كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (6): الشغف، حطبَ نيران!

“ملاحظة: هذه التدوينة مثالٌ لفكرة الكتابة بالمزاج“.. قد تندهش أن أخبرك أنني أكتب بينما أسمع أغنية (لولاش قلبه ما يوعاش) لسبب أنا نفسي أجهله تماماً، وباستمتاع شديد. كما أنها مثالٌ للفكرة التي تُرِكَت لتختمر. وستكون غالباً مثالاً للفكرة التي تستكشفها بينما تكتبها.”

Authors Collage

آيزاك أزيموف، أجاثا كريستي، آرثر كونان دويل، أبو الحَسَن النّدوي، أحمد خالد توفيق، نبيل فاروق…

من الشّرق والغرب وما بينهما. ما القاسم المشترك كما تذكر؟ جميع هؤلاء كُتّاب غزيرو الانتاج جداً، أقلّهم كتب مئة كتاب وأكثرهم كتب خمسمائة أو أكثر. و.. لا، أعمال هؤلاء لم تتأثّر أبداً بثنائيّة (الكمّ والكيف) وأغلبها في نفس مستوى الجودة الرائعة . وجميعهم كُتِبَ – أو سيُكْتَب- له الخلود، كلّ فيما وبما يكتب، بشكلٍ أو بآخر.

لماذا لم يتأثّر أحد هؤلاء بثنائيّة (الكمّ والكيف)؟ إما أن يكتب قليلاً جيّداً أو كثيراً سيئاً في أغلبه؟

 

مؤخراً اقتربتُ من بعض هؤلاء أكثر، آيزاك أزيموف في سلسلة Foundation ، أجاثا كريستي في بعض رواياتها البوليسية الشهيرة، والأستاذ أبي الحسن النّدَويّ في كتابه القيّم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).. ومما وجدتُ:

– أزيموف كتب سلسلته –كما أسلفت- وكل أعماله (500 كتاباً!) في فترة 25 أو 30 عاماً متصلة، يكتب بلا انقطاع وبكامل طاقته وبدون عجزٍ أو ضآلة في المستوى، بل كان الطلب على ما يكتب يزداد ولا ينقص.

– كل ما كتبت أجاثا لاقى قبولاً دائماً وما يزال حتى اللحظة، بل وتفاعلاً واضحاً في وقتها مع تطوّرات الأبطال. كتبت عشرات وربما مئات الكتب وباعت بلايين النسخ وتُرجمت ل103 لغات.

– (ماذا خسر العالم) كان أول مؤلّفات أبي الحسن الندويّ على الإطلاق، وباللغة العربيّة رغم أنه هنديّ في الأصل، وأحدث وقتها أثراً ضخماً وأثّر في أسماء كبيرة، في كتاباتهم ووعيهم. وهو أشهر أعماله على الإطلاق حتى اللحظة وأبعدها أثراً وحضوراً وأهميّة بما لا يُقاس.

 

يجمع بين هؤلاء الثلاثة، والباقين وغيرهم، شيء واحد: الشغف.. الشديد.. بما.. يفعلون!

أزيموف لم يكتب مئات الكتب للمال وحسب –ما يبدو على الأقل-، أبو الحسن الندويّ قطعاً لم يكتب للمال بل عُرِف مجاهداً بالكلمة والدعوة حتى مات بل وارتحل في العالم كلّه يقدّم المحاضرات والكتب واللقاءات وأسس ورأس العشرات من الهيئات والمؤسسات الدينيّة العلميّة، فقط للدعوة إلى الله لوجه الله،  أجاثا كريستي معروفة جداً بشغفها الشديد بما كانت تكتب. الشغف.. الشغف كان وقود هؤلاء! عشق ما يفعلون، وحياتهم لأجله، أنتجا الهمّة العالية. تخيّل؟ تخيّل أن الشغف هو ذلك الوقود الخارق الذي لم ينضب؟! أنه بالقوّة التي تجعل كلّ حرف كتبوه رائعاً يستحقّ الجمع، مهما كثرت الكلمات؟!

كيف اعتنقوا شغفهم؟

نخسر الكثير جداً في هذا العصر ونقتل أحلامنا وشغفنا حين نعتنقها خطأ حتى الخنق. دُبّة تقتل صاحبها. لا ندرس، لا نفهم، لا نتعلّم بما يكفي، نشعر أن الدرس والتعلّم واكتساب المعرفة كلّها مضادة للشغفِ قاتلة، نقفز للحلم مباشرةً، نضيع وقودنا الوحيد وطاقتنا في محاولاتٍ متخبطة لا ترى، نصابُ فنسقط أرضاً أموات الأحلام. عكس هؤلاء. انظر لأبي الحسن، هذا لم يكتب إلا في سنّ الثلاثين (وكان يعدّ نفسه متعجّلاً!)، وبعد أن أفنى عمره الأول في طلب العِلم فقط مع تقديمه بشكلٍ مبسط لمن احتاجه. درس، تعلّم، قرأ بنهم مريع للشرقيين والغربيين والقدماء والمعاصرين، فعل ذلك كلّه أولاً، ثم كتب.

ما هذا؟ وقود الشّغف وحطبه: أن تعتنق شغفك، بذكاء. بفهم. تعلّم كيف تفعل، ثم افعل، وبكلّ طاقتك. جرّب وغامر، لكن جهّز معدّاتك أولاً حتى لا تنفجر التجربة في وجهك وحتى لا تسقط من فوق الجبل. خذ في شغفك الخطوات الأولى على بصيرة، راقِب الطريق، واخطُ بثقة. لن تصعد السلّم أبداً إلا حينما تتعلّم المشي أصلاً.

 

الكتابة ليست مجرّد (أكل عيش)، ليست رحلة مريحة دائماً وليست طريقاً سهلاً، الكتابة –قلنا وسنقول- ستلتهمك، ستحطّمك وتكسرك ثم تبنيك من جديد. لن تبنيك من جديد، بل ولن تسلك الطريق الصعب أصلاً إلا حين تستزيد من حطب نارك. املك شغفك، أبقِه حيّاً –أيّها المحارب-، وامضِ.

 

محمد..

كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (5): اكتب، حتى الموت.

“ملاحظة: هذه التدوينة مثالٌ لفكرةٍ لم أكتبها في وقتها ولم أكتب لها حتى رأس موضوع، فقط لأنني أحسست أنها ستفسد وتفقد بريقها لديّ، بل وكنت سأكرهها بشدّة إن فعلت. هذه المرّة كانت الفكرة في رأسي فقط فاختمرت فصارت إلى هذا. ولستُ واثقاً بعد إن كنتُ سأحبها أم لا، لكن كلّ هذا يظلّ محاولات.”

f14b6843e09201a364eef5e6c1b157e3

تخيّل أنك سيّاف محارب يشقّ طريقه الخاصّ جداً، ماذا كنتَ لتفعل؟

ستشاهد عشرات السيّافين يقاتلون وتتابع أدقّ التفاصيل، حركات وضربات السّيف ومسكة المقبض وقوّة الذراعين وسرعة القدمين، ستحاكي ما تراه مناسباً وستتدرب كلّ يوم، ربما لبضع سنوات، قبل أن يولد – ولادةً عسيرة في الواقع –  أسلوبك القتاليّ الخاص. لن يرضيكَ أبداً أن تظلّ إلى الأبد تحاكي العظماء.

الكتابة طريقُ محاربين آخر. تختلف الأدوات والأساليب والأفكار لكن الحالة واحدة. بالتأكيد يفهم ذلك كلّ كاتب مرّت عليه بضع سنوات. تذكّر كم مائة من الكتب قرأت وكم مقالاً سخيفاً وجيداً وبديعاً طالعت، وكم ورقة مزّقت. يبدو غريباً حين تنظر للوراء وتتذكّر هذا كلّه، كيف كنت.

لم أرَ كامل الطريق وإنما أتلمّس خطواتي في بدايته فقط. كيف وجدتُه من الأساس؟ أخبرني أحمد جلال يوماً –حين سألته- أن: اقرأ كتير، اكتب كتير. استصعبت الأمر وكنتُ –كالعادة- متعجّلاً جداً، كنتُ مندمجاً وقتها مع مجتمع الصالون الأدبي الطنطاوي حيثُ كنتُ أرى أصدقاء يفوقونني مستوى بعدّة سنوات وقراءات وكتابات، بقدر ما كان هذا دافعاً للغيرة كان سبباً للاكتشاف أن الأمر ليس بهذه السّهولة. بالمرّة. طريق محاربين حقيقيّ. كتبتُ عشرات القصص في البداية لو قرأتها الآن لخجلت من نسبتها لنفسي، كتبتُ مقالات وتدوينات مختلفة وترجمت، فعلتُ كلّ شيء تقريباً حتى وجدتُ نفسي أبتعد عن القصّ بالتدريج.. حتى بدا لي الآن أنني فعلياً نسيتُ كيف أقصّ أيّ قصة على الإطلاق ما لم تكن بلساني وبعينيّ أنا، لا بعينيْ بطل قصّة مختلق.

 

قبل يومين، قرأتُ تدوينة للمدوّنة الصديقة إيمان عبد الحميد، لطيفة خفيفة الظلّ، كانت تقصّ فيها بعض أفكارها، خواطرها، أحداثها اليوميّة وتفاصيلها الصغيرة بصيغة الشخص الثالث. ببساطة. تدوينة تبدو عاديّة. فجأة أحببتُ الفكرة جداً. نعم، لِمَ لا؟ ألا أمسكُ السيف وأجرّب ضربة أخرى في الهواء؟ ألا أجرّب فقط تغيير الصيغة قليلاً؟ أحكي قصّتي الخاصّة بلسان الشخص الثالث وأدع الأمر هكذا؟

لا أدري فعالية الأمر وما أزالُ متردداً فعلاً. البقاء طويلاً في دائرتي المريحةِ هذهً تعجيل بالموت. ربما. لكن أليس هنالك من حافظوا على أسلوب ما حتى عُرِفوا به؟ أي هذين أنسب؟

كيف أكتب؟ ما الذي أوصلني فجأة إلى مفترق الطُرُقِ هذا؟ ليس هذا مما قد يعطّلني عن الكتابة. أظنّ الطريق يكشف نفسه لمن يسير. اقرأ كثيراً، اكتب كثيراً، جرّب كل شيء وشاهد كلّ شيء، واكتب بينما تراقب، حاول ألا تؤجل فكرة، حاول ألا تدّخر كل شيء حتى تنتهي من المشاهدة فهي لا تنتهي طالما تتنفّس، وقد تموت قبل أن تفعل. اكتب.. فقط، اكتب. أبقِ نفسك حيّاً، واكتب. اكتب حتى الموت.

 

محمد..

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (4): فلنسكتشف المزاج!

“ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الفاشلة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية). الحقيقة أنني كتبتها (بكرة) فعلاً وأنني لم أسجل حتى رأس موضوع. بمعنى أنني لو كنت متّ هذا الصباح لما كان أحد ليعرف ماذا كنتُ لأكتب الليلة. أجرّب الآن –كما قال أحمد فوزي وقالت لبنى- أن أكتب في غموض، وأدع الكلمات تأتي وحدها. طريق المحاربين.”

freelance_writer_writing

متى، وأين، وكيف، وبِمَ، أكتب؟ باختصار: ما هي طقوسي في الكتابة؟

لا إجابة أو إطار ثابت لديّ للأمر. أخبرت الأخّ يونس بن عمارة في حواره معي بخطوط عريضة للأمر: المزاج المناسب – الموسيقى – أداة الكتابة – المكان – إضافات أخرى، وبتفصيلٍ بسيط جداً في كلٍ. أحاول هنا اسكتشاف الأمر أكثر، وإجابة كلّ سؤال:

المزاج المناسب؟ كتبتُ في كلّ حالةٍ مزاجيّة تقريباً، في الفرح والغضب والحزن والاكتئاب والفقد والنجاح والفشل والوفاة، أفضل ما كتبتُ كان في الحزن والفقد والفشل، يليه الفرح والغضب والمزاج المعتدل، لا أكتب أثناء الاكتئاب تقريباً إلا نصوصاً قصيرة كئيبة يتجاهلها عقلي رغماً عنّي الآن. أرى نفسي أكتب أفضل في المزاج المعتدل، هذا يترتّب بشكل كبير على التالي..

الموسيقى؟ يقول بعض عظماء  الكتّاب (منهم ستيفن كينج Stephen King كما أذكر) أنه من الضروري أن تكتب بمعزلٍ عن المشتتات. ما تعريف المشتّتات؟ أغلب ما كتبتُ كتبتهُ تحت تأثير موسيقى الميتال أو الروك على الأقل، قليله مع موسيقى هادئة جداً! ستيفن كينج نفسه قال إنه لا يكتب إلا على الموسيقى الصاخبة جداً. والله كتبتُ مرة أو اثنتين على صوت (سعيد الهوا) حين كان مناسباً للحالة، بل وعلى Five Finger Death Punch وهم ليسوا إلا صرخات ركبت عليها كلمات أغانٍ!

 نخرج من هنا بتعريفٍ بسيط: المشتتات هي كلّ شيء يخرجك عن مزاج الكتابة وحالتها، ولا استثناءات هنالك وقوائم المشتتات لا تتشابه أبداً. مزيد في هذا لاحقاً.

أداة الكتابة؟ الأفضلية المطلقة للكتابة الإلكترونيّة. أكتب أفضل على اللاب توب ثم التابلت، ويستحيل تقريبا أن أكتب على الهاتف، وقليلاً ما أكتبُ على الورق. لماذا؟ اعتياد، لا أكثر. اعتدتُ لكن في أعماقي لا أحبّ الفكرة كثيراً. أي كاتبٍ أنا إن كنتُ لا أستعمل الورق في الكتابة؟ أعود فأقول: الأمر لا قاعدة ثابتة له، يهمني أن أكتب وأكتب، وأن أرضى عما أفعل. وقتيّاً على الأقل. لا فقدان للأصالة هناك ولا ضعف ولا نقص في التركيز أو الفعل، لا اختلاف بل وراحة تامة، فَلِمَ لا؟

المكان؟ لا أفضلية لمكانٍ على الآخر، كتبتُ أمام اللاب توب وفي غرفتي صباحاً ومساءاً، وفي الكليّة تحت أشعة الشمس وتحت أضواء أعمدة الإنارة، وفي (ميركاتو) مقهاي المفضّل وفي مقاهٍ بلديّة وفاخرة، بل وفي القطار وفي ميدان التحرير، في كلّ مكان اعتدتُ زيارته تقريباً. يهمّني هنا فقط القدرة على الكتابة، والمزاج الذي قد يتيحه المكان. إن كان المكان يقدّم لي تلميحاً للكتابة فلا مانع، وليس شرطاً. لستُ انتقائيّاً جداً ها هنا.

النسكافيه؟ الشاي؟ البسكويت؟ الشات؟ مواقع ومهامّ أخرى؟ اللهم نعم. شرب النسكافيه أثناء الكتابة مزاج مصطنع نوعاً، لكن كثرة الاصطناع تخلق حقيقةً ما، ولا أمانع. لا أمانع من النسكافيه في أيّ لحظة. لا أمانع من مهام أخرى، مع الاعتراف أنها تفقدني طاقتي وتركيزي أكثر الوقت، لكن صدقاً لا أمانع. ربما هذه ليست مما أعتبره مشتّتات.

 

حسناً، الخلاصةُ من هذا كلّه؟ مزاجُ الكتابة المناسب بالضبط، وإقصاء المشتّتات. الأمران نسبيّان تماماً حتى بالنسبة للشخص الواحد، يهمّنا هنا أن نكتب. هل الأمر له علاقة بالموضوع؟ أحياناً، المقالات الجادة والبحثيّة والإنتاجية تحتاج تركيزاً أعلى لا يتوافر في الشارع قطعاً، التدوينات العاديّة والخواطر كتابتها حتى في جحر ضبّ ليست مشكلة. المشكلة الحقيقيّة في الكتابة في قطار، صخب وحركة لا تنقطع ومشهد متغيّر كلّ ثانية. المشتّتات؟ ما تعريف المشتّتات؟ أيّ شيء يقصيك عن مزاج الكتابة، فقط، اترك المجال لمزاجك أنت ليحدد، وافعل ما تشاء ولا عيب أو خطأ ها هنا.

 

هل الكتابة قيد؟ هل هي التزام؟ التزام نعم، لكن ليست قيداً. ليس كلّ التزام قيداً ولا يصحّ العكس. الكتابة تحررك، تشكّلك، تضيف إليك، تحطّمك وتدمّرك وتعيد بناءك، أنت هنا النحات والإزميل بيدك وحجارة الجبل كلّها أمامك، ولا قيود. امضِ وسينحفر الطريق تحت قدميك. فقط حاول أن لا تترك الإزميل.. لا تترك السيف من يدك. طريق المحاربين يحتمل الانحراف والشطط والتجارب، لكن لا يحتمل –طويلاً- القعود، ولا يحتمل الرجوع أبداً.

ما تزال محاولة الاستكشاف ناقصة لا ترضيني، وقطعاً ما تزال للحديث بقيّة.. (تحيّة خاصّة مهداة إلى العظيم آيزاك أزيموف، ما امتدّت هذه السلسلة..)

 

محمّد..

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (3): أزيموف، والكتابة الحميمة..

(ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الناجحة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية) السابق ذكره. لم أسجل رأس موضوع لهذا، ولم أؤجله لغدٍ، وهي خطوة ممتعة أحببتُ نفسي حين فعلتُها. وسبّبت توالدَ أفكارٍ جديدة كذلك! طريقُ المحاربين :) )

isaac-asimov

هل سمعتَ عن كاتب أمريكيّ روسيّ الأصل يُدعى (آيزاك أزيموف Isaac Asimov)؟ لا؟ هل تعرف سلسلة روايات الخيال العلميّ Foundation ? طيب هل تعرف فيلم I, Robot ? تعرفه بالتأكيد؟ ذلك هو المؤلّف. هو شهير وعظيم ومؤثّر بما يكفي حتى أن أعماله فُضِّلَت على سلسلة Lord of the Rings في وقتٍ ما. وفاء قدرِ الرجل يحتاج للكثير، لكن يهمّنا هنا عنه نقطة واحدة: غزارةُ إنتاجه.

أزيموف عُرِفَ بكونه كاتِباً منهمكاً خِصبَ الخيال والأفكار، حتى لكتب سلسلة Foundation وهي ما هي في ضخامتها (كُتِبَت خلال 25 عاماً متقطّعة!) ، كتب عشرات السلاسل الكبيرة الأخرى، و500 كتاباً، و-ما يهمّنا!- أكثر من 90 ألف رسالة (!!) خلال حياته. وكان على ذلك شديد التواضع كما يبدو في مقدّمات كُتُبِه. كأنك تقرأ لكاتب عاديّ مبتدئ يحكي تجربته لا لأسطورة في الكتابة.

 

ما رأيك؟ إحساسي بالضآلة أمام هذا الرجل طبيعيّ كما أظنّ. تخيل أن يكتب أحدهم بهذا الإخلاص والانهماك، حرفيّاً أفنى عُمره في الكتابة، ولم يكتفِ بالمنشورات وبكونه باحثاً وأستاذ جامعة! بل كتب عشرات الآلاف من الرسائل!!

هذه الأخيرة تعني ببساطة أنه كان رغم كلّ ذلك يجدُ وقتاً لكتابة (رسائل). بمعنى حروف سريّة مخطوطة على أوراقٍ لا يراها إلا المُرسَل إليه، جزء من قلب وأفكار المُرْسِل، مكتوب باهتمام وانهماك، وبرغبة مشتعلة لازمة لارتكاب فعلٍ صغير ممتع كذلك. تدور هذه الأفكار في بالي بينما أتكاسل عن تدوين رأس موضوع لوقتٍ لاحق، أو أتكاسل لأسبوعين أو أكثر في كتابة رسالة شخصيّة واحدة.

 

سنعود إلى السؤال: هل يجب أن نكتب كثيراً؟ والإجابة الواضحة العتيدة: نعم. هل يلزم أن نرى النتيجة الآن؟ لا. لم يرَ (أزيموف) أي نتائج واضحة في السنوات الأولى بل ولم يكن يقبض دولاراً مما يكتب تقريباً، فقط الشغف، القدرة على تحويل ما يتعلّم ويحبّ إلى كلمات، قصص مشوقة، كلمات يستمتع هو بكتابتها قبل أن يستمتع غيره بقراءتها.

 

هل أملكُ القدرة على كتابة الرسائل على الأقل؟ اللهم نعم، هو الكسل فقط. هل أملكُ الأفكار لكتابة مادةٍ غير شخصيّة أو حميمة؟ ليس الكثير، حقاً، أكثر ما أكتب في ذلك تجاربُ شخصيّة تتحوّل لقصص، ابتداع القصص صعب فعلاً ما لم تعش الكثير منها وتشكّل منمنماتً عديدة لتجاربك. لكن الأمر يستحقّ التجربة، والوصول إليهِ طريقُ محاربين، بوضوح.

 

الكتابةُ الشخصيّة الحميمة ممتعِةَ، لكنها قليلاً ما تُقَدِّمُ الخلودَ لأحدهم.

 

وستكون للحديث بقيّة.

 

محمد..

كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (2): واللهِ لا أعرف.

longhand

بعد مشاهدة أربع فيديوات تحفيزيّة –بناءً على طلب صديقٍ ماليزي عزيز-، أولهم مقدّمة، عن الصّفات الثماني الأكثر شيوعاً في الناجحين، لفت نظري أنني مفتقرٌ في الصفاتِ الثلاث اللاتي سمعت عنهنّ في الفيديوات: الشغف – العمل – التركيز..

– لستُ واثقاً تماماً من شغفي بشيء ما. أدعي طوال الوقت أنني أعشق الكتابة وأنها شغفي الحقيقيّ، أحبّ الأوراق جداً والأقلام، من ضوابط المزاج عندي شراء مفكّرات جديدة حتى وإن لم أكتب فيها حرفاً، أفضل هديّة قد أقدمها لأحدهم شيء ورقيّ، و و و …

– .. لكن لا أعمل بما يكفي لإثبات ذلك، أو أعمل بغباء واضح، أو بكمّ قليل، أو ذلك الذي أعمله لا يفيدُ في شيء تقريباً..

– وقطعاً أفتقر للتركيز، عقلي منقسم بين الأصدقاء وفيسبوك وواتساب، وهذا المقال وذاك الفيديو وتلك الصورة وهذه المقطوعة الموسيقيّة وتلك المشاجرة، قليل التركيز في شيء واحد على الدوام حتى أن إحدى عينيّ لم تعد تتجه في اتجاه الأخرى تماماً. انحراف بسيط جداً يكاد يكون غير ملحوظ للناظر، كأنما العينان طوع خيال صاحبهما تريدان النظر في اتجاهين مختلفين لتساعداه على عدم التركيز..

 

الحقيقة، لا يقين لديّ. ما ذلك الشيء الذي عند تذكّره والعمل فيه أشعر أنني حي جداً وجداً وجداً، حتى لأثب إليه وأتيقظ له من النوم وأسهر بالليالي لفعله؟ هذا لا ينطبق تماماً على الكتابة بعد. قبل قليل وجدتُ في رأسي ومفكراتي الإلكترونية فكرتين جديدتيْن أو ثلاثاً وكنتُ مشتعلاً بالحماس للكتابة فيهن جميعاً والليلةَ الليلةَ، انشغلتُ لدقائق في أمر ما وحضّرت لنفسي العشاء وتعشّيت، وجلست إلى حاسبي وشغلت مقطوعتي.

ثم فراغ. فراغ. فراغ تامّ. يداي لا تتحركان وطاقتي تلاشت فجأة. لا أكتب، لا أكتب وحسب، حتى أن هذا الذي أكتبه ليس فكرة مختزنة بل مجرّد وصف مطوّل للموقف الحاضر. هل هذا شغف بالكتابة؟ هل يمكنني الليلة أن أتخلى عن النوم لأكتب قصة قصيرة؟ لا؟ هل هذا هو ما نسميه شغفاً إذاً؟

 

هل هو هَوَسي المتطرّف بالكمال وحسب؟ الكلّ أو لا شيء؟ هل هذا صحّي؟ يقولون وستقول: لا. قطعاً لا. هل هذه حيرةٌ جديدة تُضاف للقائمة؟ كالعادة، لا أعرف. لا أعرف شيئاً.

 

هل الكتابة ستجلب لي مالاً؟ في المنظور القريب وحسب أي رأي عاقل أو غير عاقل: لا. ليس في مصر. البعض يعيشون ويموتون ولا يكسبون قرشاً مما يكتبون. أنا أستمتع بالكتابة، لكن هل سأستطيع سدّ جوعي بها؟ لا أعرف، لا أعرف بعد. هل قُدِّرَ عليّ أن أتعلم مهنة أكرهها وأكتسب واجهة اجتماعية سخيفة أمقتها فقط لأبقى على قيد الحياة؟ أليست حياة القِطَطِ والحشرات أمتع وأكثر حريّة؟ ما أعرفه الآن أنني أحب الكتابة وما أكتب، وقد أكتبُ حتى أموت –قريباً إن شاء الله كما أرجو-، لكن لا أدري إن كان الموت سيكون إرهاقاً، أم جوعاً، أم مللاً، أم انتحاراً، أم محض حادثة عاديّة كأقرباء (القرموطي) في الفيلم إياه؟ لا أعرف.. والله لا أعرف.

 

الحياة في اللحظة الحالية وللحظة التالية فقط ليست بالحلّ السهل تماماً، لكن لا خيار غيره، حياة منظّف مداخن كما يجب أن تكون، بحلم صغير تافه في أن يكون صاحب البيت الذي ينظّف مدخنته.

 

الفيديوات من موقع Richard S.T. John لمن يرغب:

http://richardstjohn.com/videos/

 

محمّد..