قراءةٌ في (نظريّة اللّعبة): عن النظريّة.. والقلم.. والثورة!

قطعاً سيبدو لك (نظرية اللّعبة) مبدئياً كتاباً فكريّاً، سياسياً أو اقتصادياً، وأبعد احتمال سيتبادر لذهنك -ربما كما حدث معي- أنه مجموعة قصصية، وأنه (كثيرٌ من الأشياء التي لم أتوقّعها بالمرّة). هو مجموعةٌ قصصيّة للقاصّ الفلسطينيّ (خالد عودة الله)، وهو كما ستحد في بحثك على الشّبكة في الأساس باحث في العلوم الاجتماعيّة! وأن كتابه 64 صفحة فقط، حتى أنني أعدتُ التأكّد من عدد الصفحات ظناً أن هناك مشكلة في نسختي! وأن هذه المجموعة هي أوّل أعماله الأدبية المنشورة! وكلّ هذا كان عنصر مفاجأة مهمّ، فهي -على كلّ ما سَبَق- مجموعة ذات جودةٍ عاليةٍ بالفعل، أدبيّاً، أسلوبيّاً وموضوعيّاً وتستحقّ أن نفرد لها حيّزاً كبيراً من الاهتمام..

19540209

الطبعة التي بين يديّ هي طبعة متميّزة للكتاب في العام 2014 من (دار مدارات للأبحاث والنّشر) المصريّة وصلتني منهم بالبريد بناءً على طلبي، ذات غلاف بسيط لكن أنيق وجذّاب وبخامات عالية الجودة يشدّك للقراءة وهو ما حدث معي بالضبط، تقع في 64 صفحة متوسطة الحجم. دار النّشر بالمناسبة تعنى أساساً بنشر الموادّ البحثيّة والدراسات في مجالات عديدة، ورغم حداثتها فمطبوعاتها دائماً ذات جودةٍ عاليةٍ شكلاً وموضوعاً وبشهادة كثيرٍ ممن أعرف من قرائها، وكونها هي من ينشر هذه المجموعة القصصيّة، ولباحث فلسطينيّ، يعطيك فكرةً صلبة عمّا يجبُ أن تتوقّع في ومن هذه المجموعة، قصصاً وأساليب وأفكار.. أبحث بعضها معكم هنا بقليل من التفصيل (تحذير من حرق بعض القصص هنا لمن لم يقرأ.)

*****

كمقدّمة: – (والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا وإنّ اللهَ لمع المحسنين) (العنكبوت آية 69)

– (لَكَأنّني الأضداد في رَجُلٍ تُقاتِلهُ وحوشُ يديه..)  –شوقي بزيع

آية قرآنية كريمة تؤكّد لك صحّة الظنّ الأوليّ، ثم عبارة عامضةٌ كمدخلٍ للقصص، والتي تبدأ بـ..:

(عندما بدأ الشّيخُ زكريّا يضلّ طريقه إلى المسجد): قصة عديدة العناصر، فهي تبدأك بحادثةٍ غامضة تشعرك أنّك في مدخل قصّة بوليسيّة كلاسيكية تعتمد على الغموض والإثارة حتّى لحظة التنوير، ثم تسحبك القصة في هدوء إلى مغزاها الحقيقيّ: رمزيّة واضحة صارخة ممزوجة بلمسة محببّة من الفانتازيا، تتضح مع آخر سطور. الأسلوب هنا يبدو أكاديميّاً بحتاً إن صحّ لي التعبير، والقصّة بشكلٍ ما ذات نهايةٍ تقليديّة ولكنها مناسبة كبدايةٍ لما بعدها.

(خمسة سنتيمرات مربّعة من التيتانيوم): تناول للقضيّة الفلسطينيّة بعيون إسرائيليّة بحتة. وجهٌ جديد لم يره أغلبنا وبالتأكيد رآه المؤلّف بطريقةٍ أو بأخرى، وربما رأى من حقّ القارئ رؤيته، بذات عين الباحث.

(نظريّة اللعبة): أستطيع بسهولة أن أعدّها واسطة العقد، والأفضل في المجموعة، وأكثر قصصها تقديماً لمزيج (القصة/النظريّة) الذي يبدو أن المؤلف يبرع فيه، حيث تجد أساليب بلاغيّة وتشبيهات رائعة لكاتب عميق الثقافة والقراءات مثل (واظبتُ على اختراع (ما بينيّات) تقيني زمهريرَ الهباء). الصفحات الأولى من القصّة الطويلة نسبيّاً تصوّر للقارئ ببراعة واضحة ودقّة متناهية: صراع الإنسان المعاصر المفكّر ذي العقل الناقد في سبيل الخلاص من قيود مكانه وزمانه الخانقين وصراعات الحياةِ اليوميّة ومن كونه ترساً في الماكينة العملاقة، فيبدو عنصر الصراع في كرّه وفرّه مرات متتالية (كما في إلقاءه اللّومَ على نفسه حين لا يمكنه إلقاؤه على العالَم في إعلان ضمنّي بالهزيمة في جولة الصّراع).. تتقدّم القصّة فتشعر أن القصّة مكتوبة على أساس عنوانها، لا العكس! فكلّ أحداثها المنطلقة في الفانتازيا هي تجسيد لرؤية المؤلف لـ(نظرية اللعبة) أو شكل الصراع بين الإنسانِ والنظام وثورة الأول على الأخير. هي قصّة متميّزة بالفعل وتحتاج أكثر من قراءة لها، وبحثٍ شامل في بعض عناصرها كذلك.

سوبر جلو Super Glue : يعرف ويفهم المثقّفون جيّداً ثنائية (النظريّة والممارسة) والعلاقة الصّعبة بينهما، والمؤلف كمثقّف يحترم نفسه يقدّم رؤيته القصصيّة لتلك الثنائيّة ويسقطها على شخصيّة مثقف ثوريّ تقليديّ جداً قرر نقل نظريّاته إلى الواقع.. بطريقته الخاصة!

رائحة الدّيتول: صورة مطوّلة بالقلم لعبارةٍ واحدة: إما أن تكونَ خصماً لخصمك، وإما أن تكون خادماً له. تجسيم هذه الثنائيّة ها هنا صادمٍ قليلاً، لكنه ضروري جداً لإيضاح حتميّة هذا الصّدام وخطورة أن تبدأه رماديّاً، لتجد نفسك صرتَ بائع مبادئ وكلمات، ودين ربّما.. مجرّد خادمٍ آخر.. وأيّ خادم!

الشهداء لن يعودوا هذا الأسبوع: خيرٌ ختام للكتاب، موجعة وحزينة بِخُفُوت.. كأنما هي إهداء صامتٌ صادق للشهداء، الشهداء الذين لن يعودوا لأنّهم لا يُطيقونَ حياةَ العاطلينَ عن العَمَل.

 

رأيتُ في هذا الكتاب القيّم صغير الحجم، الكثير مما يُقال ويُقرا ويُبْحَثُ فيه بالفعل. الكاتب بوضوح: باحث، ثمّ قاصّ واسع القراءة. الكاتب مخلصٌ جداً لقضيّته قضيّة فلسطين، يقدّم لك مناحي عدّة للقضيّة، يترك لك أطرافَ خيوط، يعطيك إشارات تنبيه هنا وهناك، يقدّم لك (في سابقة نادرة) فائدة حقيقيّة لما يكتب من عملٍ أدبي يفترض به الإمتاع فقط عادةً، يجبرك على البحث وربما الإنتاج، يوقد ذهنك معه بكلّ موضوع مقدّم وكلّ عبارة ونظريّة مشروحة، ويشرح لك (نظريّة الثورة) في هدوء، ويبهرك بقوّة الكلمات كشكلٍ أدبيّ، وكنظريّات قد تكون مُغَيِّرة جداً إن وصلت لأرض الواقع وعُمِلَت في مكانها الصّحيح، وبذكاء.

(نظريّة اللعبة) هي حتّى الآن أفضل تجسيد حيّ رأيته لمزيج (القصّة/النظريّة/الفائدة) . بحثتُ عن أعمالٍ أخرى جيّدة للكاتب ولم أجد بعد، وأنا في الانتظار بشوق شديد :)

 

محمد الوكيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s