يوميّة (7) (أغنية غامضة.. ومحاولات..)

“وإذا ذهبتَ، أريدُ أن أذهب معك.. وإذا مِتَّ، أريدُ أن أموتَ معك.. خذ يدكَ وامشِ بعيداً..”

كلمات غامضة في أغنية غريبة الأسلوب أختتم بها نهار اليوم مع وفاة آخر أشعة للشمس.. للعبقرية ثمن غالٍ هي ألا تكونَ مفهوماً، يكون من السخيف والمؤلم أحياناً ألا تكونَ مفهوماً، إلا أن ما تفعل يتناسب خلوده طردياً مع عبقريته الحقّة..

ينتهي يوم مملّ آخر لم أتحرك فيه من المنزل تقريباً كالمعتاد في أيام الامتحانات هذه حين أحتاج للدراسة خارج المنزل.. لا بأس على أي حال، الملل لم يعد ما يزعج كثيراً..

لا نسكافيه في هذه الجلسة، فقط كوب من البيبسي وتلك الأغنية الغامضة، (يوم موحش Lonely Day).. لم أسمعها منذ فترة طويلة، شهور ربما، وفجأة تقفز إلى بالي بعد وقت مرهق من الدراسة.. كان يوماً موحشاً في الحقيقة، هو واليوم التالي كذلك.. لا أعرف عن اليوم التالي أي تفاصيل غير أنه الذكرى السنوية للوالد، (يوم أبي) كما أدعوه، بالتالي هو يوم موحش ولا ريب، إلا لو حدث حادث ما..

 

” يا له من يوم موحش، وهو مِلْكي.. أكثر الأيام وحشة في حياتي.. يا له من يوم موحش، يجب أن يُمْنَع.. “

بعدها بيومين في فترة أخذ العزاء، أخبرني (محمد هشام) في مناسبة حديث ما أن المرء لا يصيرُ رجلاً حقاً إلا إذا فقد أحد والديه، أحسبها كانت في وقتها نوعاً من التعزية الضمنية.. يخبرني بطريقة ما أنه ثمن كان يجب أن يُدْفَع لقاءَ أن أكون رجلاً، أو على الأقل حتى أكبر بعض الشئ.. كان ثمناً كبيراً حقاً، لكن لا عتاب “عليه” ها هنا.. اكتشفتُ أن كل الطرق تؤدي إلى القبول بما يقضي ويختار لك.. عدم الرضا عن قضائه لن يحسّن الوضع وربما يزيده سوءاً فحسب.. مقابل آخر اكتسبته لقاء الثمن الكبير..!

 

“وإذا ذهبتَ، أريدُ أن أذهبَ معك.. وإذا مِتَّ، أريدُ أن أموت معك.. خذ يدك وامشِ بعيداً..”

تخنقني محاولاتي للتفلسف أحياناً.. في أوقات كثيرة تراودني الرغبة في أن أكتب عن الحب أو عن حبيبتي ربما، لكن أطول محاولاتي لم تتعدَ فقرة قصيرة أو قصيدتين أو ثلاثاً في أوراق لم يقرأها غيري وحتى أنا نسيتُ أين أضعتها.. ليس الأمر جفاء مشاعر فأنا أبعد البشر عن ذلك، فقط هو خيط من خجل يمنعني أو رغبة في كمال مطلق.. لا يستقيم أن أكتبَ عن شئ راقٍ نظيف كهذا من دون أن يكون ما أكتبه خالياً من ابتذال يملأ كثيراَ مما كُتِبَ عنه.. أليس كذلك..؟

 

“يا له من يوم موحش، لم يكن يجبُ أن يُوجَد.. إنه يوم لن أفوّته أبداً..

من أجمل ما خلق الله الامتنان والشكر.. تخيل أن يفعل البشر لبعضهم كل شئ من دون أن يشكروا بعضهم البعض أو يكونوا ممتنين.. ألن تكون الحياة آلية مملة حقاً؟ أليس الشكر بشكل ما يُشعرك أن ما فعلتَ مهم حقاً عند من فعلت ما فعلت لأجله، وأليس يدفعك لعمل المزيد وأليس يجعلك تشعر أنك حقاً في حالة ما من السموّ؟ أنك مارست مهمة عُظمى خُلِقتَ لأجلها: العطاء..؟

رائع أن يُشْعِرَكَ أحدهم أن ما فعلت –حقاً- مهم ورائع جداً.. أنت لا يهمك ما فعلتَ حقاً ولن تشعر بفرق إن لم تتلقَ شكراً، لكن أن تجد ذلك الذي يخبرك أن ما فعلتَ عزيز جداً لديه، أحدث له فرقاً كبيراً، وحين يشعرك أن اهتمامك مهم لديه.. تكون، فقط، سعيداً.. حينها فقط تتناقص وحشة يومك، وتشعر أن الحياة فيها الكثير ما لن ينفتح بابه سوى بمزيد من ذلك.. :)

يسرّني أن أشكرك.. حقاً :)

 

بدأ الوحش بالتراجع والخمود من جديد بداخلي.. الحقّ أن هذا عظيم.. كان حرفياً يضغط على جسدي من الداخل فشعرتُ به يوشك على الانهيار مرات عديدة.. المشكلة أن وحشاً كهذا لا تصلح أجسادنا البشرية لاحتوائه، وفقط مشاعرك وطريقتك في الانفعال، وما تكتب وما تقول، كل هذا هو منفذه الوحيد لالتقاط الأنفاس..

 

توشك الدائرة المغلقة المتكررة التي صرتُ أسيرها على الانكسار قريباً جداً، والحقّ أنني أتعجل نهايتها.. أحاول التملّص أحياناً غير أنه لا نفاذ، وأنا نفسي سددتُ على نفسي طرق النفاذ وأنتظر فقط في صبر انتهاء الدائرة..

 

في صمت أحمدُ الله على نعمة العطاء والامتنان، وفي ملل أراجع ما كتبتُ وأشعر بسخفه المطلق غير أنني فقط أستمر في الكتابة لسبب ما، وأغيّر الأغنية التي أستمع إليها وأفكر فيما سأفعل في الساعات الباقية من هذه الليلة، وفي (يوم أبي) غداً.. ولا شئ آخر.. ربما..؟

 

“Take your hand and walk away..”

System of a Down – Lonely Day

 

 

محمد الوكيل

A.M.Revolution

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s