عصارة القلب.. (4) (عن البوح والتحرر والمشاعر الدفينة والموت في الأعماق)..

 أجد سعادة خاصة في علاج جروح الروح.. أحب حقاً وصدقاً أن أكون سبباً في ارتسام ابتسامة خافتة على وجه ذلك الصديق المتألم الذي يبوح معي بكل ما لديه ربما فقط طلباً للتخفّف، فأعينه على أن تكون روحه أقوى..

ويوجعني جداً أن أطالبه أن يحرّر كل ما لديه ويتحدّث أو يبكي أو يصرخ أو يوسعني ضرباً أن أراد، فلا أجد منه إلا ابتعاداً ومحاولات كاذبة للابتسام والتجاهل وكتمان الألم داخله أو تناسيه، ظنّاً أنه سيصير أفضل حالاً إن حاول النسيان وترك الحياة تسير.. وربما يشعر بالضيق إن ضغطتُ عليه ليبوح..

حسناً.. ربما يبدو الأمر غريباً نوعاً، لكن الأمر بالنسبة لي كإفراغ الصديد من الخُرّاج.. هو مؤلم حقاً ولا علاج حقيقي له سوى إفراغه تماماً وإزالته بجراحة، توجع لحظياً وقد تزول معها بعض الأنسجة، حسب حجم الخراج ذاته، لكنها تقضي عليه تماماً كأن لم يكن.. فقط إن تمت في وقت مناسب قبل أن يتزايد حجمه وينتشر إلى الجسم كله ويسبب ألماً أكثر، أو يقتل..!

الكثيرون جداً يستهينون بمثل هذا الصديد كله، يخفونه ويتحملون ألمه ويأخذون المسكنات ويحاولون التصرف كأن لم يحدث شئ، بينما ألمه يمزّقهم من الداخل ببطء شديد حتى تموت تلك الأرواح داخل الأجساد التي تصير قشرة صلبة فارغة.. في مجتمع يظنّ فيه الكثيرون أن كبت الألم قوّة وأن الأشخاص يروحون ويجيئون كما المال، توقّع هذا وأكثر.. يحملون الكثير من الصديد في أرواحهم، وحين ينفجر ذلك الصديد تكون أرواحهم قد ماتت بالفعل..

وأنا بالفعل أدرك هذا ورأيته بعينيّ كثيراً.. وحقاً، لا أحب أن يصل أحد ممن أحب إلى موات الروح ذاك.. لهذا وحده أضغط عليهم، ربما أجبرهم أحياناً، على البوح.. سيتألمون ويبكون ويصرخون في أعماقهم ربما، لكن –حتماً- سيتحررون من ذلك الألم ويتخففون، وستكون قدرتهم على السير على طريق الحياة أكبر.. وفي لحظة البوح تلك أجد نشوة لا أستطيع أن أخفيها، فقط لشعوري الفيّاض بأن ذلك الذي أمامي إنسان حقاً، ليس مجرد قشرة لحمية دموية تبتسم في وجهي ببلادة حين تراني.. إنسان يملك مشاعر حقيقية صادقة يخرجها أمامي دون تحرّج..

لم أجد أبداً في التحرر من المشاعر ضعفاً أو طفولة أو “إنعدام رجولة”، بل أرى فيمن يستطيع ذلك قوّة حقيقية وأرى فيه إنساناً كما يجب أن يكون.. وربما حينها أستطيع أن أكون دعماً لروحه الكسيرة تلك، وربما لا أفلح لكنني فقط أحاول..

أؤمن أنك –أيها الإنسان- حين تتحرّر من كل شئ داخلك، مشاعرك الدفينة أياً كانت، قوتك الخبيئة، كلماتك وأفعالك التي تأبى التجسّد، فستكون قوياً حقاً، إنساناً حقاً.. ستكون أنت أنت حقاً.. أرجوك، حرر نفسك، أو جِدْ لنفسك حبيباً أو صديقاً يستطيع حمل ألمك هذا كلّه ودعه يحرّرك، وسيفعل إن كان يحبك حقاً..

كل مشاعرك الدفينة، أطلقها كلها..!

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

2 thoughts on “عصارة القلب.. (4) (عن البوح والتحرر والمشاعر الدفينة والموت في الأعماق)..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s