بيني وبين جيتاري..

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دقة..

 

ثم دقّتان..

 

وبضع دقات أخرى..

 

الصدى يتردد في قاعتي الخالية..

 

يردّد اللحن الحزين على أوتاري..

 

لحن حزين..؟

 

نعم..

 

هو لحن لم يعرفه جيتاري قبلاً..

 

أنظرُ إليه.. أسأله:

 

" منذُ متى؟ "

 

لا يجيب..

 

فهو..

 

ليس يتحدث عن نفسه.. أبداً..

 

بل عني.. عن مشاعري.. أفكاري..

 

ولطالما..

 

حكى قصصاً.. أيقظ عقولاً.. حرّك قلوباً..

 

لكن.. كل تلك كانت مني.. لا منه..

 

وأصابعي الآن..

 

تعزف ذاك اللحن الحزين..

 

وهو – ولا شك – يتحدث عنّي..

 

نعم.. هذا حزني.. هذه وحدتي..

 

لكن..

 

هو صديقي.. رفيقي.. حبيبي..

 

وأنا حبيبي.. وحبيبي أنا..

 

لذا.. هذا حزني.. وحزنه..

 

وإذاٍ..

 

فلتستمرّ معزوفتنا..

 

معزوفة حزن طويل.. وحدة بعيدة..

 

بَعْدَ سعادة ومرح طالا..

 

لم نكن نستحقهما.. ربما..

 

لكن.. فليكن..

 

كان هذا ليكون مصيرنا بأيّ حال..

 

فلتستمر المعزوفة..

 

ولنستمر معاً..

 

حتى..

 

تنقطع أوتارك..

 

أو.. تتمزّق أصابعي..!

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

سبب تلك النظرة..

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Eyeloveyou-1 

 

أهم ما لاحظته في تلك الفتاة عند لقائي الأول بها كان النظرة في عينيها.. تلك النظرة لم تكن إلا نظرة يائسة بشدة..! كان اليأس يطلّ من تلك العينين بوضوح كامل بل وبجرأة، فلم يبدُ على الفتاة أنها كانت تحاول اخفاءه بأي طريقة.. ربما عجزت..؟ ربما هي تحب شعور اليأس..؟ ربما هي لا تستطيع إخفاء الشعور..؟ أو ربما حتى كان هذا شكل عينيها الطبيعي وأنا أتوهم وحسب..؟

ربما كنتُ كذلك، لكني لا أذكر أني أبداً أخطأتُ في التعرف على مشاعر الناس من أعينهم.. رأيتُ في عيون الكثيرين المرح والسعادة وشديد الحزن والبؤس، والجمود والبرود وحتى الموت.. وأغلب أولئك كانوا يخفون بطريقة ما تلك المشاعر، خلف ابتسامة كبيرة أو تقطيبة.. إلا أن الفتاة التي أمامي لم يفلح أي تعبير على وجهها في إخفاء ذلك اليأس الجرئ المطلّ من عينيها الواسعتين..

 

كنتُ في هذه اللحظة جالساً مع صديقين لي عضوين بتلك الجمعية ذات النشاطات العلمية في كليتي والتي يشغل مقرها غرفة صغيرة تحوي بالكاد مكتباً وأريكة معدنية ذات فرش اسفنجي ودولاباً يحوي أوراقاً وملفات، وكانت هي معنا في الغرفة جالسة خلف المكتب لا تفعل أكثر من الإصغاء لحديثي مع الصديقين، فتبتسم لما قد يُضْحِكُ في الحديث أو تُقطّب حاجبيها في اهتمام حين يحمى وطيس نقاش جاد بيننا، أو تعود بوجهها إلى انفعال محايد حين لا نقول ما يفيد أو حين يشغلها عمل ورقيّ ما..

 

وكنت بين الحين والآخر أحاول إشراكها في وصلة مزاح بيني وبين صديقيّ وعلى وجهي ابتسامة عريضة، فأجدها تبتسم فتشغل ابتسامتها وجهها كله، غير أن الابتسامة الواسعة لم تكفِ أبداً لطرد اليأس العنيد من هاتين العينين.. وفي كل تلك الاحوال كنتُ أختلس نظرة سريعة إلى عينيها في فضول جاهدتُ لإخفائه..

 

 

 

وجدتني مصراً على أن أكتشف سبب النظرة.. لم يكن هذا اهتماماً خاصاً مني بالفتاة قدر ما كان اهتماماً بتلك الحالة الشعورية الإنسانية التي رأيتها في هاتين العينين، والتي وجدتها مميزة مختلفة عن كثير مما رأيتُ من قبل..

هكذا استغللتُ فرصة مغادرة أحد الصديقين الغرفة لتدخين سيجارة، فاختليتُ به لأسأله عن الأمر بجدية وجدتها غريبة نسبة لأمر كهذا!

غير أنه أجاب ببساطة:

– لا أدري.. هي كذلك دائماً ولا أدري السبب.. ولا يهم على أي حال.

هكذا عدتُ إلى الغرفة وعاد هو خلفي بعد أن انتهى من سيجارته.. لم تكن حواراتنا السابقة كافية لي لأعرف سبب النظرة، فالنظرة لم تتغير أبداً طوال جلستنا لا إلى الأفضل ولا إلى الأسوأ.. هي النظرة وهو اليأس ذاته..

 

بدأتُ أختار بعض موضوعات عامة للحديث في محاولة لرؤية رد فعلها.. تحدثتُ عن الأنشطة القادمة للجمعية وعن بعض الأحوال السياسية للبلاد وفي بعض أحدث الأعمال الأدبية والأغاني.. وصل بنا الحديث إلى كلام عن أغنية لمطرب شهير ما، كان صديقي الآخر يعشقها وكنتُ أنا أكرهها بشدة بسبب موضوعها وكلماتها المملة –في رأيي-.. وفيما أنا في حماسة رفضي للأغنية والشجار الضاحك مع صديقي، التفتّ عفواً إليها..

 

هنا، وجدتُ النظرة تتغير.. رأيتُ جفنيها المفتوحين في اتساع أغلب الوقت يسبلان على مقلتيها فيكادان يغمضان العينين تماماً، تاركين فقط مسافة صغيرة مفتوحة أطلت منها الحدقتان.. اللتان كانتا مستقرتين عند ركن العينين ناظرتين في خواء إلى لا شئ.. بينما انحنى رأسها خفيفاً ولم تتغير ملامحها الأخرى سوى من اختلاجة خفيفة كدتُ أن لا أراها..

 

للحظة اتسعت عيناي مندهشاً من ذلك التغير المفاجئ.. ثم في اللحظة التالية أدركت.. حينها وجدتُ تلك النظرة اليائسة تنتقل إلى عينيّ أنا، فضاقتا وصرتُ أرى لا شئ أمامي، واستغرقني شرود قصير.. أفقتُ من شرودي سريعاً فنظرتُ إلى ساعتي واستأذنتُ من صديقيّ على عجلة متعللاً بسبب تافه، ولم أنسَ أن ألقي بتحية باسمة عليها هي الأخرى.. حينها تلاشى الخواء في لحظة وعاد ذلك اليأس القديم وإن كانت جرأته قد تضاءلت نوعاً، واتسعت شفتاها في ابتسامة بينما تردّ التحية..

 

غادرتُ الغرفة مسرعاً كعادتي بينما أربط في ذهني بين كلمات تلك الأغنية وبين تغيّر نظرة الفتاة.. وحين لم أكن بحاجة لإيجاد سبب أقوى لذلك..

كانت الأغنية عن الحب..!

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution