصديقان إلى القبر وتفكّرا ملياً دون أن ينبسا ببنت شفة.

قال شابكين قاطعاً حبل الصمت:

– “إنها راقدة في سلام. الآن لم يعد تحملها للذنب وشربها “للبراندي” يعني لها أي شئ. عليك أن تعترف بهذا يا بوريس بتروفيتش..”

سأله أوزيلكوف مكفهر الوجه:

– “أعترف بماذا؟”

* “بهذا.. مهما كان الماضي كريهاً فقد كان أفضل من هذا.”

وأشار شابكين إلى شعره الرمادي.

* “كنتُ قد اعتدتُ على ألا أشغل بالي بالوقت الذي سأموت فيه.. كنتُ أتخيل أنه باستطاعتي الانتصار على الموت إن حدث وتواجهنا.. لكن الآن.. ما النفع من الكلام؟!”

 

 

كان أوزيلكوف مغلوباً بحزنه. شعر فجأة بشوق عارم للبكاء كما كان مشتاقاً للحب، وشعر بأن هذه الدموع كانت لتكون حلوة المذاق منعشة. وجد رطوبة تتسلل إلى عينيه ووجد في حلقه غصة، لكن.. كان شابكين واقفاً بجواره وكان أوزيلكوف خَجِلاً من إظهار ضعفه أمام أحد، فاستدار إلى الخلف فجأة وتوجّه إلى الكنيسة.

فقط بعد ساعتين، بعد تبادله الحديث مع حارس الكنيسة وإطلاعه على مبنى الكنيسة، انتهز لحظة كان فيها شابكين مشغولاً في حديث مع القسّ، وأسرع مبتعداً ليبكي.. تسلل إلى القبر خلسة ناظراً حوله كل لحظة. نظر إليه اللوح الأبيض الصغير بحزن وتفكّر وبراءة كأنما ترقد تحته طفلة صغيرة لا زوجة مُطلّقة كانت خليعة منغمسة في الملذات. فكّر أوزيلكوف:

– “فلتبكِ.. فلتبكِ!”

لكن لحظة البكاء كانت قد فاتت، رغم أن العجوز رمش بعينيه، ورغم أنه حاول استثارة مشاعره إلا أن دموعه لم تنهمر والغصة لم تعد إلى حلقه. بعد أن وقف لمدة عشر دقائق، أومأ أوزيلكوف برأسه في يأس وذهب ليبحث عن شابكين.

 

ترجمة: محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s