الطرق على أبواب الذات.. من جديد..!!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

صار الطرق على هذا الباب الضخم ودخوله أسهل عليّ كثيراً الآن، ذلك الذي كنتُ أدفعه بجسدي كله قبلاً وكنت أفكر ألف مرة قبل أن أفعل، باب عالمي الداخلي..

 

الآن أدخل.. المكان مزدحم بأشياء كثيرة صغيرة وكبيرة على الأرض حتى لأتعثر فيها بينما أسير.. كتب وأسطوانات موسيقى وسيوف.. سيوف..؟ وصور ملونة ورمادية ومكعبات وكرات صغيرة بألوان مختلفة.. بحثتُ أول ما بحثت عنه بالطبع، جانبي الآخر وظلّي، ذلك الذي أدعوه ويدعو نفسه (الوطواط)..!

 

أراه هنالك كنقطة سوداء كبيرة متربعاً على قمة مبنى عالٍ، رغبت بالصعود إليه فارتفعت الأرض تحتي لترفعني إليه في رفق.. مدهش، صار عالمي الداخلي يستجيب لرغباتي أكثر مما سبق..! هبطتُ إلى قمة المبنى لأواجهه مباشرة..

يجلس مستنداً إلى جدار وعلى أذنيه سماعات رأس موسيقية صغيرة أنيقة، سوداء اللون ككل شئ آخر فيه.. يبدو عليه الاستمتاع بالألحان وعدم المبالاة بشئ، كأنما لم أفتح الباب ولم آتِ.. خطوت قليلاً نحوه فأجفل وفتح عينيه نحوي، ثم ابتسم ونزع أحد طرفي السماعة من أذنه وقال في هدوء غير معتاد:

– زعيمي! مرّ زمن طويل حقاً! متى وصلت؟

اندهشت:

– "متى وصلت؟" ؟! كيف لم تشعر بي؟؟ أنت ساكن هذا العالم الوحيد، ظننتك تعلم دبّة النملة فيه..!

* تغيرت الأمور كثيراً بيننا يا زعيم.. ألم تنتبه؟

 

ثم نهض نحوي واقترب من وجهي:

– أنت لم تأتِ منذ زمن طويل.. تغيرتَ أنت كثيراً كثيراً، وبالتالي تغير العالم.. أنتَ صرتَ أقوى يا زعيم، ألم تدرك هذا؟ قلتُ لكَ من قبل أن وجودي في عالمك لازم لأنني الوحيد الذي يحقق لك ما تريد حتى ولو داخل هذا العالم وحسب.. لكنك الآن صرتَ تفعل الكثير مما كنتَ تراه مستحيلاً وكنتُ أنا أفعله مستمتعاً هنا.. لن أختفي إلى الأبد فما تزالُ أنت إنساناً تعجز عن الكثير وما أزال أنا ظلّك ما حييت، لكني فقط في حالة خفوت وهدوء هذه الأيام.. لهذا تراني ها هنا، أجلس في المكان العالي الذي لا تجده أنت وأستمع إلى موسيقاك المفضلة التي لا تجدها.. فهمت..؟

 

تراجعتُ خطوة ولم أعقّب، بينما وضع هو إصبعين على حيث قلبي وأغلق عينيه، ثم قال:

-آآه.. أتيتَ اليوم ترغب في مواجهة معي لتقضي عليّ ربما، وتملك بعض القلق داخلك وتريد بعض التوازن..

ثم تراجع إلى الخلف قليلاً وتربع أرضاً وأشار إليّ أن اجلس فجلست متربعاً، فتابع حديثه:

– إذاً دعني أتحدث معك رجلاً لرجل يا زعيم ولتفهم كلامي.. وصدقني، هذه المرة عدّني ناصحك الأمين، أنت صرتَ قويّاً وأحب صحبة الأقوياء أمثالك، غير أن صحبتي تدفعني لأن أسمعك ما سأقول..

 

استغربت حقاً لهذا التغيّر في لهجة وكلام كائن كان يريد قتلي والسيطرة على الجسد قبل شهور مضت.. بدأتُ في هدوء أستمع منه حين بدأني بالقول:

– فلتعلم يا زعيمي أنك أبداً لن تستطيع القضاء عليّ.. ليس الأمر عناداً مني ولا ضعفاً منك، لكن الأمر هكذا ببساطة.. أنت كالقمر الجانب المضئ منك أنت والمظلم أنا ولا حياة لك من دوني.. أنت إنسان وستظل حتى تموت –وإن كنتَ قوياً- عاجزاً عن فعل الكثير، حينها ستجدني أنا من يفعله لأجلك..

الآن دعني أخبرك، أنت صرت أقوى كما تريد، ما يزال المشوار لتكتسب القوة الأعظم طويلاً غير أنك خطوتَ كثيراً فيه.. صرتَ قوياً بطيبتك وبعقلك وبقلبك لا بعضلاتك مثلي، مررتَ في الفترة الماضية بالكثير مما آلمك وقوّاك في الوقت ذاته، صرتَ كالسيف لا يشحذه سوى معدن أقوى..

لكن قوّتك هذه تبحث عن شئ ما لتحميه..! صحيح..؟ أجبني!

 

هززتُ رأسي موافقاً، يفهمني أكثر مما أفهم نفسي أحياناً.. هزّ رأسه ثم تابع:

– هو ذا سببُ قلقك يا زعيم.. كأيّ شخص مثلك، أنت تبحث عن شئ ما تحميه.. أنت تحب ذلك الشعور الرائع، شعور أن تكون مسؤولاً عن حماية شئ أو شخص، أن تعطي الحب بلا حدود وأن تحمي بحياتك وأن تشعر أن لحياتك معنى، صحيح..؟

صدقني أنا أفهمك.. أنا حميتُ الكثيرين عوضاً عنك، وأعرف روعة هذا الشعور.. وسأساعدك.. تريدُ شيئاً ما لتحميه؟

ابتسمتُ في أمل وهززتُ رأسي، فأجاب:

– لِمَ لا تبدأ بي أنا..؟

* أنت..؟؟

– نعم، أنا وأنت، لِمَ لا..؟ قلتُ لك أنك صرتَ قويّاً بطيبتك، وهذا يجعلك رغماً عنك مفتوح المجال للجميع بلا حساب.. صار الجميع يقتحمون هذا العالم ويقتحمونك أنت دون أن تدري.. ألا تذكر تلك الإحباطات الماضية؟ ألا تذكر كيف كنتُ أنا بعدها؟ ألا تذكر تلك الأمطار المنهمرة ها هنا وسقوطي أرضاً وجروحي العديدة وسيفي المكسور..؟ صدقني، هذا يؤلمني أنا أيضاً كما يؤلمك..

 

ثمّ ضيّق عينيه في أسى واضح ووضع يده على كتفي قائلاً في صدق:

– زعيم، أرجوك، أنا ألتمس منك الحماية! احمني واحمِ نفسك.. أنت قويّ وكل شئ يمر عليك يقويك، لكن صدقني، أنا وأنت لا نحبّ الألم.. أريدك أن تتعلم وتكون أقوى، لكن أرجوكَ قوّ دفاعاتك، قاتل بكل بقوتك وقاتل حتى تهزم خصمك ولا تقاتل خوفاً من أن يهزمك..

هل يكفيك هذا كبداية؟ احمني واحمِ نفسك أولاً، وصدقني حينها ستجد من تحميه…!

 

هزّني كلامه، حقاً فلم أحرِ جواباً.. غير أنني في أعماقي بدأتُ أشعر التغيّر.. أشعر أن ذلك القلق الخانق في قلبي بدأ يخفّ ويصير واحداً مع تيّار وجودي نفسه، صرتُ أكثر هدوءاً واسترخيتُ في جلستي.. ولاحظ هو ذلك فابتسم قائلاً:

– هكذا أفضل يا رفيقي.. أرجو أن تفكّر في هذا وتبدأ بالفعل، وأعلم أنك ستفعل..!

 

ثم إنه نهض من جلسته واتجه إلى حيث كان يجلس، والتقط سيفاً طويلاً داخل غمد أسود متين قذفه نحوي فالتقطته في الهواء بيد واحدة، فقال لي:

– احتفظ به الآن.. أتذكره؟ هذا هو سيف الشجاعة، كان معي فترة طويلة والآن أنت أحقّ بحمله، الآن على الأقل.. قاتل به جيّداً واحمني واحمِ نفسك، واحمِ به لاحقاً من تحب..!

ثم جلسَ أرضاً من جديد ووضع السماعة على أذنه وأشاح بيده قائلاً:

– الآن هيّا، ارحل من هنا ودعني وشأني!

علّقت السيف على ظهري وابتسمتُ قائلاً:

– تعجبني هكذا كثيراً يا (وطواط)!

* شكراً.. لكن أرجو أن تنتبه أنت وإلا لن أستمر هكذا طويلاً وربما أنتزع منك السيف لاحقاً.. لا تنسَ أيها الملك..!

– لن يحدث!

ثم هبطتُ من القمة إلى الأرض في خفّة ودون حاجة للمصعد، واتخذتُ طريق الخروج من العالم.. وربما أضطرّ للعودة يوماً..!

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

 

(تدوين يومي)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s