قراءة في كتاب (وقت مستقطع) للكاتب المهندس معتزّ عبد الرحمن

23120854

(روابط مفيدة عن الكتاب والمؤلّف في نهاية التدوينة)

تتأكد لديّ هذه المرة أيضاً نظريّة أن المغامرة بشراء شيء ما وجدتَ في نفسك -فجأة- الشغف لشرائه، ستضيف إليك دائماً جديداً قويّاً، صادماً، لافتاً للنظر والفكر، وهو ما وجدته في هذا الكتاب بالفعل. فقد بادرتُ بطلب شراء هذا الكتاب من على الإنترنت بعد فترة قصيرة من صدوره، ومن موزّع أتعامل معه لأوّل مرة وكاتب أشتري له لأوّل مرة، فقط لشغف التجربة والإحساس الباطنيّ بأن الكتاب يستحقّ.

 

الكتاب (لمؤلفه المهندس معتزّ عبد الرحمن) في 137 صفحة من القطع المتوسّط، بعنوان لافت للنظر بالنسبة للمحتوى، وغلاف أنيق ذو تصميم هادئ وطبعة مريحة لليد والعين كثيراً، وهي نقطة محمودة فعلاً للكاتب ودار النشر وتهمّني كقارئ. والكتاب مُقَدَّم بمقدمة د. محمد علي يوسف الكاتب والباحث الشرعي والداعية المحترم عاقل القلم بارع الفِكر، وهو أمر مشجّع جداً لمن يقرأ للمهندس معتزّ عبد الرحمن للمرة الأولى.

مقدّمة الدكتور بليغة خسنة اللغة ممتعة، تخبرك برؤيته أن الكتاب من أهمّ ما كُتِبَ مؤخراً في التدبّر الواقعي للقرآن، وبأشياء عديدة تكتشفها مع إطلاعك منها الدقة الهندسيّة للكاتب في استخراج وتقديم العِبَر والتوجيهات من آي القرآن، وتناول الكاتب في الفصول الأربعة الأولى للسور الأربعة الكبار الأول في القرآن.

 

تنتقل لقلم الكاتب فيقدّم لنا كتابه ويشرح عنوانه (وقت مستقطع) بأنه مثل وقفات مباريات الكرة التي فيها يحتاج اللاعب لتركيز ذهنه وإعادة وضع خطته القادمة للعب، ويُسقِط نظريّة التدريب على الاستعداد الفكريّ النظري، وهما الاثنان لا يكفيان وحدهما أبداً دون خبرة وممارسة عمليّة في الملاعب/الواقع، وهو تشبيه أهنّئه عليه فعلاً. ثم تنبيه مهم على تكراره بعلاقتنا نحن المسلمين مع القرآن المحصورة في نقاط معيّنة لا تكاد تتجاوزها (النقاط الشكليّة والتبرّك الظاهري والتلاوة دون تدبّر والتدبّر دون عمل)، وبتنبيه وتلميح مهم بأن (التاريخ يتكرر مع من لا يتوقّعون تكراره أو لم يقرأوه جيّداً)، وهي حقيقة لامسناها جميعاً مؤخراً.

 

بالنسبة لفصول الكتاب، أقدّم لك لمحات سريعة مهمّة من ملحوظاتي العديدة التي دوّنتها لنفسي عن الكتاب:

– الفصل الأول: تأملاته في سورة البقرة بعنوان (سمعنا وأطعنا)، وتأكيد الكاتب مراراً على أن العبرة الأساسية والأخطر من السورة هي: الإيمان والتصديق بأوامر الله ووجوب طاعتها وإن ثَقُلَت، وإن لم نفهمها في وقتها، لأن العبرة في تنفيذ الأمر ليست بفهم أسبابه الظاهرة وإنما بطاعته طالما أنه آتٍ من الله، وضرب مثلاً بثقل الأمر وطاعة المؤمنين له بتوابع نزول (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.. الآية)، وضرب مثلاً بالجدال في الأمر وتمرّد عقول المأمورين عليه بقصّة بقرة بني إسرائيل، ووضح بشدّة أن من شقّ على نفسه في التنفيذ وأكثر الجدال شقّ الله عليه، وأن معرفة الحكمة من الأمر تزيد المؤمن إيماناً ولا دخل لها في تنفيذ المؤمن للأمر، ونقاط أخرى مهمّة أترك تدبّرها للقارئ. هناك كذلك كلام الكاتب عن (علم المناسبة) وهو علم الرّبط بين الآيات، وهي ملحوظة مهمّة أبحث فيها لاحقاً للفائدة، والرّبط بين بدايات وخواتيم السورة بتمهيد المؤمنين نفسيّاً لتنفيذ الأوامر، ثم بيان صفات المؤمنين ومدح طاعتهم لله دون شروط ولا سؤال، وهي نقطة بديعة أشكر الكاتب جزيل الشكر لعرضها.

– الفصل الثاني: عبر ووقفات التأمل في سورة آل عمران وهي عديدة ومركّزة في موقعة أُحُد التي سردتها السورة في إيجاز، ومن تلك العبر: خطأ قصر الفائدة من تدبر الغزوة في (تحول النصر لهزيمة بسبب مخالفة أمر النبي)، وهو حق إلا أنه ليس السبب الوحيد – أهميّة فهم رسائل الله من الهزيمة قبل النصر – تجاوز الجراح سريعاً لحماية القضيّة الأهم – فهم أسباب الانتصارات السابقة قبل إطالة التحسّر على الهزيمة – الوفاء للباذل المجاهد في سبيل الحقّ، لا للمنتصر، وتدليله بوفاء النبي صلى الله عليه وسلم لشهداء أحد حتى بعد الغزوة والهزيمة بسنوات – نظام “ليس وقته” لم يكن موجوداً وقتها، فالعتاب على الهزيمة واستخلاص العبر منها فوريّ وضروري ولا تأجيل فيه.

– الفصل الثالث: سورة النساء كمدرسة قرآنية للعدل، في الآتي: العدل شامل لكل دقيقة في الحياة وليس في القضاء والحُكم والسياسة فقط، فكلّ مؤمن قاضٍ في محيطه وكلٍ معرض للوقوع في الظلم – ضرورة تحديد الحقوق والواجبات والوعي بها لتحقيق العدل – الأسباب الرئيسة للظلم الإنساني وكلّها هوائية مصلحيّة بالأساس – رفض التعميم في الحكم بشكلٍ قاطع حتى على أهل الكتاب الذين لعنوا في القرآن في غير موضع.

– الفصل الرابع: يحكي الكاتب من القرآن عن بني إسرائيل وضلالهم ودخولهم في التّيه وأسبابه، ويحاول في هذا الفصل بشكلٍ عام أن يأخذ بيد القارئ خروجاً من باب التيه بمعرفة أسباب الدخول فيه ابتداءً، ومنها عدم فهم الفرق بين شرائع الأمم المختلفة (فنفهم أن الأمر لبني إسرائيل في وقت الاستضعاف بالصبر هو أمر يشملنا في حالتنا نحن كأمة الإسلام)، وعدم فهم المعاني الحقيقيّة للابتلاء.

– الفصل الخامس: أصول وآداب الدعوة ومنها: معرفة أن تحقيق البلاغ هو أقصى ما في يد الداعية وليس عليه هدى الناس بالضرورة – تعدد الوسائل والحجج، واللين في البيان مع تحقيق عزة الدين وعدم التخاذل أو المفاوضة فيه.

– الفصل السادس: الفرق بين التقدير والتقديس، ومقاييسهما وموازينهما، وهي نقطة شديدة الخطورة تراها في كلّ لحظة في واقعك الخاصّ أينما كنت. يوضح الكاتب أن التنوع واختلاف الدرجات والطبقات في المجتمع ضرورة لا مفرّ منها، غير أن الكثيرين لا وسط عندهم فتجد تقديرهم للرموز والمتبوعين يصل للتقديس وهو ما حُرِّم تماماً وقورن في القرآن بالشرك وعبادة غير الله، وهي للأسف معضلة رهيبة يقع فيها -بالخصوص- الدعاة إلى الله أنفسهم وحاملو الرّاية في مجتمعاتنا.

– الفصل السابع: التفاؤل مهمّ وضروري، لكن هناك فرق بينه وبين الغباء وعدم الأخذ بالأسباب الصحيحة. وهي نقطة أخرى يقع فيها الإسلاميون أنفسهم أكثر من غيرهم.

– الفصل الثامن: وحدة الصفّ، وكيف تكون ومع من تكون: لا تكون أبداً مع الخصوم والأعداء أو أهل النفاق، وبدون مجاملة للأخيرين -كما فعل الإخوان وقت حكمهم لأسباب تختلف، وإسقاطه عليهم واضح جداً في هذا الفصل- ، وأن تكون بصفاء قلب ونيّة من كلّ سوء وضغينة بين المتوحّدين، فلا نفع منها إن لم تكن العقيدة الجامعة واضحة واحدة وإن كانت على ضغينة أو على مصالح مؤقتة. بيّن المؤلف كذلك خطأ الاستدلال بموقف هارون من عبدة العجل في بني إسرائيل، حيث أنه -حاشاه- لم يتركهم في شأنهم بدعوى تقديم وحدة الصفّ على وحدة العقيدة، وأن هذا الموقف يستدلّ به استدلالاً باطلاً على تقديم توحيد الكلمة على كلمة التوحيد.

– الفصل التاسع: التفرقة القاطعة بين التسامح وما سمّاه الكاتب “دروشة” يمارسها الكثير من المسلمون بورع كاذب. التسامح لا يكون في ضعف من صاحب الحقّ، وإنما في حالة قوّته وقدرته على أخذ الحقّ، وحتى في تلك الحالة يكون بشروط معيّنة منها ألا يكون التسامح في حالة أن الظالم قد يمارس ظلمه على الغير (وهذه النقطة بالتحديد وضّح الكاتب أنها رأي شخصي، وإن كنتُ أوافقه فيها بشدّة)

– أما الفصل العاشر فهو تلخيص دقيق سريع لنقاط الكتاب، في وقفات أربع كبرى تجمع تحتها الوقفات الأخرى. وهي نقطة تُحْمَد للكاتب وتؤّكد دقّته وحرصه على إيصال المعلومة للقارئ.

 

بشكلٍ عام، الكتاب تصميم هندسيّ دقيق وبارع، وسرد محترم جداً وإلمام مهم بكلّ القضايا التي تداولناها مجتمعيّاً طول الأعوام التالية لثورة 2011، وكتاب أنصح به بكلّ سهولة لكلّ مهتمّ بقضايا الساعة في الأمّة ولا يدري من أين يبدأ، أو نسي نفسه في خِضمّ الصراع. أسلوب الكاتب لطيف يسير للعين والعقل ويخلو تماماً من أيّ تعقيد أو توريات ، ولا يشخّص وإن كان يلمّح بوضوح :D وإن كان لن يضرّ بعض الأساليب الأدبيّة البديعة هنا وهناك، كما ويهمّ جداً الاهتمام بالأخطاء المطبعية والإملائية بل والنحويّة في عدة مواضع بالأخصّ في الفصل الثامن من الكتاب. الكتاب كان تجربة رائعة فعلاً واستحقّ كل قرش دُفعَ فيه، وجزا الله مؤلّفه المهندس العزيز معتزّ عبد الرحمن، جزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً وتقبّل منه صالح العمل والنيّة.

 

صفحة المؤلّف معتز عبد الرحمن على الGoodreads

صفحة مقالات المؤلّف على الفيس بوك

عرض الكتاب على موقع Goodreads

 

محمّد..

Advertisements

2 thoughts on “قراءة في كتاب (وقت مستقطع) للكاتب المهندس معتزّ عبد الرحمن

  1. التنبيهات: قراءة على الطّاير؟ | كتاب الظلال

  2. انا سمعت عن الكتاب منذ فترة قليلة، وكان اسمه بيقع قدامي قدرًا كتير، حتى اني حسيت انه الكتاب ده فيه رسالة ما لي انا شخصيًا لازم اقرأها، قررت اعمل عنه بحث ولقيت مقال حضرتك عن الكتاب
    وحضرتك حببتني في الكتاب من قبل ما اقراه، ربنا يبارك فيك يا فندم :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s