نظرة نحو السماء، ومحاولةٌ للسموّ.

0d7cb49ee4a5b19751c483fe2e1b01db

(تصوير: أدريان فاولر Adrian Fowler)

تخيّلي أن تدفع رقصتُكِ الصامتة تلك، حجراً لأن يكتب. ذلك ما فعلته وتفعله بي رقصتكِ، وتفعلينه.

ما هنالك قد مسّني؟ فلنقل: اخترق قلبي بسكّين ناعمة نافذة، كانثناءة جسدكِ ناظرةً للسماء؟ كيف ترينَ السّماء بينما تميلين للخلف في استعداد للانطلاق، للطيران نحوها؟ ويا لحظّ السماء بنظرةٍ منكِ! كيف شعوركِ بينما تفتنين كُلّي وأنتِ تفعلين ما لم أستطع: تصلين لأقصى حدود الجسد إطاعةً لنداء الروح والقلب، يناديانكِ أن ارتفعي فلا مُقَامَ لكِ هنا، فتكادين بخطوة رشيقة منسحبة من أرضنا الوضيعة أن تحلّقي، قدمٌ في الأرض وقدمٌ تكاد تغادرها، والأجنحة توشك على الانبثاق من ظهركِ، واللهِ حتى لأراها بعين خيالي بيضاء رشيقة شاهقة مفرودة تشتاق لأوّل رحلة.

للمرة الأولى أرى نهراً منهمراً منسدلاً في المكان، في شعركِ، الحرير الدافق على أجنحتكِ، الذي يرفض أن يكون مجرّد شَعر، لا يرضى بأقلّ من أن يكون نهراً من اللون الغامض الكثيف، لون سيل أفكاركِ بينما تنسين الدنيا، العالم، الأرض، وتحلّق أفكاركِ وروحكِ بجسدك، تكاد، إلى علّيين. في بساطتكِ جميلة، في حريّتكِ وهيئتكِ وثيابكِ، في لون المكان والزّمان حولكِ، الرماديّان كأنما يحاولان تخليدكِ ورقصتكِ.

لا ألم أكثر من أن يكون الجسد قيداً، صحيح؟ من أن توشكي على التحليق فتشدكِ في هدوء لكن في حزم قدماكِ إلى الأرض، وأقصى انحناءة لظهركِ إلى حقيقة أنكِ ما تزالين جسداً، وأن الانطلاقة على قُربها عسيرة، وأن انبثاق الأجنحة قبل كلّ شيء مؤلم، جميل لكن مؤلم. لكن من أنا لأقول هذا أو أعلّق؟ هل رأيتِ مثلكِ في غيركِ أو فيّ؟ هل حاول أحدهم كسر الحدود مثلما حاولتِ؟ نحاول ونعيش لنحاول نجحنا أم لم ننجح، ولو كانت كلّ المحاولات مثلكِ جميلة لربما أحببتُ المحاولة أكثر، ولو كانت الحياة حرّة كروحكِ منسابة كجسدكِ تحملنا عن الأرض كأجنحتكِ لكنتُ عشتُ ألف عام ولم أبالِ.

ما تزال قيود الكتابة تخنقني، ولم يكن ذلك سوى انبجاس قطرات ماء من الحَجَر، قد لا يتكرر ثانية أبداً.. لكن قد يتكرر.. حتى الحجر قد تنبعث فيه الحياة بمرآكِ، بمرأى مثلكِ إن وُجِدَ لكِ مثل. ابعثيني، اجعلي منّي حياةً بين الأموات، ارفعيني معكِ ولنحلّق فوق ظلام الأرض. اكتبيني واجعليني أكتب، أكتب حتى تفنى أصابعي وحتى يفنى جسدي فلا تعود لي قيود بعد.

 

محمد..

8 نوفمبر 2015

اتفاقات غير مكتوبة.

8238f6143fb754c2dd1a0746dab4e90d

الاتفاقات غير المكتوبة، روح صامت يسري بيننا. ذلك العهد غير المنطوق غير المنصوص غير المذكور أبداً، ذلك الذي نعرفه جميعاً ولا نقوله ولا يجرؤ أحدنا على ذِكْره أو خَرْقِه. السرّ الدفين والميّت الحيّ والغائب الحاضر أبداً، الذي يخنقك وجوده وتثقلك هيبته بمجرّد تذكّره ومن أول خطوة جريئة/وقحة لك لخَرْقه.

الاتفاق غير المكتوب هو أن لا تتحدثوا في ذلك الجرح القديم المشترك ثانيةً أبداً، هو أن تتفقوا على إنهاء حياة ذلك الرابط المشترك دون كلام، دون فعل، فقط تدعون الأمور تموت دون ضجّة أو صداع. هو أن تتفقوا على أن تكونوا معاً للأبد، هكذا فقط، حينها تصير المكاتيب والخواتم شكليّات عديمة المعنى، لأن عهدكم/عهدكما غير مكتوب.

 

محمد..

13 ديسمبر 2015

فكرة سريعة، عن أساسات البناء، والمبنى.

abf169d184ea2eec3d36f95f89ab2c85

(مصدر الصورة)

فكرة أن يكون أجدادك هم من حفروا أساسات البناء، تبدو مغريةً جداً. مغريةً لك بأن تقضي أجيالاً تتباهى بالأساسات التي لم ترمِها أنت، تتباهى بالبناء الذي يعلو ولم تضع فيه أنت حجراً بل وتظنّه ملكك فقط لأن “جدك” هو من حفر الأساس، بل ومغريةً بأن تجلس وتتأمّل البناء الشاهق في حسرةً كسول ممصمصاً شفتيك: “كم يسبقوننا وكم نحن متخلّفون!”.

والله البناء لا ينتظر صاحب الأساس ليكتمل. والذين يبنون لن يبقوا عبيد إحسان أجدادك للأبد، بل وربما لا يتذكّرون أصلاً الإحسان ويعتبرونك سفيهاً إن حاولتَ حتى إثبات ما تقول بأيّ مستندات ملكيّة، ولن يكون البناء ملكك لمجرّد أن “جدك” حفر الأساس وأنّك تركت الأرض والأساسات تُسْرَق. آه.. والبناء لن ينهدّ بمجرّد أن تذكّرهم بأن أساسه ملكك، ولن تتمكّن من هدم كلّ هذا وإعادة بنائه مرة أخرى. القيامة لن تنتظر نهضة معاليك.

 

محمد.

أريد أن أرسم.

mineral

بقيت لوقتٍ طويل، أستكشف دهاليز وممرّات متاهة الكتابة، أكتب عن الكتابة وأفكّر في الكتابة، أبعثُ برسائل وأضع نفسي في حالات الكتابة المختلفة، أبتكر الأفكار وأمزجها وأدمجها وأربط بينها. إلى أن اكتشفت –فجأة- أنني أتمنى أن أصبح رسّاماً!

كنتُ في طفولتي أرسم. أرسم الكاريكاتير كما كنت أراه في مجلات الأطفال القديمة، أرسم كثيراً وبشغفٍ واهتمام حقيقي، اهتمام من لا يفكّر في (الحوار ده جايب همّه وهيجيب فلوس ولا لأ)، قلّدت ونسخت وابتكرت ورسمت القصص المصوّرة وأعددتُ مجلّات فكاهيّة ومجلة حائط أو اثنتين، وانتهى ذلك كلّه مع الثانوية والكليّة، أكبر أهمّ خدعتين في حياتي، خدعتان بسببهما دهست شغفي دهساً بالحذاء راكضاً خلفهما.. أو مدفوعاً خلفهما، لا فارق.

 

كما قال الجوكر: عودةً إلى الموضوع في يدنا.. اكتشفتُ فجأة أنني أتمنى أن أصبح رسّاماً. حكى (جوزيه ساراماجو Gose Saramago) الروائيّ الوقح الجريء الممتع المبدع فعلاً، في روايته (كتاب الرّسم والخط) عن ذلك الفنان المجهول الذي عاش عمراً يرسم البورتريهات حسب الطلب، إلى أن اكتشف أن ليس هذا ما يريده، وأنه لا أسلوب خاصّ له. لا يرسم لنفسه، لفنّه ولا بيده هو. هو ينسخ الوجوه فقط. هكذا بقي يرسم نسختين من كلّ بورتريه (أصلية كالمطلوبة ونسخته الخاصة)، صار يكتب ويلهب يديه كتابة في تفاصيل التفاصيل: كيف بدأ هذا؟ لماذا؟ إلى أين هو صائر؟ كيف يعيش وسيعيش؟ كيف سيُجري هذا التحوّل؟

 

هل أزعم أنني مثل ذلك الفنان؟ لا، ليس بعد. ها أنا أكتب وأقرأ بشراهة هذه الأيام.. لغرض لا أعرفه بعد. أنا أحبّ ما أفعل وأراه بعين قلبي مهمّاً، وتراه عيني القاصرة مضيعة للوقت –لأنه لا يجلب مالاً-. عيني قاصرة فعلاً ومجازاً، فلِمَ يجب أن أصدّقها؟

كيف بدأ الأمر؟ فقط رأيتُ إحدى خلفيّات هاتفي، و..رأيتهنّ يرسمن. هكذا فقط. هكذا فقط اكتشفت أنني أريد أن أفعل هذا أيضاً! هل أرسم بدافع الغيرة هنا؟ لا أعلم، لكنني فقط أريد أن أفعل هذا!

هل أُجْري هذا التحوّل؟ هل أرسم؟ هل أكتب؟ هل أبتكر لنفسي حالةً جديدة أكثر تعقيداً من هذه الحالية (أستمع حالاً إلى Seether وأنازع دور برد مفاجئ)؟ كيف يرسم الرسّامون؟ في غرف زاخرة بالفوضى وبقع الألوان والفُرَش والزيوت والأقمشة؟ على موسيقى بوهيميّة مليئة بالحركات الناعمة والآهات؟ ما الجدوى التي يرونها في بحيرة من الهلام الملوّن يرسمونها لساعات وأيامٍ على القماش؟

ربما هو طريق محاربين آخر: استكشف الطرق وخُض تيهك الخاصّ ومارس وتمرّن. ولا شيء أفعله سوى الممارسة، والكثير من الانتظار.

 

محمد.

28 أغسطس 2015

قراءة في سلسلة (كيمياء الصلاة)–د. أحمد خيري العمري

BOyHocjZkfo

على Goodreads

بسم الله..

لأكن صادقاً من البداية فأقول أن عقد الجواهر هذا (سلسلة كيمياء الصلاة بأجزائها الخمس) كان في ظنّي وقبل الإطلاع عليه بدايةً، مجموعة كتابات إسلاميّة ساذجة أخرى، أو في أفضل الأحوال محاولة دعويّة شبيهة بتجارب (الدعاة الجدد) حيث الغائيّة هي بناء ظاهر حضارةٍ وظاهر عبادة، بمضمون ناقصٍ فقير متجافٍ عن جُلّ المعاني الحقيقيّة للدعوة.

غيّر رأيي تماماً وللمرة لا أذكر كم، د. أحمد الديب، صديق حبيب عظيم الأثر فيّ أثق في نظرته ورجاحة عقله؛ حتى أن رأيه في أيّ كتاب شهادة حاسمة أمينة تماماً له أو عليه.. وقد قال بأن هذا الكتاب هو أهمّ ما قرأ في حياته!

دفعني هذا دفعاً للقراءة؛ فقط لأجد نفسي أمام باب كنز. كتيّبات صغيرة ذائعة الصيت منتشرة وخفيفة، تفتح عينيك، كمسلم يرى في دينه أكثر من مجرّد الظاهر، على ما يدهشك، يصدمك ويلذعك أحياناً، لكنه دائماً وبكلّ يقين يفتح عينيك، ولا يكتفي بهذا، بل يدفعك دفعاً للفعل. كنوز حقيقيّة في أيدي الناس لا يلقون لها بالاً فيما يبدو، كالعادة.

 

بعينٍ باحثٍ مدققة هادئة متيقّنة مؤمنة، ينظر د. أحمد خيري العمري إلى الصلاة من الخارج إلى الداخل، أعمق أعماق الداخل، يصعد إلى عنان السماوات وإلى الأرض وما فيها وتحتها، يميناً ويسرة وأماماً وخلفاً، ذهاباً وإياباً. ينظر لأدقّ التفاصيل ويحللها بدقّة ذريّة حتى قد تظنّ متفاجئاً أنه يقرأ أفكارك، ينظر في تفاصيل ربما مرّت ببالك أثناء القراءة ولم تظنّ أبداً أنه سينتبه إليها:

الأذان، الإقامة، إقامة الصلاة، التكبير، دعاء الاستفتاح، الفاتحة، الركوع، السجود، الاستراحة، التشهّد، التسبيح وحتى حركة سبابتك !.. كل هذا وأكثر وأدقّ منه بكثير يلتقطه الباحث بدقّة مدهشة صادمة، يقدّم إليك كلّ ما كنت تمارسه وتقرأ عنه طيلة حياتك، بعينٍ جديدة تماماً تماماً، جريئة وثّابة.

ليست الصلاة في رأي الباحث مجرّد حركات شعائريّة متكررة، ولا مجرّد كلمات وأذكار وتسبيحات وتلاوة، ولا مجرّد إسقاط للفرض ولا مجرّد وسيلة للراحة النفسيّة أو للهروب.. هي مفتاح للعالم! مفتاح للآخرة وللحياة الدنيا، قدم وذراع قويّة تجاه المهمة الأساسيّة للإنسان: الخلافة في الأرض. ليست أدنى حركة في الصلاة اعتباطاً، حاشَ لله أن يعبث بنا أو يهيننا هو الذي كرّمنا وحملنا في البرّ والبحر. كان ذلك يقين الباحث وهو يغوص في أعماق المعاني.. يبحث في معاني الكلمات والألفاظ، يستند جزئياً إلى تفاسير وتأويلات السابقين، إلا أنه -في الوقت ذات- يثب مرتفعاً عنها، يدور بعيداً عنها لكن في نفس الفلك الذي تدور فيه، لا مغالاة، لا إفراط ولا تفريط ولا ليّ لعنق كلمة واحدة، بل ولا حتى أفكار مسبّقة، هو بحث (علميّ) (دقيق) بأدوات حساسية فائقة الدقّة، وبخطوات متعقّلة إلى قلب النصوص والحركات والأذكار..

ولأن تيّار قراء الأدبيات الإسلاميّة الشائع لا يهضم -عادة، وللأسف- الأدبيات الضخمة المعقّدة كثيرة الهوامش، تتجاوز سلسلة الجواهر هذه هذه العقبة، بأسلوب أدبيّ رائق هادئ رقيق أحياناً، لاذع مع عدم التنفير أوالتبغيض أحياناً أخرى. وأكرر: بلا إفراط ولا تفريط ولا محاباة للقارئ وإرضاء لذائقة التيار العام فيه، ولا قسوةً عليه، هو الذي ما يزال يفتح طريق النهضة، ويستكشف بعد معالم مهمّته. أسلوب يجعلك تحلّق تحليقاً بين صفحات الكتاب. قد تلاحظ -كما لاحظتُ- التكرار والإطالة، والتكرار على انزعاجي منه أولاً يكون مع معانٍ قيّمة جوهريّة كهذه ضرورة.. فلا يمكنك هنا مجرّد أن تهزّ رأسك في اندهاش ورضا ثمّ تغلق الكتاب وتعود لسابق ما كنتَ عليه مما يحاول الباحث تغييره فيك! معانٍ كهذه يلزمها التكرار، كما يلزمك التكرار والتدريب لتصير قيادتك للسيّارة عمليّة تمارسها بثقة ومهارة ودون تفكير.

ستجد في هذه السلسلة الكثير: الكثير من المعاني الخفيّة، والمعاني الظاهرة المنكشفة انكشافاً جديداً تماماً، الكثير من الإضاءات والفهم.. الفهم الذي يلزمك -كإنسان عاقل- لتؤدي أيّ مهمة في حياتك بكلّ إيمان بأهميّة ما تفعل، فماذا عن أعظم مهمة في حياتك كإنسان: الصلاة؟

لن تخيّب هذه السلسلة أملك، وأرجوك لا تنظر إليها بعين القارئ المتفلسف، وانهل منها ما استطعت فستجد فيها مما سينفعك الكثير جداً، جداً.

اللهم بارك للباحث فيما كتب وقدّمت يداه :) مجموعة كتب أرشّحها بقوّة وبدون أن أفكّر مرّتين، متوافرة ومتاحة لكلّ باحث عن الكنوز.

 

محمد