لا ننتمي.

I-Dont-Belong-Here-Colour-II-Small

لا ننتمي.. لم نعد ننتمي. صحيح؟

لن أحدّثك بلسان الجيل كلّه، سأحدّثك فقط بما رأيت، وسمعت، وبملاحظاتي طويلة الأمد:

بعضنا –أو كثيرٌ منا لا أعلم- نملك ذلك الشعور الخاوي الصادع في أودية أنفسنا كهبّة ريح في وادٍ عميق لا حياة فيه.. ذلك الشّعور بأننا لا ننتمي لشيء، أو لأحد. لا لتيّارات أو عرقيّات وأحياناً ولا أديان، لا نشعر بالانتماء مهما فعلنا، مهما أظهرنا من مظاهر ذلك، ومهما أظهرنا من اهتمام ومشاركة ومحاولة للاندماج: في نهاية اليوم نرقد على وسائدنا هامسين لأنفسنا: أنا لا أنتمي لكلّ هذا.

ننتمي فقط لداخلنا، لأعماقنا، لأفكارنا، لتفاصيلنا الصغيرة التي نستعيرها من هنا وهناك أو نصنعها أحياناً. ننتمي لأصدقائنا الأقربين ولكلماتنا معهم، لما نكتب، لما نسمع، لما نقرأ، ننتمي للوحدة، ننتمي –فقط- للا شيء.

 

لماذا؟

هذا العالم لا يعترف سوى بالمقايضة الظالمة جداً.. حقيقة لم ندركها إلا متأخرين في أعمارنا القليلة نسبياً. أدركناها فَصُدِمْنا. لم نزل في قلوبنا يافعين نملك حسّ العدالة: هذا صواب.. هذا خطأ شديد.. هذا مائل.. هذا لا ينفع. ما نزالُ نغضب، نغضب ولم نزل نغضب. أحببنا رموزاً وأشياء وأفكاراً سامية جداً، وخَذَلَنا كلّ هذا: سقطت الرّموز أو ظهر نفاقها، زالت الأشياء والتهمها طابور الاستهلاك، وظهر زيف الأفكار وكذبها ونفاق حامليها وأكاذيبهم.. فررنا بعدالتنا وحقّنا وبأنفسنا بعيداً عن هذا، فوجدنا أنفسنا في صحراء (لا أنتمي). لا أنتمي لشيء.

 

******

هذا ليس مكاناً مريحاً بالمرّة. السّباحة في الفضاء والضياع في الصّحراء ليسا مكاناً، أنا وأنت نعرف ذلك. ننشد الرّاحة ولا نجدها لا في الضياع ولا في الانتماءات التي خذلتنا.. صحيح؟

هل يلزم أن نكون أنانيين وأن نعيش في قواقعنا الخاصّة؟ أو أن ندع العالم يلوّثنا؟ أو هل يلزم أن ننتظر الموت وحسب؟

تربّينا صغاراً على مبدأ المقايضة ذلك، وأن ننتظر نحن شيئاً لنقدّم شيئاً آخر مقابله، فلما انكشف ظلم المقايضة أو انكسار عقدها من الأساس لم نستطع. تعلّقنا غالباً بأشياء زائلة أكثرها، أو أسأنا فهم حقائقها، فلما زالت انقطع رجاؤنا من غيرها وأحجمنا عن تكرار التّجربة..

 

******

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ( سورة الأنعام 76)

توصّل (إبراهيم) الأمّة إلى تلك الحقيقة، وعبّر عنها ببساطة شديدة: لا أحبّ الآفلين. لا أحد فينا يحبّ الآفلين وإن ادّعى العكس وتمسّك به. نحبّ جميعاً الثّابت، نحب الاستمرار ولو في ما نعلم أنه زائل يقيناً، ونحبّ الخلود.

إن تيقننا أننا في داخلنا (لا نحبّ الآفلين)، وصدّقنا ذلك واعترفنا به لأنفسنا، ربما سنبدأ السير على بداية طريق إبراهيم. إبراهيم (عليه السّلام) لم يصل للرّاحة بمجرّد معرفة الحقيقة: غادر قومه وقاسي الفقد والحرمان والجوع والبعد والحيرة.. لكن بِنَفْسٍ تعرف أنها في بداية الطريق إلى الرّاحة. رأى البداية فَوِجدَت الرّاحة في قلبه أوّلاً، خاض ما خاض وعانى ما عانى مع اطمئنان على أنّه يفعل الصّواب، ومع عقل يضعه على ميزان دقيق باستمرار، لئلا يعودَ أو يسقط.

 

******

جِدِ الرّاحة في قلبك، من نفسك أولّاً، وانتمِ إلى ثابتٍ دائم، وستنتمي. وستجد نفسك على الطّريق.. ولحديثنا بقيّة.

 

Tribute to: A. :)

 

محمد..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s