كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (6): الشغف، حطبَ نيران!

“ملاحظة: هذه التدوينة مثالٌ لفكرة الكتابة بالمزاج“.. قد تندهش أن أخبرك أنني أكتب بينما أسمع أغنية (لولاش قلبه ما يوعاش) لسبب أنا نفسي أجهله تماماً، وباستمتاع شديد. كما أنها مثالٌ للفكرة التي تُرِكَت لتختمر. وستكون غالباً مثالاً للفكرة التي تستكشفها بينما تكتبها.”

Authors Collage

آيزاك أزيموف، أجاثا كريستي، آرثر كونان دويل، أبو الحَسَن النّدوي، أحمد خالد توفيق، نبيل فاروق…

من الشّرق والغرب وما بينهما. ما القاسم المشترك كما تذكر؟ جميع هؤلاء كُتّاب غزيرو الانتاج جداً، أقلّهم كتب مئة كتاب وأكثرهم كتب خمسمائة أو أكثر. و.. لا، أعمال هؤلاء لم تتأثّر أبداً بثنائيّة (الكمّ والكيف) وأغلبها في نفس مستوى الجودة الرائعة . وجميعهم كُتِبَ – أو سيُكْتَب- له الخلود، كلّ فيما وبما يكتب، بشكلٍ أو بآخر.

لماذا لم يتأثّر أحد هؤلاء بثنائيّة (الكمّ والكيف)؟ إما أن يكتب قليلاً جيّداً أو كثيراً سيئاً في أغلبه؟

 

مؤخراً اقتربتُ من بعض هؤلاء أكثر، آيزاك أزيموف في سلسلة Foundation ، أجاثا كريستي في بعض رواياتها البوليسية الشهيرة، والأستاذ أبي الحسن النّدَويّ في كتابه القيّم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).. ومما وجدتُ:

– أزيموف كتب سلسلته –كما أسلفت- وكل أعماله (500 كتاباً!) في فترة 25 أو 30 عاماً متصلة، يكتب بلا انقطاع وبكامل طاقته وبدون عجزٍ أو ضآلة في المستوى، بل كان الطلب على ما يكتب يزداد ولا ينقص.

– كل ما كتبت أجاثا لاقى قبولاً دائماً وما يزال حتى اللحظة، بل وتفاعلاً واضحاً في وقتها مع تطوّرات الأبطال. كتبت عشرات وربما مئات الكتب وباعت بلايين النسخ وتُرجمت ل103 لغات.

– (ماذا خسر العالم) كان أول مؤلّفات أبي الحسن الندويّ على الإطلاق، وباللغة العربيّة رغم أنه هنديّ في الأصل، وأحدث وقتها أثراً ضخماً وأثّر في أسماء كبيرة، في كتاباتهم ووعيهم. وهو أشهر أعماله على الإطلاق حتى اللحظة وأبعدها أثراً وحضوراً وأهميّة بما لا يُقاس.

 

يجمع بين هؤلاء الثلاثة، والباقين وغيرهم، شيء واحد: الشغف.. الشديد.. بما.. يفعلون!

أزيموف لم يكتب مئات الكتب للمال وحسب –ما يبدو على الأقل-، أبو الحسن الندويّ قطعاً لم يكتب للمال بل عُرِف مجاهداً بالكلمة والدعوة حتى مات بل وارتحل في العالم كلّه يقدّم المحاضرات والكتب واللقاءات وأسس ورأس العشرات من الهيئات والمؤسسات الدينيّة العلميّة، فقط للدعوة إلى الله لوجه الله،  أجاثا كريستي معروفة جداً بشغفها الشديد بما كانت تكتب. الشغف.. الشغف كان وقود هؤلاء! عشق ما يفعلون، وحياتهم لأجله، أنتجا الهمّة العالية. تخيّل؟ تخيّل أن الشغف هو ذلك الوقود الخارق الذي لم ينضب؟! أنه بالقوّة التي تجعل كلّ حرف كتبوه رائعاً يستحقّ الجمع، مهما كثرت الكلمات؟!

كيف اعتنقوا شغفهم؟

نخسر الكثير جداً في هذا العصر ونقتل أحلامنا وشغفنا حين نعتنقها خطأ حتى الخنق. دُبّة تقتل صاحبها. لا ندرس، لا نفهم، لا نتعلّم بما يكفي، نشعر أن الدرس والتعلّم واكتساب المعرفة كلّها مضادة للشغفِ قاتلة، نقفز للحلم مباشرةً، نضيع وقودنا الوحيد وطاقتنا في محاولاتٍ متخبطة لا ترى، نصابُ فنسقط أرضاً أموات الأحلام. عكس هؤلاء. انظر لأبي الحسن، هذا لم يكتب إلا في سنّ الثلاثين (وكان يعدّ نفسه متعجّلاً!)، وبعد أن أفنى عمره الأول في طلب العِلم فقط مع تقديمه بشكلٍ مبسط لمن احتاجه. درس، تعلّم، قرأ بنهم مريع للشرقيين والغربيين والقدماء والمعاصرين، فعل ذلك كلّه أولاً، ثم كتب.

ما هذا؟ وقود الشّغف وحطبه: أن تعتنق شغفك، بذكاء. بفهم. تعلّم كيف تفعل، ثم افعل، وبكلّ طاقتك. جرّب وغامر، لكن جهّز معدّاتك أولاً حتى لا تنفجر التجربة في وجهك وحتى لا تسقط من فوق الجبل. خذ في شغفك الخطوات الأولى على بصيرة، راقِب الطريق، واخطُ بثقة. لن تصعد السلّم أبداً إلا حينما تتعلّم المشي أصلاً.

 

الكتابة ليست مجرّد (أكل عيش)، ليست رحلة مريحة دائماً وليست طريقاً سهلاً، الكتابة –قلنا وسنقول- ستلتهمك، ستحطّمك وتكسرك ثم تبنيك من جديد. لن تبنيك من جديد، بل ولن تسلك الطريق الصعب أصلاً إلا حين تستزيد من حطب نارك. املك شغفك، أبقِه حيّاً –أيّها المحارب-، وامضِ.

 

محمد..

Advertisements

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (4): فلنسكتشف المزاج!

“ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الفاشلة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية). الحقيقة أنني كتبتها (بكرة) فعلاً وأنني لم أسجل حتى رأس موضوع. بمعنى أنني لو كنت متّ هذا الصباح لما كان أحد ليعرف ماذا كنتُ لأكتب الليلة. أجرّب الآن –كما قال أحمد فوزي وقالت لبنى- أن أكتب في غموض، وأدع الكلمات تأتي وحدها. طريق المحاربين.”

freelance_writer_writing

متى، وأين، وكيف، وبِمَ، أكتب؟ باختصار: ما هي طقوسي في الكتابة؟

لا إجابة أو إطار ثابت لديّ للأمر. أخبرت الأخّ يونس بن عمارة في حواره معي بخطوط عريضة للأمر: المزاج المناسب – الموسيقى – أداة الكتابة – المكان – إضافات أخرى، وبتفصيلٍ بسيط جداً في كلٍ. أحاول هنا اسكتشاف الأمر أكثر، وإجابة كلّ سؤال:

المزاج المناسب؟ كتبتُ في كلّ حالةٍ مزاجيّة تقريباً، في الفرح والغضب والحزن والاكتئاب والفقد والنجاح والفشل والوفاة، أفضل ما كتبتُ كان في الحزن والفقد والفشل، يليه الفرح والغضب والمزاج المعتدل، لا أكتب أثناء الاكتئاب تقريباً إلا نصوصاً قصيرة كئيبة يتجاهلها عقلي رغماً عنّي الآن. أرى نفسي أكتب أفضل في المزاج المعتدل، هذا يترتّب بشكل كبير على التالي..

الموسيقى؟ يقول بعض عظماء  الكتّاب (منهم ستيفن كينج Stephen King كما أذكر) أنه من الضروري أن تكتب بمعزلٍ عن المشتتات. ما تعريف المشتّتات؟ أغلب ما كتبتُ كتبتهُ تحت تأثير موسيقى الميتال أو الروك على الأقل، قليله مع موسيقى هادئة جداً! ستيفن كينج نفسه قال إنه لا يكتب إلا على الموسيقى الصاخبة جداً. والله كتبتُ مرة أو اثنتين على صوت (سعيد الهوا) حين كان مناسباً للحالة، بل وعلى Five Finger Death Punch وهم ليسوا إلا صرخات ركبت عليها كلمات أغانٍ!

 نخرج من هنا بتعريفٍ بسيط: المشتتات هي كلّ شيء يخرجك عن مزاج الكتابة وحالتها، ولا استثناءات هنالك وقوائم المشتتات لا تتشابه أبداً. مزيد في هذا لاحقاً.

أداة الكتابة؟ الأفضلية المطلقة للكتابة الإلكترونيّة. أكتب أفضل على اللاب توب ثم التابلت، ويستحيل تقريبا أن أكتب على الهاتف، وقليلاً ما أكتبُ على الورق. لماذا؟ اعتياد، لا أكثر. اعتدتُ لكن في أعماقي لا أحبّ الفكرة كثيراً. أي كاتبٍ أنا إن كنتُ لا أستعمل الورق في الكتابة؟ أعود فأقول: الأمر لا قاعدة ثابتة له، يهمني أن أكتب وأكتب، وأن أرضى عما أفعل. وقتيّاً على الأقل. لا فقدان للأصالة هناك ولا ضعف ولا نقص في التركيز أو الفعل، لا اختلاف بل وراحة تامة، فَلِمَ لا؟

المكان؟ لا أفضلية لمكانٍ على الآخر، كتبتُ أمام اللاب توب وفي غرفتي صباحاً ومساءاً، وفي الكليّة تحت أشعة الشمس وتحت أضواء أعمدة الإنارة، وفي (ميركاتو) مقهاي المفضّل وفي مقاهٍ بلديّة وفاخرة، بل وفي القطار وفي ميدان التحرير، في كلّ مكان اعتدتُ زيارته تقريباً. يهمّني هنا فقط القدرة على الكتابة، والمزاج الذي قد يتيحه المكان. إن كان المكان يقدّم لي تلميحاً للكتابة فلا مانع، وليس شرطاً. لستُ انتقائيّاً جداً ها هنا.

النسكافيه؟ الشاي؟ البسكويت؟ الشات؟ مواقع ومهامّ أخرى؟ اللهم نعم. شرب النسكافيه أثناء الكتابة مزاج مصطنع نوعاً، لكن كثرة الاصطناع تخلق حقيقةً ما، ولا أمانع. لا أمانع من النسكافيه في أيّ لحظة. لا أمانع من مهام أخرى، مع الاعتراف أنها تفقدني طاقتي وتركيزي أكثر الوقت، لكن صدقاً لا أمانع. ربما هذه ليست مما أعتبره مشتّتات.

 

حسناً، الخلاصةُ من هذا كلّه؟ مزاجُ الكتابة المناسب بالضبط، وإقصاء المشتّتات. الأمران نسبيّان تماماً حتى بالنسبة للشخص الواحد، يهمّنا هنا أن نكتب. هل الأمر له علاقة بالموضوع؟ أحياناً، المقالات الجادة والبحثيّة والإنتاجية تحتاج تركيزاً أعلى لا يتوافر في الشارع قطعاً، التدوينات العاديّة والخواطر كتابتها حتى في جحر ضبّ ليست مشكلة. المشكلة الحقيقيّة في الكتابة في قطار، صخب وحركة لا تنقطع ومشهد متغيّر كلّ ثانية. المشتّتات؟ ما تعريف المشتّتات؟ أيّ شيء يقصيك عن مزاج الكتابة، فقط، اترك المجال لمزاجك أنت ليحدد، وافعل ما تشاء ولا عيب أو خطأ ها هنا.

 

هل الكتابة قيد؟ هل هي التزام؟ التزام نعم، لكن ليست قيداً. ليس كلّ التزام قيداً ولا يصحّ العكس. الكتابة تحررك، تشكّلك، تضيف إليك، تحطّمك وتدمّرك وتعيد بناءك، أنت هنا النحات والإزميل بيدك وحجارة الجبل كلّها أمامك، ولا قيود. امضِ وسينحفر الطريق تحت قدميك. فقط حاول أن لا تترك الإزميل.. لا تترك السيف من يدك. طريق المحاربين يحتمل الانحراف والشطط والتجارب، لكن لا يحتمل –طويلاً- القعود، ولا يحتمل الرجوع أبداً.

ما تزال محاولة الاستكشاف ناقصة لا ترضيني، وقطعاً ما تزال للحديث بقيّة.. (تحيّة خاصّة مهداة إلى العظيم آيزاك أزيموف، ما امتدّت هذه السلسلة..)

 

محمّد..

كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (2): واللهِ لا أعرف.

longhand

بعد مشاهدة أربع فيديوات تحفيزيّة –بناءً على طلب صديقٍ ماليزي عزيز-، أولهم مقدّمة، عن الصّفات الثماني الأكثر شيوعاً في الناجحين، لفت نظري أنني مفتقرٌ في الصفاتِ الثلاث اللاتي سمعت عنهنّ في الفيديوات: الشغف – العمل – التركيز..

– لستُ واثقاً تماماً من شغفي بشيء ما. أدعي طوال الوقت أنني أعشق الكتابة وأنها شغفي الحقيقيّ، أحبّ الأوراق جداً والأقلام، من ضوابط المزاج عندي شراء مفكّرات جديدة حتى وإن لم أكتب فيها حرفاً، أفضل هديّة قد أقدمها لأحدهم شيء ورقيّ، و و و …

– .. لكن لا أعمل بما يكفي لإثبات ذلك، أو أعمل بغباء واضح، أو بكمّ قليل، أو ذلك الذي أعمله لا يفيدُ في شيء تقريباً..

– وقطعاً أفتقر للتركيز، عقلي منقسم بين الأصدقاء وفيسبوك وواتساب، وهذا المقال وذاك الفيديو وتلك الصورة وهذه المقطوعة الموسيقيّة وتلك المشاجرة، قليل التركيز في شيء واحد على الدوام حتى أن إحدى عينيّ لم تعد تتجه في اتجاه الأخرى تماماً. انحراف بسيط جداً يكاد يكون غير ملحوظ للناظر، كأنما العينان طوع خيال صاحبهما تريدان النظر في اتجاهين مختلفين لتساعداه على عدم التركيز..

 

الحقيقة، لا يقين لديّ. ما ذلك الشيء الذي عند تذكّره والعمل فيه أشعر أنني حي جداً وجداً وجداً، حتى لأثب إليه وأتيقظ له من النوم وأسهر بالليالي لفعله؟ هذا لا ينطبق تماماً على الكتابة بعد. قبل قليل وجدتُ في رأسي ومفكراتي الإلكترونية فكرتين جديدتيْن أو ثلاثاً وكنتُ مشتعلاً بالحماس للكتابة فيهن جميعاً والليلةَ الليلةَ، انشغلتُ لدقائق في أمر ما وحضّرت لنفسي العشاء وتعشّيت، وجلست إلى حاسبي وشغلت مقطوعتي.

ثم فراغ. فراغ. فراغ تامّ. يداي لا تتحركان وطاقتي تلاشت فجأة. لا أكتب، لا أكتب وحسب، حتى أن هذا الذي أكتبه ليس فكرة مختزنة بل مجرّد وصف مطوّل للموقف الحاضر. هل هذا شغف بالكتابة؟ هل يمكنني الليلة أن أتخلى عن النوم لأكتب قصة قصيرة؟ لا؟ هل هذا هو ما نسميه شغفاً إذاً؟

 

هل هو هَوَسي المتطرّف بالكمال وحسب؟ الكلّ أو لا شيء؟ هل هذا صحّي؟ يقولون وستقول: لا. قطعاً لا. هل هذه حيرةٌ جديدة تُضاف للقائمة؟ كالعادة، لا أعرف. لا أعرف شيئاً.

 

هل الكتابة ستجلب لي مالاً؟ في المنظور القريب وحسب أي رأي عاقل أو غير عاقل: لا. ليس في مصر. البعض يعيشون ويموتون ولا يكسبون قرشاً مما يكتبون. أنا أستمتع بالكتابة، لكن هل سأستطيع سدّ جوعي بها؟ لا أعرف، لا أعرف بعد. هل قُدِّرَ عليّ أن أتعلم مهنة أكرهها وأكتسب واجهة اجتماعية سخيفة أمقتها فقط لأبقى على قيد الحياة؟ أليست حياة القِطَطِ والحشرات أمتع وأكثر حريّة؟ ما أعرفه الآن أنني أحب الكتابة وما أكتب، وقد أكتبُ حتى أموت –قريباً إن شاء الله كما أرجو-، لكن لا أدري إن كان الموت سيكون إرهاقاً، أم جوعاً، أم مللاً، أم انتحاراً، أم محض حادثة عاديّة كأقرباء (القرموطي) في الفيلم إياه؟ لا أعرف.. والله لا أعرف.

 

الحياة في اللحظة الحالية وللحظة التالية فقط ليست بالحلّ السهل تماماً، لكن لا خيار غيره، حياة منظّف مداخن كما يجب أن تكون، بحلم صغير تافه في أن يكون صاحب البيت الذي ينظّف مدخنته.

 

الفيديوات من موقع Richard S.T. John لمن يرغب:

http://richardstjohn.com/videos/

 

محمّد..

قراءةٌ في (نظريّة اللّعبة): عن النظريّة.. والقلم.. والثورة!

قطعاً سيبدو لك (نظرية اللّعبة) مبدئياً كتاباً فكريّاً، سياسياً أو اقتصادياً، وأبعد احتمال سيتبادر لذهنك -ربما كما حدث معي- أنه مجموعة قصصية، وأنه (كثيرٌ من الأشياء التي لم أتوقّعها بالمرّة). هو مجموعةٌ قصصيّة للقاصّ الفلسطينيّ (خالد عودة الله)، وهو كما ستحد في بحثك على الشّبكة في الأساس باحث في العلوم الاجتماعيّة! وأن كتابه 64 صفحة فقط، حتى أنني أعدتُ التأكّد من عدد الصفحات ظناً أن هناك مشكلة في نسختي! وأن هذه المجموعة هي أوّل أعماله الأدبية المنشورة! وكلّ هذا كان عنصر مفاجأة مهمّ، فهي -على كلّ ما سَبَق- مجموعة ذات جودةٍ عاليةٍ بالفعل، أدبيّاً، أسلوبيّاً وموضوعيّاً وتستحقّ أن نفرد لها حيّزاً كبيراً من الاهتمام..

19540209

الطبعة التي بين يديّ هي طبعة متميّزة للكتاب في العام 2014 من (دار مدارات للأبحاث والنّشر) المصريّة وصلتني منهم بالبريد بناءً على طلبي، ذات غلاف بسيط لكن أنيق وجذّاب وبخامات عالية الجودة يشدّك للقراءة وهو ما حدث معي بالضبط، تقع في 64 صفحة متوسطة الحجم. دار النّشر بالمناسبة تعنى أساساً بنشر الموادّ البحثيّة والدراسات في مجالات عديدة، ورغم حداثتها فمطبوعاتها دائماً ذات جودةٍ عاليةٍ شكلاً وموضوعاً وبشهادة كثيرٍ ممن أعرف من قرائها، وكونها هي من ينشر هذه المجموعة القصصيّة، ولباحث فلسطينيّ، يعطيك فكرةً صلبة عمّا يجبُ أن تتوقّع في ومن هذه المجموعة، قصصاً وأساليب وأفكار.. أبحث بعضها معكم هنا بقليل من التفصيل (تحذير من حرق بعض القصص هنا لمن لم يقرأ.)

*****

كمقدّمة: – (والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا وإنّ اللهَ لمع المحسنين) (العنكبوت آية 69)

– (لَكَأنّني الأضداد في رَجُلٍ تُقاتِلهُ وحوشُ يديه..)  –شوقي بزيع

آية قرآنية كريمة تؤكّد لك صحّة الظنّ الأوليّ، ثم عبارة عامضةٌ كمدخلٍ للقصص، والتي تبدأ بـ..:

(عندما بدأ الشّيخُ زكريّا يضلّ طريقه إلى المسجد): قصة عديدة العناصر، فهي تبدأك بحادثةٍ غامضة تشعرك أنّك في مدخل قصّة بوليسيّة كلاسيكية تعتمد على الغموض والإثارة حتّى لحظة التنوير، ثم تسحبك القصة في هدوء إلى مغزاها الحقيقيّ: رمزيّة واضحة صارخة ممزوجة بلمسة محببّة من الفانتازيا، تتضح مع آخر سطور. الأسلوب هنا يبدو أكاديميّاً بحتاً إن صحّ لي التعبير، والقصّة بشكلٍ ما ذات نهايةٍ تقليديّة ولكنها مناسبة كبدايةٍ لما بعدها.

(خمسة سنتيمرات مربّعة من التيتانيوم): تناول للقضيّة الفلسطينيّة بعيون إسرائيليّة بحتة. وجهٌ جديد لم يره أغلبنا وبالتأكيد رآه المؤلّف بطريقةٍ أو بأخرى، وربما رأى من حقّ القارئ رؤيته، بذات عين الباحث.

(نظريّة اللعبة): أستطيع بسهولة أن أعدّها واسطة العقد، والأفضل في المجموعة، وأكثر قصصها تقديماً لمزيج (القصة/النظريّة) الذي يبدو أن المؤلف يبرع فيه، حيث تجد أساليب بلاغيّة وتشبيهات رائعة لكاتب عميق الثقافة والقراءات مثل (واظبتُ على اختراع (ما بينيّات) تقيني زمهريرَ الهباء). الصفحات الأولى من القصّة الطويلة نسبيّاً تصوّر للقارئ ببراعة واضحة ودقّة متناهية: صراع الإنسان المعاصر المفكّر ذي العقل الناقد في سبيل الخلاص من قيود مكانه وزمانه الخانقين وصراعات الحياةِ اليوميّة ومن كونه ترساً في الماكينة العملاقة، فيبدو عنصر الصراع في كرّه وفرّه مرات متتالية (كما في إلقاءه اللّومَ على نفسه حين لا يمكنه إلقاؤه على العالَم في إعلان ضمنّي بالهزيمة في جولة الصّراع).. تتقدّم القصّة فتشعر أن القصّة مكتوبة على أساس عنوانها، لا العكس! فكلّ أحداثها المنطلقة في الفانتازيا هي تجسيد لرؤية المؤلف لـ(نظرية اللعبة) أو شكل الصراع بين الإنسانِ والنظام وثورة الأول على الأخير. هي قصّة متميّزة بالفعل وتحتاج أكثر من قراءة لها، وبحثٍ شامل في بعض عناصرها كذلك.

سوبر جلو Super Glue : يعرف ويفهم المثقّفون جيّداً ثنائية (النظريّة والممارسة) والعلاقة الصّعبة بينهما، والمؤلف كمثقّف يحترم نفسه يقدّم رؤيته القصصيّة لتلك الثنائيّة ويسقطها على شخصيّة مثقف ثوريّ تقليديّ جداً قرر نقل نظريّاته إلى الواقع.. بطريقته الخاصة!

رائحة الدّيتول: صورة مطوّلة بالقلم لعبارةٍ واحدة: إما أن تكونَ خصماً لخصمك، وإما أن تكون خادماً له. تجسيم هذه الثنائيّة ها هنا صادمٍ قليلاً، لكنه ضروري جداً لإيضاح حتميّة هذا الصّدام وخطورة أن تبدأه رماديّاً، لتجد نفسك صرتَ بائع مبادئ وكلمات، ودين ربّما.. مجرّد خادمٍ آخر.. وأيّ خادم!

الشهداء لن يعودوا هذا الأسبوع: خيرٌ ختام للكتاب، موجعة وحزينة بِخُفُوت.. كأنما هي إهداء صامتٌ صادق للشهداء، الشهداء الذين لن يعودوا لأنّهم لا يُطيقونَ حياةَ العاطلينَ عن العَمَل.

 

رأيتُ في هذا الكتاب القيّم صغير الحجم، الكثير مما يُقال ويُقرا ويُبْحَثُ فيه بالفعل. الكاتب بوضوح: باحث، ثمّ قاصّ واسع القراءة. الكاتب مخلصٌ جداً لقضيّته قضيّة فلسطين، يقدّم لك مناحي عدّة للقضيّة، يترك لك أطرافَ خيوط، يعطيك إشارات تنبيه هنا وهناك، يقدّم لك (في سابقة نادرة) فائدة حقيقيّة لما يكتب من عملٍ أدبي يفترض به الإمتاع فقط عادةً، يجبرك على البحث وربما الإنتاج، يوقد ذهنك معه بكلّ موضوع مقدّم وكلّ عبارة ونظريّة مشروحة، ويشرح لك (نظريّة الثورة) في هدوء، ويبهرك بقوّة الكلمات كشكلٍ أدبيّ، وكنظريّات قد تكون مُغَيِّرة جداً إن وصلت لأرض الواقع وعُمِلَت في مكانها الصّحيح، وبذكاء.

(نظريّة اللعبة) هي حتّى الآن أفضل تجسيد حيّ رأيته لمزيج (القصّة/النظريّة/الفائدة) . بحثتُ عن أعمالٍ أخرى جيّدة للكاتب ولم أجد بعد، وأنا في الانتظار بشوق شديد :)

 

محمد الوكيل

فقط.. اكتُب. (مُتَرْجَم)

فقط.. اكتب.

بقلم: ديف جراهام – ترجمة: محمد الوكيل (بتصريح من المؤلف)

النصّ الأصلي من مدوّنة Espresso Coco : http://goo.gl/J4tDNI

a238b64a18387b8a3f6c94d709e9b550

فقط.. اكتب.

احمل معك مفكّرة دائماً. وفي كلّ مكان. اكتب ما تعرفه.. واكتب ما لا تعرفه.

فقط.. اكتب.

احمل معك دائماً قلم حبر.. أو قلم رصاص. المسودّات الأولى يُفترض بها دائماً أن تكون سيئة.

فقط.. اكتب.

إذا أردتَ أن تكتب، ستجد الوقت لذلك. وإن لم تكن مستمتعاً بما تكتب، اكتب شيئاً آخر.

فقط.. اكتب.

استمرّ في الكتابة. أنْجِزْ نَصّاً. ضع له حبكة. استعرضه. اكتب بعفويّة ودون تخطيط. اكتب بكلّ حماسك!

فقط.. اكتب.

يَسْهُلُ قول ذلك، لكن لا يَسْهُلُ فعله دائماً. هل تكتب؟ كيف تجد الوقت؟ هل تخلقُ الوقت؟ هل تعمل معك مفكّرة وقلماً في كلّ مكان؟ هل تكتب ما تعرفه، وتضع له حبكة، وتستعرضه، وتكتبه بعفويّة؟

 

ديف جراهام Dave Graham