13 أمراً تتذكّرها حين تُحِبّ شخصاً مصاباً بالاكتئاب (مُتَرْجَم)

13 أمراً تتذكّرها حين تُحِبّ شخصاً مصاباً بالاكتئاب

بقلم: كوتي نييليس

المصدر:المقال الأصلي من مدوّنة Thought Catalog

ترجمة: محمد الوكيل

16608663594_3ba6d07283_z

صورة من asitansuave

1- الاكتئاب ليس اختياراً:

الاكتئاب أحد أكثر التجارب التي قد يمرّ بها أيّ أحد بؤساً وإحباطاً. الاكتئاب هو أن تشعر بالحزن أحياناً، وتشعر بالخواء أحياناً أخرى، ولا تشعر بشيء على الإطلاق أحياناً أخرى. هناك أوقات يجعل فيها الاكتئاب المرء يشعر بالشلل داخل عقله وجسده، عاجزاً عن فعل ما كان يحبّ فعله أو يجب عليه فعله. الاكتئاب ليسَ مجرّد يومٍ سيئ أو مزاج سيئ، وليسَ شيئاً يمكن للمرء أن (يتغلب عليه) هكذا ببساطة. تذكّر أنه لا أحد يختار أن يكون مكتئباً.

 

2- لا معنى لقول عبارات مثل: “ستصير الأمورُ أفضل”، “أنت تحتاج فقط للخروج من المنزل” أو “سوفَ تكونُ بخير”:

من السهل أن تقول له هذا كلّه، ظنّاً منك أنك تقدّم له حلّاً أو طريقة بسيطة لإشعاره أنه أفضل حالاً ولتخفيف وجعه، لكن عبارات كهذه تُتَلقّى على أنها خاوية، مهينة وعديمة المعنى أساساً.

توجيه هذه العباراتِ إليه يُشْعرُهُ بأنه غيرُ ملائم، وبأنك لا تعترف بما يمرّ به بأن تحاول معالجة مشكلة أكبر بكثير ببعض الإسعافات الأوليّة. هو يفهم أنك تحاول المساعدة فحسب، لكن هذه الكلمات تزيد شعوره سوءاً فحسب. عِناق صامت يقدّم أكثر بكثير مما قد تقدّمه تلك المقولات النمطيّة.

ما يمكنك أن تقوله عِوضاً: أنا هنا لأجلك. أنا أثقُ بك. أنا أثق أنّك أقوى من هذا، وأثق أنّك ستتجاوزه. ماذا بإمكاني أن أفعل لمساعدتك؟ ما الذي تظنّ أنه سيجعلك تشعر أنّك أفضل حالاً؟

تجنّب تقديم النصيحة، وعوضاً عن ذلك أعْلِمْهُ أنك إلى جواره، واسأله أسئلة ترشده لاسكتشاف ما يمكن أن يجعله يشعر أنه بحال أفضل.

 

3- أحياناً يُبعِدك عنه قبل أن يقرّبك إليه أكثر:

الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، يُحبطهم عادةً إحساسهم أنّهم عبءٌ على الآخرين. يسبب هذا لهم أن يعزلوا ذواتهم ويُبعدوا عنهم الأشخاص الذين يحتاجونهم أكثر، فيرهقون أنفسهم ذهنيّاً بقلق التفكير ما إذا كانوا يثقلون على أحبائهم بحزنهم. إن صارَ غير ودود معك، فقط تذكّر أن تذكّره أنك ما تزال إلى جواره، لكن لا تُجبره على الخروج معك أو التحدّث عمّا به إن كان لا يريد ذلك.

 

4- يحقّ لك أن تُصاب بالاحباط:

كون فلاناً يتعامل مع اكتئابه، لا يعني أنّك مجبر على تلبية كل احتياجاته أو التعامل معه بتحسّس لمشاعره أكثر من اللازم. المكتئبون بحاجة للشعور أنهم محبوبون ومدعومون، لكن إن بدأ الأمر يشكّل أثراً سلبيّاً على حياتك، يحقّ لك أن تسلّم بهذا، وأن تجد طرقاً لإظهار الحبّ والطيبة له من دون تضحيّة بذاتك.

 

5- مهمّ أن تخلقا حدوداً وتناقشاها:

من المهمّ في لحظات الإحباط تلك، أن تأخذ خطوة للوراء وتتأمل في كيفيّة مساعدة المكتئب مع حفظ حسّك بالسّعادة والاكتمال كذلك. كن صبوراً. تحدّث معه بشأن مخاوفك، واشرح الحدود التي يجب عليك خلقها في علاقتكما. جِدْ شيئاً ينفع معكما أنتما الاثنين.

 

6- ينسحق بسهولة:

الإنهاك الدائم عَرَضٌ جانبي شائع للاكتئاب. مجرّد تجاوز اليوم العاديّ قد يكون تجربة ساحقة ومضنية. قد يبدو بخيرٍ تماماً في لحظة ما، ثم يشعر في اللحظة التالية بالتعب وفقدان الطاقة تماماً، حتى إن كان ينال قسطاً كبيراً من النوم كلّ ليلة. قد يسبب هذا أن يلغي خططه فجأة أو يغادر الأحداث باكراً أو يرفض تماماً القيام ببعض الأمور. تذكّر أن الأمر لا يتعلّق بشيء فعلته أنت. هذه فقط إحدى الأعراض الجانبيّة السائدة للتعايش مع المرض.

 

7- المشكلة ليست فيك:

حين يكون لديك محبوب يتعامل مع اكتئابه، قد يكون صعباً أن تفهم ما يمرّ به، وأن تهتمّ لكون حزنه انعكاساً لعلاقتك به. إن كان يحتاج إلى مساحة أو إلى أن يبتعد، فلا تؤنّب نفسك وتتساءل عن ما كان بإمكانك تغييره لإصلاح ذات بينكما. تفهّم أنّك لستَ سبب اكتئابه.

 

8- تجنّب تقديم الإنذارات، المطالب أو استخدام مقاربة (قسوة الحبّ):

إخباره أنّك ستقطع علاقتك به أو أنّك ستخاصمه إن لم يتحسّن حاله، لن يعالجه من مرضه سحرياً. لن يكون فجأة الشخص الذي تريد فقط لأنك سئمتَ التعامل مع مشاكله. هو قرار شخصي أن تبتعد عنه إن صارت مشاكله كثيرة عليك وعلى علاقتك به. لكن الظنّ أن استعمال مقاربة (قسوة الحبّ) هذه معه سيجعله أفضل حالاً، ظنّ تحكّمي غير واقعيّ.

 

9- لا يريدُ دائماً أن يواجه كلّ هذا وحده:

الكثيرون يفترضون عادةً أن الأشخاص الذين يتعاملون مع اكتئابهم يريدون فقط أن يُتْركوا وشأنهم. أن تكون هناك أحيان يحتاج فيها لمساحته، لا يعني أنه يريد مواجهة مخاوفه وحده تماماً. اعرض عليه أن تأخذه في جولة بالسيارة في مكان ما، اسأله ما إذا كان يريدُ شرب القهوة أو تناول وجبة ما معك. هذا الوقت الذي تقضيانه معاً فتخرجه فيه من حال الرتابة وتتواصلان معاً، قد يعني له كلّ شيء. مدّ يدك إليه من حيث لا يتوقّع. ذكّره أنه لا يلزم أن يواجه هذا وحده.

 

10- لا تقارن تجربتك بتجربته:

حين يمرّ أحدهم بوقتٍ عسير، نعمدُ لأن نتشارك معه قصصنا الخاصّة لنعرّفه أننا مررنا بشيء مماثل وأننا نتفهّم معاناته. حين تقول شيئاً مثل: “نعم، في مثل هذه الظروف كنتُ مكتئباً أنا أيضاً..” ، فإنّك تشعره أنّك تستصغر وجعه. عبّر عن تعاطفك لكن لا تكبت مشاعره. أعظم ما يمكن أن تشاركه مع صديقك هو قدرتك على أن تسمعه. هذا كلّ ما يحتاجه.

 

11- لا بأس أن تسأله إلى أينَ وصلت مشاعره:

كيف يشعر حقاً، وكيف يتواكب مع اكتئابه؟ الأفكار الانتحاريّة حدث شائع للمكتئبين، ولا بأس أن تسأله مباشرة عن كيفيّة اهتمامه بنفسه، وأن تخرج بخطّة أمان من أجل الأوقات التي يكون اكتئابه فيها طاغياً أكثر من المعقول.

 

12- نظّم وقتاً ثابتاً تقضونه معاً:

اعرض عليه قضاء بعض الوقت معه مرة أو مرتين أسبوعيّاً للتمرين أو شراء البقالة أو التسكّع معاً. اسأله إن كان بإمكانكما طهو العشاء معاً وأن تخططا لموعد صداقيّ. أحد أصعب الأشياء في الاكتئاب هو الشعور بالإنهاك الشديد حتى لا يطهو لنفسه طعاماً صحيّاً، لذا ستكون عوناً حقيقيّاً له بأن تطهو طعاماً يمكنه تخزينه في ثلاجته أو مجمّده لوقتٍ لاحق.

 

13- أن يكون مكتئباً، لا يعني أنه ضعيف:

في كتابه (ضدّ السعادة: في مديح الميلانكوليا)، يستكشف المؤلف (إيريك ج. ويلسون) أعماق الحزن، وكيف أن اختبار الألم النفسيّ يجعلنا –في الواقع- أناساً أكثر تعاطفاً وإبداعاً. وبينما يشرح الفرق بين الاكتئاب والميلانكوليا، فهو يرفض فكرة (السعادة المنفوخة) التي يهجس بها مجتمعنا وثقافتنا، وبدلاً من ذلك يشرح كيف نحصدُ الفوائد من اللحظات المظلمة في الحياة. يقول ويلسون:

“بدايةً يؤسفني القول أن التركيز المفرط لثقافتنا الأمريكيّة على السعادة على حساب الحزن قد يكون خطيراً، ونسياناً متوحّشاً لجزءً جوهريّ من أيّ حياة مكتملة. وأنبّه ثانياً على هذه الاحتمالية: الرغبة في السعادة فقط في عالم مأساوي بكلّ وضوح هو صيرورة إلى الزّيف، وإلى الركون إلى تجريداتٍ غير واقعيّة تتجاهل المواقف الواقعيّة. وأخيراً تقلقني جهود مجتمعنا في محو الميلانكوليا من النظام. من دون اهتياجات الرّوح، هل ستنهار أبراجنا المتعالية بشموخ؟ هل ستتوقف سيمفونياتنا الممزّقة للقلوب؟”

بأسلوب مماثل، يناقش الطبيب النفسانيّ والفيلسوف د. نييل بورتون في محاضرته في Tedx كيف اختبر الاكتئابَ أهمّ وأقوى الناس تأثيراً في التاريخ، ويوضّح رؤية وطريقة تعامل ثقافتنا للاكتئاب ومعه، وكيف تختلف المجتمعات التقليديّة في مقارباتها، بكونها تنظر للمِحَن الإنسانيّة كمؤشّر للحاجة لمعالجة مشاكل الحياة الضروريّة، لا كمرضٍ عقليّ.

من المهمّ أن نتذكّر أن الاكتئاب ليس شيئاً يُنظر إليه على أنّه مُخْجِل أو فاضح، وأن اختباره لا يجعل المرء ضعيفاً أو غير ملائم.

حياةٌ في جَسَدِ الأيّام.. (رسالة)

9f19af6eec9ffc7afb613df4aeafe81f

محادثة ممتعة؟ أحتاج هذا من وقت لآخر، وإن أمكن فكل الوقت. تبدو كبهارات الحياة، ملحها حتى، وأكثر الطعام لا يحلو بغير هذين. كقطعة نادرة نقطع المحيطات لأجلها لأننا نعرف أنه لا يوجد مثلها، وأنها تستحق.. وقد أقطع المسافات وأفعل أي شيء على أمل نيل محادثة ممتعة، كهذه التي نتبادلها الآن يا لبنى :)

لم يعد في هذا العصر ما يثير الاهتمام.. كل شيء يبدو لذائقتي معدنياً، آلياً جافاً جدا بلا روح، احصل على هذه الشهادة لتنال تلك الوظيفة، ابحث عن راتب كذا في شركة كذا لتعيش حياة كذا وتموت مرتاحاً كأنما لا حق لك أن تعيش حياتك كما تشاء! وهذا كله يخيفني يا لبنى، أهرب من هذا كله لحياتي، لعالمي الصغير، الذي ما أزال أستكشفه وأضم إليه الناس والأشياء والتفاصيل، والمحادثات. أشتاق محادثات كهذه، بعث الحياة في جسد الأيام الميتة هذه. أهرب ببالي وجسدي لتلك الجزيرة حيث ينال عقلي ومعه روحي حياة حقيقية، قبل أن ألقيهما ثانية لعالم المعطيات والاحتمالات المقيتة، المخيفة.

فلنجد دائما الوقت والكلمات لمحادثة يا لبنى :)

 

محمد..

11 مايو 2015

كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (5): اكتب، حتى الموت.

“ملاحظة: هذه التدوينة مثالٌ لفكرةٍ لم أكتبها في وقتها ولم أكتب لها حتى رأس موضوع، فقط لأنني أحسست أنها ستفسد وتفقد بريقها لديّ، بل وكنت سأكرهها بشدّة إن فعلت. هذه المرّة كانت الفكرة في رأسي فقط فاختمرت فصارت إلى هذا. ولستُ واثقاً بعد إن كنتُ سأحبها أم لا، لكن كلّ هذا يظلّ محاولات.”

f14b6843e09201a364eef5e6c1b157e3

تخيّل أنك سيّاف محارب يشقّ طريقه الخاصّ جداً، ماذا كنتَ لتفعل؟

ستشاهد عشرات السيّافين يقاتلون وتتابع أدقّ التفاصيل، حركات وضربات السّيف ومسكة المقبض وقوّة الذراعين وسرعة القدمين، ستحاكي ما تراه مناسباً وستتدرب كلّ يوم، ربما لبضع سنوات، قبل أن يولد – ولادةً عسيرة في الواقع –  أسلوبك القتاليّ الخاص. لن يرضيكَ أبداً أن تظلّ إلى الأبد تحاكي العظماء.

الكتابة طريقُ محاربين آخر. تختلف الأدوات والأساليب والأفكار لكن الحالة واحدة. بالتأكيد يفهم ذلك كلّ كاتب مرّت عليه بضع سنوات. تذكّر كم مائة من الكتب قرأت وكم مقالاً سخيفاً وجيداً وبديعاً طالعت، وكم ورقة مزّقت. يبدو غريباً حين تنظر للوراء وتتذكّر هذا كلّه، كيف كنت.

لم أرَ كامل الطريق وإنما أتلمّس خطواتي في بدايته فقط. كيف وجدتُه من الأساس؟ أخبرني أحمد جلال يوماً –حين سألته- أن: اقرأ كتير، اكتب كتير. استصعبت الأمر وكنتُ –كالعادة- متعجّلاً جداً، كنتُ مندمجاً وقتها مع مجتمع الصالون الأدبي الطنطاوي حيثُ كنتُ أرى أصدقاء يفوقونني مستوى بعدّة سنوات وقراءات وكتابات، بقدر ما كان هذا دافعاً للغيرة كان سبباً للاكتشاف أن الأمر ليس بهذه السّهولة. بالمرّة. طريق محاربين حقيقيّ. كتبتُ عشرات القصص في البداية لو قرأتها الآن لخجلت من نسبتها لنفسي، كتبتُ مقالات وتدوينات مختلفة وترجمت، فعلتُ كلّ شيء تقريباً حتى وجدتُ نفسي أبتعد عن القصّ بالتدريج.. حتى بدا لي الآن أنني فعلياً نسيتُ كيف أقصّ أيّ قصة على الإطلاق ما لم تكن بلساني وبعينيّ أنا، لا بعينيْ بطل قصّة مختلق.

 

قبل يومين، قرأتُ تدوينة للمدوّنة الصديقة إيمان عبد الحميد، لطيفة خفيفة الظلّ، كانت تقصّ فيها بعض أفكارها، خواطرها، أحداثها اليوميّة وتفاصيلها الصغيرة بصيغة الشخص الثالث. ببساطة. تدوينة تبدو عاديّة. فجأة أحببتُ الفكرة جداً. نعم، لِمَ لا؟ ألا أمسكُ السيف وأجرّب ضربة أخرى في الهواء؟ ألا أجرّب فقط تغيير الصيغة قليلاً؟ أحكي قصّتي الخاصّة بلسان الشخص الثالث وأدع الأمر هكذا؟

لا أدري فعالية الأمر وما أزالُ متردداً فعلاً. البقاء طويلاً في دائرتي المريحةِ هذهً تعجيل بالموت. ربما. لكن أليس هنالك من حافظوا على أسلوب ما حتى عُرِفوا به؟ أي هذين أنسب؟

كيف أكتب؟ ما الذي أوصلني فجأة إلى مفترق الطُرُقِ هذا؟ ليس هذا مما قد يعطّلني عن الكتابة. أظنّ الطريق يكشف نفسه لمن يسير. اقرأ كثيراً، اكتب كثيراً، جرّب كل شيء وشاهد كلّ شيء، واكتب بينما تراقب، حاول ألا تؤجل فكرة، حاول ألا تدّخر كل شيء حتى تنتهي من المشاهدة فهي لا تنتهي طالما تتنفّس، وقد تموت قبل أن تفعل. اكتب.. فقط، اكتب. أبقِ نفسك حيّاً، واكتب. اكتب حتى الموت.

 

محمد..

محاولاتٌ للاحتيال..!

Writers-are...

كثيراً جداً مؤخراً، أستمتع بصحبةِ نفسي.

يعني؟ أن ألجأ لمقهاي المفضّل (ميركاتو)، أقلّب القائمة باهتمام شديد كأنما سأختار طلباً جديداً فقط لترسو سُفُني عند فنجان القهوة بالبندق (الدوبل) الأبديّ، وأكاد أرى السأم منّي في عينيْ النادل هناك ناطقاً. أجلس للطاولة وأخرج من حقيبة كتفي الأثيرة (التابلت) رفيق الوحدة المخلص، لأطالع روايةً ما أو كتاباً غير أدبيّ – مع أخذ عشرات الملاحظات والهوامش لصنع جوّ من الاهتمام – أو أشاهدَ حلقةَ أنيمى أو أي فيديو معتّق ينتظر مشاهدتي، أو –غالباً- أكتب. أكتب رسالة لصديقٍ ما، يوميّة، خاطرةً سريعة، نفثاتٍ غاضبة أو حزينة أو بعض الخدوش على جدار الذاكرة، أكتب وأكتب، ألزم مكاني والكتابة في هدوء حتى أملّ.

وبنظرة ملولة/مهتمة أبعث نظري في الجالسين، فتيات مدارس أو جامعات يطلبن مشروبات الكريمة المخفوقة والشوكولا والكراميل الفارهة الملونة تلك، شباب بأعمار مختلفة يدرسون غالباً، فتيات أو فتيان ماليزيون يسرّون الناظرين دائماً.. ثم هناك ذلك الشابّ. يتغيّر الفرد دائماً لكن الجوّ هو هو، شاب يجلس وحيداً تماماً في ثياب داكنة منغلقة تليق بمن يرغب في حاجزٍ عزلة شفاف يفصله عن العالم، يجلس إلى تابلت أو لاب توب أو كتاب أو حتى خالياً، إلى فنجان قهوة أو مشروب حلو آخر، يتأمل لا شيء بنظرة زجاجيّة. صورة مثاليّة لمكتئب يحاول إخراج نفسه من حالته ب(دعوة نفسه لمشروب لطيف في مكان هادئ).

أنظر إليه، أستوحش وتتقلّص أعماقي وأنفر. هل قد يصل الانعزال والوِحدة بأحدهم إلى هذا الحد؟ أن يضطرّ – أو يرغب- في الجلوس وحيداً يحاول أن يمارس وحيداً أي نشاط يصلح عادةً لمجموعة؟ ألا يبدو بائساً جداً قاتماً ذابلاً جداً، مُحزِناً جداً كطفلٍ يتيم يجرّد على دُبّه اللعبة شخصيّة ولغة وأفكاراً ويتحدّث إليه في شغف ويلعب معه؟ المنظران يبعثان في نفسي نفس الشعور، وإلى عينيّ نفس شبح الدموع..

 

ثم فجأة أتذكّر أنني –بهذه النظرة- إنما أنظر إلى نفسي في مرآة مجسّدة! أخرِسُ أفكاري في خجل، أفتعل السرور بما أفعل وأختلق مقالاً ذهنيّاً عن فوائد الوحدة وحلاوتها وجمالها وأن الوحيدين والعُزّاب دائماً لديهم ما ليسَ للمجتمعين.. ثم أنتحر ذهنيّاً وأعيد بعثي، وأنتحر وأبعث وأنتحر وأبعث..

 

محمد..

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (4): فلنسكتشف المزاج!

“ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الفاشلة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية). الحقيقة أنني كتبتها (بكرة) فعلاً وأنني لم أسجل حتى رأس موضوع. بمعنى أنني لو كنت متّ هذا الصباح لما كان أحد ليعرف ماذا كنتُ لأكتب الليلة. أجرّب الآن –كما قال أحمد فوزي وقالت لبنى- أن أكتب في غموض، وأدع الكلمات تأتي وحدها. طريق المحاربين.”

freelance_writer_writing

متى، وأين، وكيف، وبِمَ، أكتب؟ باختصار: ما هي طقوسي في الكتابة؟

لا إجابة أو إطار ثابت لديّ للأمر. أخبرت الأخّ يونس بن عمارة في حواره معي بخطوط عريضة للأمر: المزاج المناسب – الموسيقى – أداة الكتابة – المكان – إضافات أخرى، وبتفصيلٍ بسيط جداً في كلٍ. أحاول هنا اسكتشاف الأمر أكثر، وإجابة كلّ سؤال:

المزاج المناسب؟ كتبتُ في كلّ حالةٍ مزاجيّة تقريباً، في الفرح والغضب والحزن والاكتئاب والفقد والنجاح والفشل والوفاة، أفضل ما كتبتُ كان في الحزن والفقد والفشل، يليه الفرح والغضب والمزاج المعتدل، لا أكتب أثناء الاكتئاب تقريباً إلا نصوصاً قصيرة كئيبة يتجاهلها عقلي رغماً عنّي الآن. أرى نفسي أكتب أفضل في المزاج المعتدل، هذا يترتّب بشكل كبير على التالي..

الموسيقى؟ يقول بعض عظماء  الكتّاب (منهم ستيفن كينج Stephen King كما أذكر) أنه من الضروري أن تكتب بمعزلٍ عن المشتتات. ما تعريف المشتّتات؟ أغلب ما كتبتُ كتبتهُ تحت تأثير موسيقى الميتال أو الروك على الأقل، قليله مع موسيقى هادئة جداً! ستيفن كينج نفسه قال إنه لا يكتب إلا على الموسيقى الصاخبة جداً. والله كتبتُ مرة أو اثنتين على صوت (سعيد الهوا) حين كان مناسباً للحالة، بل وعلى Five Finger Death Punch وهم ليسوا إلا صرخات ركبت عليها كلمات أغانٍ!

 نخرج من هنا بتعريفٍ بسيط: المشتتات هي كلّ شيء يخرجك عن مزاج الكتابة وحالتها، ولا استثناءات هنالك وقوائم المشتتات لا تتشابه أبداً. مزيد في هذا لاحقاً.

أداة الكتابة؟ الأفضلية المطلقة للكتابة الإلكترونيّة. أكتب أفضل على اللاب توب ثم التابلت، ويستحيل تقريبا أن أكتب على الهاتف، وقليلاً ما أكتبُ على الورق. لماذا؟ اعتياد، لا أكثر. اعتدتُ لكن في أعماقي لا أحبّ الفكرة كثيراً. أي كاتبٍ أنا إن كنتُ لا أستعمل الورق في الكتابة؟ أعود فأقول: الأمر لا قاعدة ثابتة له، يهمني أن أكتب وأكتب، وأن أرضى عما أفعل. وقتيّاً على الأقل. لا فقدان للأصالة هناك ولا ضعف ولا نقص في التركيز أو الفعل، لا اختلاف بل وراحة تامة، فَلِمَ لا؟

المكان؟ لا أفضلية لمكانٍ على الآخر، كتبتُ أمام اللاب توب وفي غرفتي صباحاً ومساءاً، وفي الكليّة تحت أشعة الشمس وتحت أضواء أعمدة الإنارة، وفي (ميركاتو) مقهاي المفضّل وفي مقاهٍ بلديّة وفاخرة، بل وفي القطار وفي ميدان التحرير، في كلّ مكان اعتدتُ زيارته تقريباً. يهمّني هنا فقط القدرة على الكتابة، والمزاج الذي قد يتيحه المكان. إن كان المكان يقدّم لي تلميحاً للكتابة فلا مانع، وليس شرطاً. لستُ انتقائيّاً جداً ها هنا.

النسكافيه؟ الشاي؟ البسكويت؟ الشات؟ مواقع ومهامّ أخرى؟ اللهم نعم. شرب النسكافيه أثناء الكتابة مزاج مصطنع نوعاً، لكن كثرة الاصطناع تخلق حقيقةً ما، ولا أمانع. لا أمانع من النسكافيه في أيّ لحظة. لا أمانع من مهام أخرى، مع الاعتراف أنها تفقدني طاقتي وتركيزي أكثر الوقت، لكن صدقاً لا أمانع. ربما هذه ليست مما أعتبره مشتّتات.

 

حسناً، الخلاصةُ من هذا كلّه؟ مزاجُ الكتابة المناسب بالضبط، وإقصاء المشتّتات. الأمران نسبيّان تماماً حتى بالنسبة للشخص الواحد، يهمّنا هنا أن نكتب. هل الأمر له علاقة بالموضوع؟ أحياناً، المقالات الجادة والبحثيّة والإنتاجية تحتاج تركيزاً أعلى لا يتوافر في الشارع قطعاً، التدوينات العاديّة والخواطر كتابتها حتى في جحر ضبّ ليست مشكلة. المشكلة الحقيقيّة في الكتابة في قطار، صخب وحركة لا تنقطع ومشهد متغيّر كلّ ثانية. المشتّتات؟ ما تعريف المشتّتات؟ أيّ شيء يقصيك عن مزاج الكتابة، فقط، اترك المجال لمزاجك أنت ليحدد، وافعل ما تشاء ولا عيب أو خطأ ها هنا.

 

هل الكتابة قيد؟ هل هي التزام؟ التزام نعم، لكن ليست قيداً. ليس كلّ التزام قيداً ولا يصحّ العكس. الكتابة تحررك، تشكّلك، تضيف إليك، تحطّمك وتدمّرك وتعيد بناءك، أنت هنا النحات والإزميل بيدك وحجارة الجبل كلّها أمامك، ولا قيود. امضِ وسينحفر الطريق تحت قدميك. فقط حاول أن لا تترك الإزميل.. لا تترك السيف من يدك. طريق المحاربين يحتمل الانحراف والشطط والتجارب، لكن لا يحتمل –طويلاً- القعود، ولا يحتمل الرجوع أبداً.

ما تزال محاولة الاستكشاف ناقصة لا ترضيني، وقطعاً ما تزال للحديث بقيّة.. (تحيّة خاصّة مهداة إلى العظيم آيزاك أزيموف، ما امتدّت هذه السلسلة..)

 

محمّد..