فكاهة قاتلة.. (رسالة إلى الوطواط)

killingjoke

عزيزي (الوطواط)..

لأقرّب لعقلكَ المعقّد المحصّن الصورة، أكتب إليك الآن كجنديّ في حربٍ عالميّة يختبئ خلف جِدارٍ في أطلال منزل متهدّم، ليكتبَ مذكّراته عن شناعة الحرب، أو رسالةً سريعة يائسة إلى أهله، علّ هذه أو تلكَ يصلان لأحدهم فينقذه أو يتذكّره ويبني له شاهد قبر يليقُ ببطلِ حرب.

كما في سابق حديث، ما يزال القلق حولنا في الجوّ يعصف بي ولا يكاد يهزّك، وهل تعرف؟ وجودك هذه الأيّام وتضخّمك يفعلان بي مفعول المهدّئ القوي، أتراقص مع العاصفة في براعةٍ تدهشني. هل ستبقى معي طويلاً وأضطر لاحتمال الآثار الجانبيّة لتضخّم الإيجو لديك؟ أم تدعني أتعلّم منك ما ينفعني ونقعد هدنة أبديّة ما؟

 

أصارع –يا صديق- التراكمات والتناقضات، تناقضات تعرض نفسها أمام عينيّ وتصل إلى ما أكتب وفيما أفكّر أحياناً، فيراني غيري مجنوناً أو مخلوقاً عجيباً ما، تناقضات بين الحريّة والتحفّظ، بين الثبات كالصخور والفزع والبكاء كطفل، بين عشق الوحدة والاستمتاع بالصّحبة، بين صخب الموسيقى وهدوئها. تراكمات تظهر أعراضها الجانبيّة في أوقات التحفظ والوحدة والهدوء.

جميل، أليسَ كذلك؟ ذلك الوجع الذي يَشْرُطُ قلوبنا في طَلْعِةِ كُل شمس، كمنبّه الصباح يذكّرنا بدايات ومولدَ الألمِ الأول، وبداية كُلّ شيء. تعرفه جيّداً يا (وطواط).. كنت معي في هذا وذاك.

 

هناك كذلك تلك الإرادة الملحّة بإزعاج، في دوام التجديد والاستثارة، حتى صرتُ أكره مجرّد تكرار ما قلتُ لمن لم يسمع، ومهما كان السبب، وصرتُ أكره تكرار النصح لأحدهم، وغير ذلك. للرّوتينية قوّة خارقة كما تعلم.

 

أعودُ اليوم لسماع (بريكنج بنجامين) بينما أنهي خطابي معك. لطالما كانوا الأفضل لأوقات الكتابة العسيرة تلك. الكاتب الذي يحترم نفسه بحاجةٍ لبعض غموض وغرابة كلماتهم، وبعض الشّغف في أوتارهم.. وبحاجة لإحساس (الفوبيا) المنتشر في بعض أغنياتهم. أنت تفهمني بالتأكيد، (بنجامين) كانوا سبباً في وجودك أصلاً وأحد مصادر قوّتك.

 

(وطواط)، حاجتنا لبعضنا لا تُنْكَر، لكن علاقتنا صارت مؤلمة بما يكفي يا صديق، ويوماً ما سيقتلُ أحدنا الآخر. تماماً كما قال (باتمان) لـ(الجوكر) في تلك القصّة المصوّرة إياها. فكاهة قاتلة هي يا صديق، صحيح؟

 

Breaking Benjamin – So Cold

 

محمد..

Advertisements

الذّاكرة تبقى.. (رسالة إلى الوطواط)

عزيزي (الوطواط)..

لم أكتب إليك أبداً قبل اليوم، كتبت عنك فقط كثيراً. تتساءل –وأنا كذلك- لِمَ هذه المرة؟ لأن فكرة الحديث مع الدمى والدباديب التي تفعلها الفتيات جميعاً تبدو مسليّة وأحببتُ تجربتها طوال عمري، أنت لستَ بدبّ محشوّ أو دمية طبعاً لكنّك رفيق مناسب، ظِلّي وانعكاسي وسيفي ودرعي.. غير أنه لا محبوبة لي –بعد- والوحدة والأوقات العسيرة تدفعان المرء لأيّ شيء، حتى للحديث معك.

 

تقترب الامتحانات، الشّعور هذا العام مختلف، هو ضَجَر مُطْلق لا أكثر. هذا على سطح النفس، أما في العُمق فكثيرٌ مما تعرفه أنت وأعيد إخبارك به: ضريبة يأخذها القلق الخفيّ من صحّتي وأعصابي، حموضة متكررة وإرهاق ومشاكل صرتُ أقاسيها مؤخراً مع الطّعام الثقيل، وزُهد صادق في 80% من الحياة، علاقات اجتماعية شنيعة تنقطع ويتم لحامها بخياطة سهلة الفكّ كخياطة جراحة بطن في مستشفى الجامعة. أعراض جانبيّة في الغالب لكنها تأخذ من اهتمامي الكثير للأسف.

صرتُ وإياك نتشارك الكثير، الكثير من الجديّة الظاهرة، شبه الكآبة، الصّمت المتواصل والزُّهد في الناس وعدم التعلّق، والتأمّل والترقّب والمحاولات العديدة لفهم فلسفة الحياة، التي تدور في علامات (لانهاية) كثيرة.. وترك الكتابة للآخر. تخيّل؟ تركتُ الكتابة قبل مدّة إلا من محاولات بسيطة بين الحين والآخر تاركاً الأمر لمزاجك، وأنت لا تهتمّ أصلاً ولا أنا نفسي أهتمّ، أحاول فقط تحسين حياة Makeshift .

 

لا أعلم إن كان هذا كلّه من أثر الامتحانات أم أنه راسب مقيم، كما ولا أعلم ما إذا كان افتقاد الرّفيقة هذا مجرّد أثر جانبيّ آخر. لا أحبّ أن أفكّر فيه كذلك، فكما الأمر يبدو وجع رأس، فهو –بالتأكيد- فيه ما يُسْعِد، وإلا ما رغب فيه البشر وشعروه وطلبوه آلاف السنين.

كتبتُ إليك وأنهي رسالتي الآن وأنا أستمع إلى ميتاليكا Metallica ، أصدقك القول أنه أسوأ اختيار للكتابة، لكنه المزاج المثاليّ لاستحضار روحك. كما وأنتَ كالغبيّ تحاول دفعي دفعاً للمقارنة بينهنّ والاختيار، ولا تفهم أنني –على ما تراه منّي غباءً- أرى منهنّ واحدة وأكره فكرة المقارنة، وأكره فكرة أن الهرمونات تجبرني على التفكير في غيرها. حتى أنت نفسك وحتى (باتمان) لا سلطة لكما على هذه بالذّات، لكني أنا على الأقل أملك قمّة الهرم: الأخلاقيّات والجماليّات، وأملك تحسين هذا.

طابت ليلتك.

 

Metallica – Die, Die My Darling

 

محمّد..