عالياً تطيرُ في الفضاء، وحياة حائرةٌ تبدأ.. (تقرير)

بسم الله..

أقتنص من الزمان لحظات، أسجّل فيها تقريراً لما حدث، ويحدث، وسوف يحدث. لم يحدث منذ شهور أن كتبتُ حرفاً واحداً يزيدُ عن منشورات الفيس بوك، وبضعة مذكّرات من الحين للحين، مذكّرات أكتبها كَنَفَسٍ سريع يلتقطه محتضر.

هذا أنا.. :)

ماذا حدث؟ تخرّجت. بعد 9 سنوات كانت فترة حبسٍ حقيقيّة. صرتُ الآن –يزعمون- طبيباً. لم تتغيّر كلّ أوراقي بعد، لكنني طبيب. أقسمتُ القسم صادقاً احتياطاً ليوم أن أعمل فعلاً، أنجزتُ أطناناً من الأوراق لم أنجزها في كل حياتي تقريباً، تسلّمتُ بعض الأوراق، على وشك استلام عملٍ ما في هيئة حكوميّة صحيّة ما، في طنطا، في سابقة لم أتوقعها طوال سنوات الكليّة: طالما كنتُ أتوقع ببساطة أن تكليفي سيرسلني إلى جنوب السودان كما كنتُ أردد شبه مازح. وهو ما لم يحدث بفضل الله. هذا غير مهمٍ فعلاً وأذكره من باب لفت نظر القارئ المعتاد.. أما ما يلفت نظري أنا؟

******

ما أزالُ أعملُ مترجماً.. يتحسن مستواي وبالتالي يتزايد العمل بإفراط أحياناً، لكن لا أمانع أبداً. يوم أقضيه في الترجمة أفضل عندي من 6 ساعات أقضيها في عيادة أو وحدةٍ صحيّة. يلومني الكثيرون وقد لا يعتدّون بالأمر بالمرة، وإن حدث فيقولون: ستكون هواية إلى جوار الطبّ. والحقّ يقال هي ليست بهواية، وإنما الطب هو الهواية هنا.

ما داعي ظنهم هذا؟ هي بلاد تقتل الأحلام بسهولة، تضعها تحت حذاءٍ عسكريّ ثقيل أو حقيبة ملأى بالنقود، فلا عجب أن يرى بعضهم اتّباع حلمك ضرباً من السخف وضياع الوقت، وفي أفضل أحوالهم محاولة بائسة منك لأن تبقى حياً، ومختلفاً.. ربما يغبطونك/يحسدونك عليها، وربما يهزأون أو لا يعتدّون.. والحقّ أنني توقفتُ منذ زمن عن اعتبار نفسي جزءاً من هذه البلاد. يريدون الأوراق؟ فليشبعوا بها، لا أعدّ نفسي جزءاً من هذا المكان، وليروا ما يرون وليشاءوا ما يشاؤون.

******

ماذا تظنّ؟ لا أقرأ كثيراً. 10 كتب في 4 شهور ليس بالعدد الكثير أبداً.. لا أكتب وهذا هو أطول نص أكتبه منذ شهور.. لماذا؟ الأسباب واضحة وشرحناها أعلاه. أنتزعُ نصيبي من القراءة بكثيرٍ من العسر في دقائق معدودة من اليوم، أو من نصوص الترجمة أو من الأوراق الحكوميّة، ونصيبي من الكتابة من الترجمة أيضاً. الترجمة شغفي وعشقي قبل أن تكون عملاً للكسب، لكنها –للأسف- وزنٌ ميّت في ميزان الكتابة.. ما أكتبه ليس كلماتي، وهو –لذلك- كفيلٌ بخنقِ كلماتي أنا إلى أمدٍ معدود.

لا كثير من الموسيقى.. لا لشيء سوى حالةٍ من السأم.

أحاولُ أن لا أسجن نفسي في المنزل أو في دائرتي كثيراً، محاولاتٍ فاشلة في الغالب. أفكر جدياً في البدء باعتبار نفسي ذئباً متوحداً إلى الأبد، لكن شيئاً ما داخلي يرفض. للأسف ما زلتُ لا أستطيع.

أمارس رفع الأثقال وأنحت لنفسي جسداً أقوى وأفضل بكثير.. نعم، أنا أصيرُ أقوى. لن أنكر أبداً خطأي في الاكتفاء بمحاولة تربية العقل والروح.. أحياناً يصل الأمر لنقطة التنافر التامّ: يظلُ جزءٌ من نموّك موقوفاً ومن نظرتك للحياة مغمّى ما لم تسمح لنفسك بتنّفس أفضل وحركة أسرع وغذاءٍ أنقى. شغف آخر لا أسمح لأي شيء بمنعه.

******

ظني أن هذا التقرير لن يكون الأخير ولن يكون بعده توقّف آخر. أشعرني عدتُ للحياة وللتنفس. فلك الحمدُ يا خالق الكون السرمديّ.

محمد..

4 أبريل 2016

Advertisements

حافّة الجنّة، والثورة.. (تقرير).

icon6330176495901173009_

البلدة تستيقظ، وأفتتح المِزاج الرسميّ لتسجيل تقريري بجرعة مخففة من الكافيين بالإيرل جراي، وأغنيات T.M.Revolution، صديقي السريّ والوحيد الذي يفهمني وأفهمه تماماً دون كثير من الشجارات، وبلا قطيعة لأن أحدنا أكثر اكتئاباً من أن يردّ.

– حافّة الجنّة، والثورة.. –

كيف الحال؟ لا لستُ كما سبق، هناك تحرّك في اتجاه الهدوء.. هدوء تامّ؟ لا قطعاً، ليس هذا لخرّيج طب في الامتياز يسعى للهروب من الطبّ بكل ما أوتي من قوة (أو من ضعف). فقط، المزيد من الجلوس لأداء عملٍ كتابيّ هو ثاني مفضل لديّ بعد التدوين: الترجمة. شغفي الأساسيّ الخفيّ. هل أدعي إذاً أنني وجدتُ شغفي؟ نعم، ولا أدعي أبعد من هذا. خطوة أولى اتخذتُها فيه، ولا شيء أبعد، وا حتى بالخيال. فقط أعمل ولا أنظر للأمام في شيء إلا خطوة أو اثنتين. ولا بأس لديّ، لا بأس من بعض حشيشٍ يُنْسيني سبب ضرورة الإمضاء كلّ يوم.

أفقد المزيد من الوزن باستمرار، أكتسب جسداً لم أحلم بنصفه في حياتي كلها. دليل حيّ آخر على أنني ما أزال أستطيع أن أريد وأن أفعل. نظرات إعجاب حقيقيّ وكلمات إطراء وأسئلة “عملت إيه ونزلت إزاي؟ ممكن تبعت لي الريجيم بتاعك؟” متكررة، لا تغني –في النهاية- عن وحدتي الإجباريّة الاختياريّة نوعاً، شيئاً.

يمنحني “تاكانوري” ب”حافة الجنّة والثورة” نوعاً من السموّ، أعيش معه ويعيشُ معي وفي بالي، يتراقص قلبي وفكري معه، عالماً أنه أبداً لن يخونني أو يبتعد أو يطلب أحداً آخر، صديق شخصيّ بمعنى الكلمة.

– قلب السّيف.. –

تاكانوري وأغنيّة “قلب السّيف” أو “أغنية موظف الحكومة في دولة رأسماليّة” كما يحلو لي أن أظنّها. (حين أكون وحدي، يبدو لي الغدُ بعيداً، وحتى في ظلام ما قبل الفجر، عليّ أن أمضي).. أو فلنقل: (متّقداً، مغيظاً، أخفي نفسي، وأعيشُ زمناً قصيراً)؟ نعم، هي تلك.

يبدو شعور الترقّب وتوقّع الخطر في كلّ لحظة سخيفاً. مجرّد ترقّب دقّ جرس الباب وأنت واضع سماعاتك على أذنك سخيف وخانق. لذا أفهم تماماً مشاعر الهاربين.

لهذا لن أعمل في قسم الطوارئ. لن أتخصصه. لا طاقة لي بانتظار خمسة مرضى دفعة واحدة وكلّهم يموت، والمتوقع مني إنقاذهم جميعاً معاً. لا طاقة لي. الحقّ، لا طاقة لي بالتعامل مع أيّ مرضى من أي نوع. لا طاقة لي بالاحتكاك بهؤلاء. أنا مصريّ، لكن لا طاقة لي –حقاً- بالاحتكاك بهم. لا أسميه كبراً ولا أضع له أيّ اسم حتى لأنني لا أعرف، لكنني فقط لا أطيق عليهم صبراً. يكفيني غموضهم ولؤمهم وبأسهم الشديد بينهم، وخنوعهم لكلّ بلطجيّ، واستقواءهم على الضعفاء واستحلالهم لكلّ شيء بدعوى “عاوزين نعيش”.. مثل البهائم. هكذا ينطق لسان حال الحقّ والمنطق هنا.

(دار الفاسقين). هكذا صرتُ أسميها رسميّاً. وطن الفاسقين، وطن السفلة والدنيويين، ممارسي كل خطيئة ممكنة المبررين لها باحتراف يعجز عنه أعتى أديب روسيّ.. أو لا يبررون، هم لا يحتاجون، يكفيهم مجتمعهم لا يقبل منهم غير الخطيئة منهجاً. ليست تسمية أصوليّة الأصل أو أي شيء، ووالله لا أبالي بتصنيفك. إن أعجبك فاقبل وإن لم يعجبك فأرجوك أن تخرس وتنظر حولك.

(دار الفاسقين). كذا فسّرها أربعة مفسّرين. هناك التفسير الآخر وهو أن تلك هي جهنّم. منطقيّ أكثر لأجل الحقّ، لكن الفرق ليس كبيراً جداً، والتسمية تصلح على كلّ حال.

ولا، لن تنتهي هذه الفقرة بتعبير أبله من نوعيّة (لكن برضه بعشق ترابك). لا. لم أعد أحبها.

– الغدّ يُلاقي مُقاومة. –

شديدة. لكن تاكانوري يقول ذلك وينصحني في نفس الوقت بأنّ “أجرّب حُلْمي”. حسناً.. أين هو؟

أرى الآن أغلب ما يحمل هاشتاج #الغد صعباً. الحُلم والعمل من أجله –إن وُجِد- والآن الكتابة عنه. بالأحرى صارت الكتابة المستقلّة عسيرة بعض الشيء، مع الغياب القصير وانشغال القلم بنقل أساليب أخرى.. الترجمة، هل نسيت؟

كيف أفهمُ الحريّة؟ قال ابن تيمية لتلاميذه: “ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري.. إن قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة.” هل هناك حريّة أكثر؟ أينما ذهب ومهما فعلوا، فهو في حِلّ من القيود لا يخشى شيئاً وهو في كلّ حال فائز بشكلٍ ما. قد تكون الحريّة في الرضا، في القبول والتحرّك لما بعد، ليسَ في أن تكون طيراً بالضرورة، بل في أن تكون شجرة تثمر أينما زُرِعْت، لا يضرّك شيء ولا تخاف شيئاً، تعلم أين أنت في الحياة وماذا تفعل وستفعل وكيف تريدُ أن ينتهي بك الأمر، ثابتاً واثقاً قادراً على الحركة أو الثّبات أيهما أنفع لك ولغيرك.

على هذا المقياس، أنا لم أصِرْ حُرّاً تماماً بعد. الغد ما يزالُ يُلاقي مقاومة.

– الرّياح.. –

نفتقد بعض الرياح ها هنا. نفتقد بعض الثمر، نسمات الحياة، الانطلاق وعدم المبالاة بغابة الخرسانة هذه ومتعلّقاتها.

محمد..

20- عن مكمن الدواء، والداء..!

IMAG0811

مدخل العيادة الشاملة بمستشفى طنطا الجامعي، أفضل صورة يمكن التقاطها لواجهة المكان، حتى الآن. صباح الأربعاء 24 سبتمبر 2014.

هناك تلك الأماكن التي تتدفّق منها الكثير من الطاقة السلبيّة، حتى لتشعر حين دخولها أنّك وقفت في وجه سَيْلٍ مُعْتِمٍ غامر. من ضمن تلك الأماكن –ولا ريب- العيادة الشاملة بطنطا، وإلا فماذا؟

 

في الغالب هذا طبيعيّ، فالمكان لا يخلو صباحاً أبداً من فقراء وضعفاء المرضى الذين يأتون للتداوي من كلّ شيء تقريباً بالمجان أو بأسعار رمزيّة. بالتأكيد الألم والقلق والخوف والحزن لهم أثرهم الطاقيّ على المحيط، ولا تستطيع أبداً أن تلوم أحداً على هذا. لكن يمكنك بسهولة أن تلوم من يديرون المستشفى، على كلّ شيء تقريباً: واجهة المستشفى الشعثاء المرتبكة المليئة بالمجاملات أكثر من الإرشادات، عتامة المداخل وقلة الاهتمام بالعديد من الأقسام، وغير ذلك. مجرّد فكرة أننا كطلبة طبّ نتعلّم على هؤلاء المرضى ما تزال موجعة للقلب، رغم علمي التامّ بمعرفتهم هم بذلك وربما رضاهم المصحوب بدعوات صادقة لنا بالتوفيق. ما يزال في الإمكان أن يجعلوا هذا المكان أفضل للمرضى، أن لا يضيفوا إليهم بؤساً أكثر. لكن لا محاولة حقيقية لهذا هنا.

 

وتخيفني فعلاً فكرة أنني قد أصير ترساً في هذه الآلة الصدئة. وللأسف حسن النوايا لا يغيّر اتجاه سير الآلة غالباً. فقط نحاول أن نكون، الآن وفيما بعد، مصدر بعض الهواء النظيف ها هنا، لحياتنا نحن، ولأولئك.

 

محمد..

 

(هذه التدوينة جزء من حملة تدوين يوميّ باسم #صورة_تحكي ، للتفاصيل راجعوا الهاشتاج في فيسبوك، وصفحة الإيفنت : صـــورةٌ تــَحكـي – (مشروع للتدوين والتصوير)

16- في البحثِ الواعي عن ذكرى.

الصورة المبكسلة

بقايا ذكريات وُجِدَت في رُكن ما.. بطاقة العمل الخاصّة بـ د. عبد العاطي الوكيل، والدي الرّاحل. منزلنا في صباح الجمعة 19 سبتمبر 2014.

من مزايا البحث الواعي عن التفاصيل الصّغيرة، أنه يمنحك عينين جديدتين ترى بهما الذكريات المتناثرة في كلّ ركن وتراها كلّ يوم ولا تكاد تنتبه. بحث واعٍ كذلك الذي كان دافعه مشاركتي في حدث #صورة_تحكي قبل أسابيع، وهو قرارٌ لم أندم عليه بل وأستمتع به كلّ مرة :)

تجلب صورة البطاقة هذه المرّة كمّاً لا يُحصى من الذكريات مع كلّ تفصيلة: الاسم الجميل، ثم عمله في طِبّ العظام ذلك التخصص الذي بدا لي مستحيلاً وما يزال، ذكريات السعوديّة والأيام التي لن تعود، وبالطبع المدينة المنوّرة.. ثم العيادة وكل ما ومن كان فيها. كُلّ شيء عاد إلى السطح دفعة واحدة، مع وجع حنين لذيذ. رحم الله الغائبين..

 

محمّد..

 

(هذه التدوينة جزء من حملة تدوين يوميّ باسم #صورة_تحكي ، للتفاصيل راجعوا الهاشتاج في فيسبوك، وصفحة الإيفنت : صـــورةٌ تــَحكـي – (مشروع للتدوين والتصوير)