خواطر سريعة بعد سنة تقريباً في قلب التِرس العملاق..

– حرفياً بقيت بدفن نفسي في الشغل، وأحياناً بلا رحمة، بقبل شغل من 3 جهات مختلفة أو أكتر لمجرد إني أشتغل وإني ما أواجهش شبح الفراغ ولو ليوم واحد، ولأني مش بقدر أرفض طلب مستعجل من عميل مضغوط زي ما أنا مضغوط.. للأسف.

– المشكلة في رمضان إني لا قادر أشرب نسكافيه في الصيام ولا حتى في الفطار!

– حالة مريبة من “العته الاجتماعي” إن شئت. ممكن الواحد يتظاهر بفهم كل شيء في العالم بينه وبين نفسه كما شاء، بس في التعامل الفعلي –والمقصود بيه مع زملاء العمل مثلاً- فيه درجة من العته لا بأس بها.. ومش قادر أفهم مبررها لسه.

– اللي بيحصل بعد فترة من الانضغاط في الشغل إنك -ببساطة- بتتكيّف، وإنك مش هتلاقي نفسك بتبدأ تهرب إلا لما تكون عديت الthreshold بتاع طاقتك وجسمك وروحك فعلياً. أيوة بتتكيف وبتزداد قوة وتحملاً وصبراً وبروداً كمان أحياناً.

– المدير الجيد جانب لا غنى عنه من جوانب العمل الجيد. حتى لو كان المدير الجيد ده ضاغطك شوية في الشغل أو هو نفسه منضغط من رئيسه زيك بالضبط. المدير اللي بيحترمك وبيقدرك معنوياً محفوظ القدر والمكانة.

– بيحصل لي الفترة دي زي سايتاما Saitama من أنيمى One-Punch Man، الراجل بعد ما بقى الأقوى في العالم من فرط التدريب، بقى تقريباً متبلد الإحساس بحاجات كتير.. بحاول أقاوم ده جاهداً لأني مش بعتبر نفسي محمد الوكيل إلا بكون الكائن المنفعل عنيف المشاعر والانفعالات، مش المكنة أو الثور الداير في الساقية.

 

محمد الوكيل

(نقلاً عن البوست ده في فيس بوك، مع إضافات – 15 و16 يونيو 2016)

على الخطّ بين أرْضَيْن.

3c5238385a3cf53d83290a297ce75aaf

(Source: https://www.pinterest.com/pin/466615211373550607/)

قبل زمن، وقبل أن أَلِجَ هذه الدوّامة، وضعتُ لنفسي –على مدخلها- تحدّياً: لن أتوقّف عن الكتابة ولا عن القراءة، ولن يشغلني السعي على المعايش والتيه في الحياة عن الكتابة، ستكون محراباً صغيراً آوي إليه، وستكون القراءة جبلاً يعصمني من ماء الحياة الآسن.. والأهمّ: لن أصير وجهاً آخر في الزّحام.

وأجدُ في نفسي علامات الانحدار إلى الفشل.. بصعوبة شديدةٍ أكتب، ببطء شديدٍ أقرأ، لا وقت وإن وُجِدَ الوقت فلا رغبة ولا مِزاج، الترجمة الحرّة هي كتابتي وقراءتي الوحيدة وأبداً لا أنكر نفعها العظيم، لكن لا غنى أبداً عن فلكي الذي أدورُ فيه ولو متباطئاً. غير ذلك فإنني أدون من أكون أحد أسنان الترس العملاق.

فلأواجه الحقيقة: أنا في الطريق لأصير وجهاً آخر في الزّحام، ما لم أفعل شيئاً، ما لم أُقاوِم. بأيّ طريق؟ أكتب طبعاً! ماذا أكتب؟ هذه التدوينة.. أقرأ.. ماذا أقرأ؟ “صرخة النورس” لإيمانويل لابوري، كتابُ لطيف خفيف ممتع، لا يخلو من لسعةِ الألم. أترجم.. ماذا أترجم؟ ما يقع في يدي من نصوص تابعةٍ لعملي.. أبداً لم أشعر أن هذا عمل، كل لحظة فيه هي متعة خالصة بالنسبة إليّ، تخيّل أن تفعل كلّ ما تحب بينما تعمل: تقرأ، تكتب، تتعلّم، تبحث وتستكشف، وكل ذلك يسمونه هم: عملاً! هو بهجةٌ حقيقيّة، وشيء وحيد نادر أستيقظ صباحاً كلَّ يومٍ لأجله.

هل أعتبر أنني فشلتُ في التحدي؟ أنا في مفرق الطرق، أو على الحدود بين الأرضين، تشدُّني كلّ أرضٍ إليها، ولأسباب قويّة في الحالتين للأسف.

عجيب أن يأتي على الناس زمانٌ يضطّرون فيه للمحاربة لكي يكونوا “بشراً” فقط.

 

محمد..

30 أبريل 2016

عالياً تطيرُ في الفضاء، وحياة حائرةٌ تبدأ.. (تقرير)

بسم الله..

أقتنص من الزمان لحظات، أسجّل فيها تقريراً لما حدث، ويحدث، وسوف يحدث. لم يحدث منذ شهور أن كتبتُ حرفاً واحداً يزيدُ عن منشورات الفيس بوك، وبضعة مذكّرات من الحين للحين، مذكّرات أكتبها كَنَفَسٍ سريع يلتقطه محتضر.

هذا أنا.. :)

ماذا حدث؟ تخرّجت. بعد 9 سنوات كانت فترة حبسٍ حقيقيّة. صرتُ الآن –يزعمون- طبيباً. لم تتغيّر كلّ أوراقي بعد، لكنني طبيب. أقسمتُ القسم صادقاً احتياطاً ليوم أن أعمل فعلاً، أنجزتُ أطناناً من الأوراق لم أنجزها في كل حياتي تقريباً، تسلّمتُ بعض الأوراق، على وشك استلام عملٍ ما في هيئة حكوميّة صحيّة ما، في طنطا، في سابقة لم أتوقعها طوال سنوات الكليّة: طالما كنتُ أتوقع ببساطة أن تكليفي سيرسلني إلى جنوب السودان كما كنتُ أردد شبه مازح. وهو ما لم يحدث بفضل الله. هذا غير مهمٍ فعلاً وأذكره من باب لفت نظر القارئ المعتاد.. أما ما يلفت نظري أنا؟

******

ما أزالُ أعملُ مترجماً.. يتحسن مستواي وبالتالي يتزايد العمل بإفراط أحياناً، لكن لا أمانع أبداً. يوم أقضيه في الترجمة أفضل عندي من 6 ساعات أقضيها في عيادة أو وحدةٍ صحيّة. يلومني الكثيرون وقد لا يعتدّون بالأمر بالمرة، وإن حدث فيقولون: ستكون هواية إلى جوار الطبّ. والحقّ يقال هي ليست بهواية، وإنما الطب هو الهواية هنا.

ما داعي ظنهم هذا؟ هي بلاد تقتل الأحلام بسهولة، تضعها تحت حذاءٍ عسكريّ ثقيل أو حقيبة ملأى بالنقود، فلا عجب أن يرى بعضهم اتّباع حلمك ضرباً من السخف وضياع الوقت، وفي أفضل أحوالهم محاولة بائسة منك لأن تبقى حياً، ومختلفاً.. ربما يغبطونك/يحسدونك عليها، وربما يهزأون أو لا يعتدّون.. والحقّ أنني توقفتُ منذ زمن عن اعتبار نفسي جزءاً من هذه البلاد. يريدون الأوراق؟ فليشبعوا بها، لا أعدّ نفسي جزءاً من هذا المكان، وليروا ما يرون وليشاءوا ما يشاؤون.

******

ماذا تظنّ؟ لا أقرأ كثيراً. 10 كتب في 4 شهور ليس بالعدد الكثير أبداً.. لا أكتب وهذا هو أطول نص أكتبه منذ شهور.. لماذا؟ الأسباب واضحة وشرحناها أعلاه. أنتزعُ نصيبي من القراءة بكثيرٍ من العسر في دقائق معدودة من اليوم، أو من نصوص الترجمة أو من الأوراق الحكوميّة، ونصيبي من الكتابة من الترجمة أيضاً. الترجمة شغفي وعشقي قبل أن تكون عملاً للكسب، لكنها –للأسف- وزنٌ ميّت في ميزان الكتابة.. ما أكتبه ليس كلماتي، وهو –لذلك- كفيلٌ بخنقِ كلماتي أنا إلى أمدٍ معدود.

لا كثير من الموسيقى.. لا لشيء سوى حالةٍ من السأم.

أحاولُ أن لا أسجن نفسي في المنزل أو في دائرتي كثيراً، محاولاتٍ فاشلة في الغالب. أفكر جدياً في البدء باعتبار نفسي ذئباً متوحداً إلى الأبد، لكن شيئاً ما داخلي يرفض. للأسف ما زلتُ لا أستطيع.

أمارس رفع الأثقال وأنحت لنفسي جسداً أقوى وأفضل بكثير.. نعم، أنا أصيرُ أقوى. لن أنكر أبداً خطأي في الاكتفاء بمحاولة تربية العقل والروح.. أحياناً يصل الأمر لنقطة التنافر التامّ: يظلُ جزءٌ من نموّك موقوفاً ومن نظرتك للحياة مغمّى ما لم تسمح لنفسك بتنّفس أفضل وحركة أسرع وغذاءٍ أنقى. شغف آخر لا أسمح لأي شيء بمنعه.

******

ظني أن هذا التقرير لن يكون الأخير ولن يكون بعده توقّف آخر. أشعرني عدتُ للحياة وللتنفس. فلك الحمدُ يا خالق الكون السرمديّ.

محمد..

4 أبريل 2016

في محاولات الإمساك بالحاضر.. (تقرير).

(كُتِبَ بتاريخ 8 أكتوبر 2015.)


81796d0d9718ae73132ceceb65618fdb

أكاد لا أشعر بمرور الزمن، بوجود الزمن حتى..
نعرف مرور الزمن كعامّة على أنه اختلاف الليل والنهار المعتاد، كل مجموعة من التتابعات نسميها اسما ما وتتجمع الوحدات ببطء – أو بسرعة على حسب مسافتك من يوم القيامة – وتكون كتلاً أكبر يتغذى عليها المؤرخون ويسمونها “التاريخ”. وما يسجله هؤلاء هو أهم ما يحدث في كل كتلة زمنية، فقط. إن جردتُ من ذاتي الآن مؤرخاً لحياتي، ماذا سيكتب عن هذه الفترة، بالأحرى هذا الشهر أو الشهران من حياتي؟ سأفترض أنه مؤرخ صبور عاشق للتفاصيل وسنجده يقص الآتي:
ما أزال طبيب/طالب امتياز، في دورة مادة “النساء والتوليد” في شهرها الثاني، لم أحضر يوماً واحداً فيها بالطبع.. لذا أقضي الأيام الحالية بين قراءة القرآن وقراءة بعض كتب متنوعة أحدثها سلسلة صرخة الرعب Goosebumps الشهيرة بالإنجليزية، أعيد قراءتها وأقرأ الكثير مما فاتني منها في طفولتي. اتضح أنها ليست سخيفة جداً كما توقعت وقد أتعلم منها كلمات وتعبيرات جديدة تفيدني في عملي في الترجمة. أحاول مزج بعض الكتب الأخرى منها رواية قصيرة جداً كذيل قط اسمها “أين نذهب يا بابا”، رواية نصف حزينة نصف لطيفة تمنحك على الأقل شعوراً أنك لست الأكثر بؤسا في العالم وأن هناك من هو أبأس منك. كتالوج مبسط لكيفية التعامل مع بؤسك دون “المزيد” من الأضرار. أحاول حشر كتب أخرى آخرها “مفهوم العالمية” لفريد الأنصاري. لا بأس.


أعمل بالترجمة. مجموعة من الأوراق البحثية والكتب عن التربية والأطفال لا أشعر بالغربة في ترجمتها، وأجد فيها سلوى ما. أجد فيها جزءاً أصيلاً من نفسي. ترجمة حرة بسعر زهيد جداً لا أمانع منه هذه الفترة.
لا أستمع للكثير من الموسيقى الجديدة، ولا الأفلام الجديدة ولا المسلسلات الجديدة، ولا ألتقي أصدقاء جددا ولا حتى قدامى، بل وأغلقت حساب فيس بوك منذ خمسة أيام وما زلت مستمراً. لماذا؟
لا أعرف. ربما لهذا أكتب الآن، بصعوبة حقيقية يعلم الله القدير. حتى هذا عَرَضٌ حالي للحالة. لا أكتب. أكاد لا أنتج شيئاً جديداً، لا أفعل شيئاً جديداً بل وأتهيب. ما الذي يحدث؟


اليوم عند الحلاق اكتشفت أن حتى الكلام صار صعباً بل وبدأت أنساه. حاولت الابتسام فشعرت كأن أخدوداً ينشق قي هضبة صخرية. لم أكن مهتماً بالتوادّ مع أحد إلا أنني أجبرت نفسي إجباراً على الحديث مع الحلاق وصديقه المجاور لي في المحل. تأملت ابتسامتي في المرآة فكرهتها وكرهت نفسي. ابتسامة حقيرة منافقة من وجه اعتاد على الابتسام في وجوه الجميع دون سبب ودون مناسبة. الحقيقة أنني لم أرغب في أكثر من الصمت.

أصدقائي؟ لا أعرف. أفتقد العديدين لكن لدي صعوبة حقيقية في الإبقاء على أي محادثة بيننا لأكثر من بضع دقائق. والله أريد أن أتحدث.. لكن الحديث الذي أريده أشبه بتخاطر عقلي لا حاجة فيه للمظاهر ولا وجود فيه للحرج. كيف كان يتحدث الناس؟ كيف يتحدث هؤلاء كلهم بهذه السهولة من الأساس؟ هذا يغيظني ويحبطني. كيف صارت كلماتي التي تخرج بصعوبة، معقدة بليدة مغرقة في النطاعة اللغوية؟ هل بدأت أنسى كلام الناس؟؟
التساؤل عن المستقبل يبدو عبثياً في أيام أحاول فيها فهم حاضري بداية وبداهة. متى صرت وحيدا جدا هكذا؟ متى صارت أخرس هكذا؟ الكلمات تدور في عقلي بلا توقف ولا أنطق. أريد أن أتقافز في الهواء وأن أركض وأثب وأرقص وأطيل شعري، وألعب الدومينو والطاولة وأشرب سيجارة حشيش وأشاهد مباراة ببسبول وربما ألعب، أريد أن أعزف موسيقى وأن أسمعها، وأن أخرج مع فتاة أحبها دون شروط ودون تساؤلات ولا انتظار للمستقبل. جسدي لا يساعدني، عقلي لا يساعدني وقدماي لا تساعدانني وجسدي لا يساعدني. لا شيء يساعدني، لا أحد. أود أن أتمشى بلا توقف وأن لا أحتاج للرجوع للمنزل. أحتاج للإمساك بحاضري قبل أبدأ بالتفكير في المستقبل.

متى كانت الحياة بهذه السخافة؟ هل كانت هكذا دائماِ دون أن أدري؟

 

محمد..

رسالةٌ من القارئة..!

shutterstock_60417475-1024x680

صباح غير باكرٍ جداً، الساعة العاشرة والنصف تقريباً. أجدُ ضالتي لبداية اليوم – فنجان قهوة مضبوط بالبندق – في مقهى صغيرٍ جداً بمساحة غرفة في شارعٍ رئيسيّ ما. أدخلُ وأطلب عصارة التّركيز من النادل النحيل وأحاول أن أستقرّ على الكرسيّ الخشبيّ الطويل غيرِ المريحِ جدّاً. مقهى ضئيل سمعتُ عن جودته وقررتُ إجراء مغامرة صغيرةٍ بزيارته بل وبتجربة نوع قهوتي المفضّل منه. إنها القهوة، لا فكاك إذاً.

تصل قهوتي لتكون الرشفة الأولى بداية لقراءةٍ صباحيّة قصيرة. أخرج تلك الرواية الإنجليزيّة الحمراء، بدت مغريةً في حجمها وغلافها الأحمر وشهرة مؤلفتها. وبينما يتجادل المحامي وزوجته المحامية عن قضيّتهما المشتركة في شدّة –على الصفحات الأولى-، ألاحظ في ركن الصّفحات بقعة قديمة لسائلٍ ما، وبعض تجاعيد. بقعة صفراء ثابتة تشي بأنها كانت قطرات تساقطت من كوب شاي ساخنٍ في وقتٍ ما. متى؟ الكتاب قديم فعلاً، طُبِعَ في بدايات الألفيّة وتناقلته عدة أيدي، على الأقل خمسة أيدٍ قبلي.. يد أنثى؟ نعم ربما، لا سبب منطقيّ هنالك لكن لديّ انطباع بأن لدى كتابات النساء جاذبية أعلى لدى النساء.

فيمَ كانت تُفَكِّرُ القارئة؟ كم كتاباً قرأت لتلك المؤلّفة؟ ماذا كانت تنتظر من الكتاب، وأيّ درجة من الشغف بالكتاب كانت لديها حتى لتقرأه مع فنجان شاي بل وتسقط منه عفواً بضع قطرات، وعلى الكتاب؟ كيف شعرت؟ هل فزعت وحاولت تجفيف الشاي سريعاً قبل النهاية المحتومة؟ هل حزنت؟ هل لم تلقِ بالاً أصلاً فالكتاب قديم بأيّ حال؟ تبدو مثيرةً فكرة قراءة قارئ العربيّة لروايةٍ شعبيّة ما بالإنجليزيّة، خاصةً إن كانت قارئة. للقارئات دائماً سحر خاص، لا تنكر هذا رجاءً، ولنتحدّث في التفاصيل الأخرى لاحقاً.

بقعة كأنها رسالة خفيّة خفيفة عبر الزمن (أنا كنتُ موجوداً وقرأته قبلك، هو ممتع لا تقلق، فقط تابع)، من فترة من بين 2001 و2015 إلى فترة ما في مستقبلٍ بعيد. تلقّيتها، ولا أعلم بعد من المُرْسِل.

 

محمد.