كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (6): الشغف، حطبَ نيران!

“ملاحظة: هذه التدوينة مثالٌ لفكرة الكتابة بالمزاج“.. قد تندهش أن أخبرك أنني أكتب بينما أسمع أغنية (لولاش قلبه ما يوعاش) لسبب أنا نفسي أجهله تماماً، وباستمتاع شديد. كما أنها مثالٌ للفكرة التي تُرِكَت لتختمر. وستكون غالباً مثالاً للفكرة التي تستكشفها بينما تكتبها.”

Authors Collage

آيزاك أزيموف، أجاثا كريستي، آرثر كونان دويل، أبو الحَسَن النّدوي، أحمد خالد توفيق، نبيل فاروق…

من الشّرق والغرب وما بينهما. ما القاسم المشترك كما تذكر؟ جميع هؤلاء كُتّاب غزيرو الانتاج جداً، أقلّهم كتب مئة كتاب وأكثرهم كتب خمسمائة أو أكثر. و.. لا، أعمال هؤلاء لم تتأثّر أبداً بثنائيّة (الكمّ والكيف) وأغلبها في نفس مستوى الجودة الرائعة . وجميعهم كُتِبَ – أو سيُكْتَب- له الخلود، كلّ فيما وبما يكتب، بشكلٍ أو بآخر.

لماذا لم يتأثّر أحد هؤلاء بثنائيّة (الكمّ والكيف)؟ إما أن يكتب قليلاً جيّداً أو كثيراً سيئاً في أغلبه؟

 

مؤخراً اقتربتُ من بعض هؤلاء أكثر، آيزاك أزيموف في سلسلة Foundation ، أجاثا كريستي في بعض رواياتها البوليسية الشهيرة، والأستاذ أبي الحسن النّدَويّ في كتابه القيّم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).. ومما وجدتُ:

– أزيموف كتب سلسلته –كما أسلفت- وكل أعماله (500 كتاباً!) في فترة 25 أو 30 عاماً متصلة، يكتب بلا انقطاع وبكامل طاقته وبدون عجزٍ أو ضآلة في المستوى، بل كان الطلب على ما يكتب يزداد ولا ينقص.

– كل ما كتبت أجاثا لاقى قبولاً دائماً وما يزال حتى اللحظة، بل وتفاعلاً واضحاً في وقتها مع تطوّرات الأبطال. كتبت عشرات وربما مئات الكتب وباعت بلايين النسخ وتُرجمت ل103 لغات.

– (ماذا خسر العالم) كان أول مؤلّفات أبي الحسن الندويّ على الإطلاق، وباللغة العربيّة رغم أنه هنديّ في الأصل، وأحدث وقتها أثراً ضخماً وأثّر في أسماء كبيرة، في كتاباتهم ووعيهم. وهو أشهر أعماله على الإطلاق حتى اللحظة وأبعدها أثراً وحضوراً وأهميّة بما لا يُقاس.

 

يجمع بين هؤلاء الثلاثة، والباقين وغيرهم، شيء واحد: الشغف.. الشديد.. بما.. يفعلون!

أزيموف لم يكتب مئات الكتب للمال وحسب –ما يبدو على الأقل-، أبو الحسن الندويّ قطعاً لم يكتب للمال بل عُرِف مجاهداً بالكلمة والدعوة حتى مات بل وارتحل في العالم كلّه يقدّم المحاضرات والكتب واللقاءات وأسس ورأس العشرات من الهيئات والمؤسسات الدينيّة العلميّة، فقط للدعوة إلى الله لوجه الله،  أجاثا كريستي معروفة جداً بشغفها الشديد بما كانت تكتب. الشغف.. الشغف كان وقود هؤلاء! عشق ما يفعلون، وحياتهم لأجله، أنتجا الهمّة العالية. تخيّل؟ تخيّل أن الشغف هو ذلك الوقود الخارق الذي لم ينضب؟! أنه بالقوّة التي تجعل كلّ حرف كتبوه رائعاً يستحقّ الجمع، مهما كثرت الكلمات؟!

كيف اعتنقوا شغفهم؟

نخسر الكثير جداً في هذا العصر ونقتل أحلامنا وشغفنا حين نعتنقها خطأ حتى الخنق. دُبّة تقتل صاحبها. لا ندرس، لا نفهم، لا نتعلّم بما يكفي، نشعر أن الدرس والتعلّم واكتساب المعرفة كلّها مضادة للشغفِ قاتلة، نقفز للحلم مباشرةً، نضيع وقودنا الوحيد وطاقتنا في محاولاتٍ متخبطة لا ترى، نصابُ فنسقط أرضاً أموات الأحلام. عكس هؤلاء. انظر لأبي الحسن، هذا لم يكتب إلا في سنّ الثلاثين (وكان يعدّ نفسه متعجّلاً!)، وبعد أن أفنى عمره الأول في طلب العِلم فقط مع تقديمه بشكلٍ مبسط لمن احتاجه. درس، تعلّم، قرأ بنهم مريع للشرقيين والغربيين والقدماء والمعاصرين، فعل ذلك كلّه أولاً، ثم كتب.

ما هذا؟ وقود الشّغف وحطبه: أن تعتنق شغفك، بذكاء. بفهم. تعلّم كيف تفعل، ثم افعل، وبكلّ طاقتك. جرّب وغامر، لكن جهّز معدّاتك أولاً حتى لا تنفجر التجربة في وجهك وحتى لا تسقط من فوق الجبل. خذ في شغفك الخطوات الأولى على بصيرة، راقِب الطريق، واخطُ بثقة. لن تصعد السلّم أبداً إلا حينما تتعلّم المشي أصلاً.

 

الكتابة ليست مجرّد (أكل عيش)، ليست رحلة مريحة دائماً وليست طريقاً سهلاً، الكتابة –قلنا وسنقول- ستلتهمك، ستحطّمك وتكسرك ثم تبنيك من جديد. لن تبنيك من جديد، بل ولن تسلك الطريق الصعب أصلاً إلا حين تستزيد من حطب نارك. املك شغفك، أبقِه حيّاً –أيّها المحارب-، وامضِ.

 

محمد..

ما وراء (ما وراء الطبيعة): حكاية 18 عاماً، ووداع..

user7158_pic1887_1240861564

((ملحوظة: هذه التدوينة قد تحتوي حرقاً للكثير من أحداث سلسلة (ما وراء الطبيعة)،وقد لا يروق لك هذا، فإن شئت فاحتفظ برابط التدوينة مشكوراً في Pocket حتى تنتهي من قراءة السلسلة، ثم عُد، وإن لم تمانع فاستكمل القراءة من فضلك، وسأكون شاكراً بكل حال بالتأكيد :) ))

 

18 عاماً..
كانت البداية في بيت جدّتي، مع العدد الرابع من السلسلة (أسطورة آكل البشر). بإمكانك أن تتخيّل أنني لم أستطع النوم ليلتها وكنت أمشي في الشقّة في هلع حقيقيّ من أن يخرج (عزت) فجأة من باب الحمام الصغير مهاجماً إياي، أو أن أنظر في المَنْوَر فأجد بقايا (جثثه) مدفونة هناك. الانقباض المؤقت من السلسلة ثم بداية الإقبال عليها، فقط لأنها تجديد مطلوب من قصص رجل المستحيل وملف المستقبل إياها. (أسطورة الندّاهة)، (الموتى الأحياء)، (رأس ميدوسا)، ثم انقطاع مؤقّت لظروف الدراسة والسفر وغيره، ثم عودة للقراءة النَهِمَة بعد الاستقرار في مصر، ثم المتابعة على الإنترنت ومنتديات (نادي روايات)، والقصص التفاعلية الطريفة إياها (أسطورة ربع مخيفة) و(أسطورة ميسيا)،  وعشرات الأعداد فيما بعد وفي كلّ مناسبة ووقت. انتهت مسيرة ال18 عاماً قبل 3 أيام، مع العدد الأخير (أسطورة الأساطير). يعلّمنا د. أحمد خالد أن لكلّ شيء نهاية، مهما كان حُلواً.

 

ظلّ الشيخ أستاذ أمراض الدمّ المتقاعد (رفعت إسماعيل) رفيق وحدة مثاليّاً ذا حكايات مسليّة لا تكاد تنفد، وشخصاً مؤثراً جداً في جيلي كلّه ولا أستثني نفسي: اهتماماتنا وقراءاتنا وأساليب كتاباتنا (بوضوح تام!) وما نبحث فيه وما نشاهده ونسمعه، في أساليب بحثنا عن جديدٍ نقرأه، رفع مستوى ذوقنا فصرنا لا نقنع بأي مكتوب دون المستوى، ونستتفه من يستهين بعقولنا فيما يكتب.
ظلّ د. رفعت كذلك حتى نهاية النهاية. تخيّل أن هناك شخصاً بذلك الشغف للحكي، حتى أنه يكتب ما تبقّى لديهِ من حكايات غير محكيّة على فراش المرض بالسّرطان وهو في أضعف حالاته، وحين يعجز فإن روحه تتابع الكتابة عن طريق لوح (ويجا Ouija )؟ بل تخيّل أن يموت شخص ذو حياة حافلة مثله ميتة بهذا البؤس: سرطان الحنجرة؟

 

حقيقة الأمر أنني سمعت النهاية من الدكتور أحمد خالد نفسه قبل عدة أعوام من صدور العدد الأخير. لكن يبقى أن تحقّق ما قاله كان موجعاً محزناً بشكلٍ ما. لم تنوقع من رفعت إسماعيل أن يموت صحيحاً سليماً أصلاً، لكن فكرة موته نفسها.. (بالتأكيد تفهم شعور من هو واثق بوفاة أبيه، ثم ينفجر بكاءً حزيناً حين يموت فعلاً؟).. كان القلب ينبض متسارعاً مع قرب النهاية، ومع حكايات رفعت الأخيرة المتواصلة في سرعة، ومع مغامرته الأخيرة في ذلك العالَم الموازي، بل ومع ذلك الأمل الزائف بشفائه على يد ذلك النصّاب الرومانيّ. فقط تمنيتُ أن يحيا بضعة أعداد أخرى، بضعة حكايات أخرى.

 

ما نزال متعلّقين بالأمل وبصدور الأعداد الخاصّة، لم نشبع بعدُ للأسف من (رفعت اسماعيل) حتى وإن ظنّ د. أحمد العكس. ما زلتُ أرى أن كون رفعت اسماعيل مضادّ بطل Anti-Hero لا يعيبهُ في شيء بالمرة، بل ولا أرى أنها فكرة جديدة إلى هذا الحد، فقط هي كانت جديدة على القارئ العربيّ وقتها، وما تزال غير مفضّلة للكثيرين، لكنها مفضلة لنا نحن.. عشّاق د. (رفعت اسماعيل) وأبناءه الروحيين.

 

د. رفعت: ارقد في سلام، (عسى أن تجد جنّتكَ التي بحثت عنها كثيراً)، وأظنّك تستحقّها..
وداعاً أيها الغريب.. لكنّ كلّ شيء ينتهي.

 

محمد الوكيل
طنطا في 3 أبريل 2015