تداعٍ حُرّ.

0cd37ab7bf5d0c29bb79c504ee6608ec

“في سعينا ع المعايش، ما يهمّنا غموس وفايش، ولا اللي جال لأ طايش، ولا اللي خاف شَيّ عايش، ولا اللي يرضى بدناياه..”.

سيد حجاب.

*****

تبدو الموسيقى الخالصة الخام من دون كلمات أو سياق معيّن، فكرة رائعة. تخيّل أن تكون رسّاماً وتُقَدَّم إليك إمدادات لا نهائيّة من قماش الرسم والألوان والفُرَش، وأن تحكم العالم كاملاً لأسبوع لتكون عندك من مادة وموضوع الرسم ما يكفيك، ماذا كنت لتفعل؟

كذلك تفعل الموسيقى الخام. أستمع إلى مقطوعة لبيتهوفن، الجزء الأول من الحركة الرابعة من السيمفونيّة التاسعة من ترشيح أحمد العيص. ليست موسيقى خام تماماً فهي مختلطة ببعض الأصوات الأوبراليّة الضخمة التي لا أفقه فيها حرفاً طبعاً، غير أنها تبدو –فقط- مسليّة، تزيد مساحة الخيال. اعتدتُ فترة لا بأس بها من عمري على الوجبات الموسيقيّة الجاهِزة، أغنية من أربع أو خمس دقائق ولحن معروف وكلمات محفوظة متكررة، وكنت أقنع بهذا وأجد فيه من الخامة الكافية الكثير. لكن كلّ شيء يتغيّر والعيون ترى أكثر والعقول تتوسّع، والحاجة لخامة أكثر ولعالم أوسع تتزايد. الخامة موجودة وما تزال يد عقلي تعابثها، لكن لا موضوعات كثيرة بعد. الأمر صار كأن نفسي حَطَبٌ ألتهمه بنيران من الكتابة، عود خشب في المرّة. سيفني الخشب يوماً وسيحتاج للتجديد قبل أن ينطفئ اللهب.

 

أتابع هذه الأيام حلقة دراسيّة على الإنترنت عن “تعلّم التعلّم”، وهو موضوع على بساطة عنوانه، عميق ومعقّد نوعاً ومسلٍ في الوقت ذاته. أول ما تعلّمت فيه هو أن المخّ حرفيّاً فيه القابليّة للتطوّر والاتساع والتغيّر، وأنه يفعل ذلك بالمزيد من الخبرات الجديدة وبالكثير جداً من التدرّب. أمر التدرّب سهل لكن الخبرات الجديدة؟ لستُ واثقاً. أنا مؤخّراً إنطوائيّ بعض الشيء إن لم أكن أتحوّل في صمت إلى مدمن إنترنت آخر، لا أواجه الكثير من البشر لما واجهتهُ كثيراً من الكثير منهم مؤخّراً. وقطعاً لا أسافر في أيّ مكان على الإطلاق. أنا انطوائيّ من نوعية on/off، اليوم أريد وغداً لا أريد، أرغب في السفر ولا أرغب في الحركة في الوقت ذاته. مزيج عجيب يُقْعِدُني رغماً عنّي.

 

*****

ليس لدينا مشكلةً حقيقيّة في الحفظ، فلماذا ننسى دائماً؟

لا أظنّ أن الأمر ضعفٌ في الذّاكرة فالذواكر متناثرة في كلّ شبر، فقط نحن لا نربط الذاكرة القديمة بالذاكرة العاملة، شديدو الخيبة في اسقاط ما مضى على ما يطرأ. ليس الأمرُ حتميّة تاريخيّة من نوعٍ ما، إنما هو –فقط- غباء البشر ذاته: رغباتهم وإطاعتهم لرغباتهم وظنّهم المتوارث أن فرصتهم ستكون أفضل ممن سبقوهم.

إذاً ليست آفةُ حارتنا النّسيان. آفة حارتنا: التجاهل.

 

محمد..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s