قراءة في سلسلة (كيمياء الصلاة)–د. أحمد خيري العمري

BOyHocjZkfo

على Goodreads

بسم الله..

لأكن صادقاً من البداية فأقول أن عقد الجواهر هذا (سلسلة كيمياء الصلاة بأجزائها الخمس) كان في ظنّي وقبل الإطلاع عليه بدايةً، مجموعة كتابات إسلاميّة ساذجة أخرى، أو في أفضل الأحوال محاولة دعويّة شبيهة بتجارب (الدعاة الجدد) حيث الغائيّة هي بناء ظاهر حضارةٍ وظاهر عبادة، بمضمون ناقصٍ فقير متجافٍ عن جُلّ المعاني الحقيقيّة للدعوة.

غيّر رأيي تماماً وللمرة لا أذكر كم، د. أحمد الديب، صديق حبيب عظيم الأثر فيّ أثق في نظرته ورجاحة عقله؛ حتى أن رأيه في أيّ كتاب شهادة حاسمة أمينة تماماً له أو عليه.. وقد قال بأن هذا الكتاب هو أهمّ ما قرأ في حياته!

دفعني هذا دفعاً للقراءة؛ فقط لأجد نفسي أمام باب كنز. كتيّبات صغيرة ذائعة الصيت منتشرة وخفيفة، تفتح عينيك، كمسلم يرى في دينه أكثر من مجرّد الظاهر، على ما يدهشك، يصدمك ويلذعك أحياناً، لكنه دائماً وبكلّ يقين يفتح عينيك، ولا يكتفي بهذا، بل يدفعك دفعاً للفعل. كنوز حقيقيّة في أيدي الناس لا يلقون لها بالاً فيما يبدو، كالعادة.

 

بعينٍ باحثٍ مدققة هادئة متيقّنة مؤمنة، ينظر د. أحمد خيري العمري إلى الصلاة من الخارج إلى الداخل، أعمق أعماق الداخل، يصعد إلى عنان السماوات وإلى الأرض وما فيها وتحتها، يميناً ويسرة وأماماً وخلفاً، ذهاباً وإياباً. ينظر لأدقّ التفاصيل ويحللها بدقّة ذريّة حتى قد تظنّ متفاجئاً أنه يقرأ أفكارك، ينظر في تفاصيل ربما مرّت ببالك أثناء القراءة ولم تظنّ أبداً أنه سينتبه إليها:

الأذان، الإقامة، إقامة الصلاة، التكبير، دعاء الاستفتاح، الفاتحة، الركوع، السجود، الاستراحة، التشهّد، التسبيح وحتى حركة سبابتك !.. كل هذا وأكثر وأدقّ منه بكثير يلتقطه الباحث بدقّة مدهشة صادمة، يقدّم إليك كلّ ما كنت تمارسه وتقرأ عنه طيلة حياتك، بعينٍ جديدة تماماً تماماً، جريئة وثّابة.

ليست الصلاة في رأي الباحث مجرّد حركات شعائريّة متكررة، ولا مجرّد كلمات وأذكار وتسبيحات وتلاوة، ولا مجرّد إسقاط للفرض ولا مجرّد وسيلة للراحة النفسيّة أو للهروب.. هي مفتاح للعالم! مفتاح للآخرة وللحياة الدنيا، قدم وذراع قويّة تجاه المهمة الأساسيّة للإنسان: الخلافة في الأرض. ليست أدنى حركة في الصلاة اعتباطاً، حاشَ لله أن يعبث بنا أو يهيننا هو الذي كرّمنا وحملنا في البرّ والبحر. كان ذلك يقين الباحث وهو يغوص في أعماق المعاني.. يبحث في معاني الكلمات والألفاظ، يستند جزئياً إلى تفاسير وتأويلات السابقين، إلا أنه -في الوقت ذات- يثب مرتفعاً عنها، يدور بعيداً عنها لكن في نفس الفلك الذي تدور فيه، لا مغالاة، لا إفراط ولا تفريط ولا ليّ لعنق كلمة واحدة، بل ولا حتى أفكار مسبّقة، هو بحث (علميّ) (دقيق) بأدوات حساسية فائقة الدقّة، وبخطوات متعقّلة إلى قلب النصوص والحركات والأذكار..

ولأن تيّار قراء الأدبيات الإسلاميّة الشائع لا يهضم -عادة، وللأسف- الأدبيات الضخمة المعقّدة كثيرة الهوامش، تتجاوز سلسلة الجواهر هذه هذه العقبة، بأسلوب أدبيّ رائق هادئ رقيق أحياناً، لاذع مع عدم التنفير أوالتبغيض أحياناً أخرى. وأكرر: بلا إفراط ولا تفريط ولا محاباة للقارئ وإرضاء لذائقة التيار العام فيه، ولا قسوةً عليه، هو الذي ما يزال يفتح طريق النهضة، ويستكشف بعد معالم مهمّته. أسلوب يجعلك تحلّق تحليقاً بين صفحات الكتاب. قد تلاحظ -كما لاحظتُ- التكرار والإطالة، والتكرار على انزعاجي منه أولاً يكون مع معانٍ قيّمة جوهريّة كهذه ضرورة.. فلا يمكنك هنا مجرّد أن تهزّ رأسك في اندهاش ورضا ثمّ تغلق الكتاب وتعود لسابق ما كنتَ عليه مما يحاول الباحث تغييره فيك! معانٍ كهذه يلزمها التكرار، كما يلزمك التكرار والتدريب لتصير قيادتك للسيّارة عمليّة تمارسها بثقة ومهارة ودون تفكير.

ستجد في هذه السلسلة الكثير: الكثير من المعاني الخفيّة، والمعاني الظاهرة المنكشفة انكشافاً جديداً تماماً، الكثير من الإضاءات والفهم.. الفهم الذي يلزمك -كإنسان عاقل- لتؤدي أيّ مهمة في حياتك بكلّ إيمان بأهميّة ما تفعل، فماذا عن أعظم مهمة في حياتك كإنسان: الصلاة؟

لن تخيّب هذه السلسلة أملك، وأرجوك لا تنظر إليها بعين القارئ المتفلسف، وانهل منها ما استطعت فستجد فيها مما سينفعك الكثير جداً، جداً.

اللهم بارك للباحث فيما كتب وقدّمت يداه :) مجموعة كتب أرشّحها بقوّة وبدون أن أفكّر مرّتين، متوافرة ومتاحة لكلّ باحث عن الكنوز.

 

محمد

Advertisements

أن نموتَ دون أن نتعلّم كلّ شيء..!

GoodReads-Icon

لو كنت من عشّاق موقع Goodreads –الشبكة الاجتماعيّة للكتب-، فبالتأكيد سمعت عن خاصية تحدّي القراءة Reading Challenge حيث تبدأ العام الجديد بتحديد عدد معين من الكتب عليك الانتهاء من قراءته قبل نهاية العام (أنا حددت لنفسي هذا العام 100 :)) ) .

ما رأيك؟ تبدو فكرة مثيرة، خاصةً وإن كنتَ مجنون كتب مثلي تتمنى أن لا تموت قبل قراءة مئات الآلاف من الكتب. يبدو تحدّياً مميّزاً وطريقة مثاليّة لإلزام نفسك بحدّ أدنى من القراءة اليوميّة، سواء كنت ذا منهجيّة معيّنة في القراءة أو فقط تقرأ لمزيد من المعرفة أو للمتعة الخالصة، وفي كلٍ لا ألومك.

لكن فلنفكّر: ألا يمكن أن يكون هذا ضاغطاً قليلاً، ما يتنافي –تماماً- مع فكرة التعلّم وتدبّر ما نقرأ؟ أنا نفسي بدأت ألاحظ هذا: بعد تحديد هدف من 100 كتاب، وصلت الآن إلى نهايات الشهر الثامن من السنة ولم أنهِ سوى 38 كتاباً ونصف! إذاً الخياران هما: أن أقنع بعدم الوصول للهدف المحدد، أو أن “أكروت” في القراءة حتى أشبع مستقبلات (الدوبامين) في مخّي بتحقيقي لهدف ما.

6d794ab98ec20b55b6ba6b4b117200cf

قطعاً “الكروتة” ليست المطلوب هنا. بالنسبة لي لا أنوي أن تكون القراءة مجرّد لعبة تنافسيّة أخرى، أنا أعيش بها، أتعلم وأنتج بها وأنمو خطوة على الطريق. عقلي ليس مكتبة قديمة أزاحم فيها كعوب الكتب بجوار بعضها لتكون ديكوراً، كثيراً من العناوين أباهي به أصدقاء الفيس بوك وروّاد الصالونات الأدبيّة. هذه –بالأحرى- إهانةً بالغة لأقيم هديّة منحنيها الله. منذ أسبوع ونصف بدأتُ في حلقة دراسيّة عن (تعلّم كيفيّة التعلّم Learning How To Learn)، ملخّص إحدى أفكار الدرس هو أن المعلومة (أو كتلة المعلومات المترابطة) تصير أكثر قيمة وثباتاً وقدرة على الارتباط بغيرها، مع (التكرار المستمرّ – الاسترجاع – الفهم – ربطها بأفكار وكتل معلومات أخرى) بطرقٍ مختلفة أتعلّمها في الدرس هذه الأيّام. ظنّي هو أن القراءة السريعة العابرة بنيّة دوبامينيّة خالصة مثل (تحقيق هدف التحدّي) لا تحفظ أيّ معلومة هنا أو هناك. هي دفعة بهجة لحظيّة تذهب لحالها.

 

****

تحدّث (جون ديوي) في كتابه (الحريّة والثقافة) (عام 1939!) عن أن كثرة المعلومات وتسارع الحاجة للتعليق عليها فوريّاً، أمر مرهق = يؤدي إلى (تخلّف ثقافي ملحوظ) على حدّ تعبيره! وأنّ تسارع وسائل النقل والتواصل أدّى إلى تشتيت وعي الناس بمؤثّرات سريعة فجائية قد لا تخصّ أغلبهم أصلاً في شيء، بل ومطلوب منهم دائماً التعليق عليها (بضغط مجتمعيّ وإعلامي!). وكأني به يتحدث عن عصر الشبكات الاجتماعيّة! لم يكن في عصر (ديوي) تويتر ولا فيس بوك ولا إنستجرام ولا live-streaming، بل التلغراف والراديو والتلفزيون، ثم يشتكي (ديوي) من ضغط المعلومات!

اليوم قد يفتح أحدنا فيس بوك وتويتر ويوتيوب وكورسيرا وجوجل وMedium وBuzzfeedو Pocket في نفس الوقت معاً فيتنقّل بين هذا وذاك بسرعة البرق فيحصّل في ساعة معلومات كان قبل 10 سنوات يحصّلها في يومين! لكن الاستفادة 30% من السابق تقريباً!

أعرف، وأفهم تماماً قلقنا من أن نموت دون أن نقرأ كلّ شيء، أو نتعلّم كلّ شيء، أو خوفنا من ألا نلاحق قطار الحياة ولا نتعلّم مهارات أساسيّة لنعمل ونطعم أنفسنا، وألا نتمكن من تعلّم الألمانيّة أو الإنجليزيّة لنهرب بجلدنا من هنا.  لكن إن كنتَ فاعلاً، فثلث لقراءتك وثلث لاستيعابك وثلث لإنتاجك. لا تخلط الأمور وامنح عقلك بعض الراحة، لا أنت ولا هو مستفيدان من انفجاره بفرط المعلومات الjunk.

 

****

صاغ بيجوفيتش في نهايات القرن الماضي مشكلتنا وحلّها في عبارة قصيرة، لا تزال سارية المفعول اليوم وأكثر من عصره بكثير:

“القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا اذكياء , بعض الناس يبتلعون الكتب و هم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير ,و هو ضروري لكي يُهضم المقروء و يُبني و يُتبني و يُفهم . عندما يتحدث اليك الناس يخرجون من افواههم قطعاً من هيجل و هايديجر او ماركس في حالة اوليه غير مصاغة جيدا , عند القراءة فان المساهمة الشخصية ضرورية مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي و الزمن , لكي تحول الرحيق الازهار المتجمعة الي عسل”

علي عزت بيجوفيتش

محمد..

حصاد قراءات منتصف العام (1 يناير : 28 يونيو)

11070338_1124185580929939_3559650063891359530_n

حقيقة، هدفي لهذا العام كان 100 كتاب. انتصف العامُ تقريباً ومضى فصلان وبدأ الثالث، وما قرأتُ كان ثلاثين فقط. لا أسباب معيّنة فحجّة الدراسة انتهت، لكن يمكنك القول أنها تلك العادة البائسة في ترك المزاج السيّئ يحكم قراءتي.

المهم، هذه قائمة قصيرة بقراءات النصف الأوّل من العام، بترتيب القراءة. عادةً أبدؤها للمرة الأولى بعد أن اعتدتُ وضع القائمة الكاملة في آخر يوم من السّنة؛ تسهيلاً على من أراد معرفة أسماء الكتب والبحث عنها وقراءتها في أقرب وقتٍ ممكن، على أن أعيد كتابة القائمة كاملة –بإذن الله- في نهاية العام كالمعتاد.


* – كتاب يُنصح بقراءته أكثر وتقييمي له على goodreads  أعلى.

 

1- همس الجنون – نجيب محفوظ (قصص)

2- عائشة تنزل إلى العالم السفليّ – بثينة العيسى (رواية) *

3- ثورة في جهنم – نقولا حداد (رواية قصيرة) *

4- صباح ومسا – علياء أحمد وداليا رحاب (نصوص قصيرة)

5- والآن أتكلّم – خالد محيي الدين (مذكرات) *

6- جزيرة الدكتور مورو – ه. ج. ويلز (رواية – ترجمة د. أحمد خالد توفيق) *

7- قلعة الأسرار – هوراس والبول (رواية – ترجمة د. أحمد خالد توفيق)

8- عالم رائع جديد – ألدوس هكسلي (رواية مترجمة) *

9- عظمة أخرى لكلب القبيلة – سركون بولص (شِعر) *

10- رسائل الشجرة العتيقة – مديحة مجدي (رواية)

11- كتاب الرّسم والخط – جوزيه ساراماجو (رواية – ترجمة شيرين عصمت وأحمد عبد اللطيف) *

12- الله الوطن أما نشوف – د. سلمى أنور (مجموعة تدوينات)

13- أسطورة الأساطير ج1 (ما وراء الطبيعة) – د. أحمد خالد توفيق (رواية قصيرة) *

14- أسطورة الأساطير ج2 (ما وراء الطبيعة) – د. أحمد خالد توفيق (رواية قصيرة) *

15- 30 (سلسلة الأعداد الخاصة) – د. أحمد خالد توفيق (قصص) *

16- وليمة لأعشاب البحر – حيدر حيدر (رواية) “لم أكملها”.

17- Animal Farm – George Orwell (Novel) *

18- Prelude to Foundation – Isaac Asimov (Novel) *

19- خصائص التصوّر الإسلامي ومقوّماته – سيّد قطب

20- Foundation – Isaac Asimov (Novel) *

21- جريمة القصر – أجاثا كريستي (رواية) *

22- لغز الألغاز – أجاثا كريستي (رواية)

23- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ – أبو الحسن الندوي *

24- رجل بلا قلب – أجاثا كريستي (رواية)

25- الخالديّة – محمد البساطي (رواية) *

26- الشحاذ – نجيب محفوظ (رواية) *

27- الأمير الصغير – أنطوان دو سانت إكزوبري (رواية قصيرة – ترجمة يوسف غصوب) *

28- دفاعاً عن القرآن ضد منتقديه – أ. د. عبد الرحمن بدوي (دراسة) *

29- نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي – د. عز الدين فراج

30- Letters to A young poet – Rainer Maria Rilke (Letters) *

 

القائمة حتى اليوم 28 يونيو. وأي اقتراحات جيّدة للقراءة مُرَحَّب بها بالطبع، هنا أو في صفحتي :)

 

محمد الوكيل

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (3): أزيموف، والكتابة الحميمة..

(ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الناجحة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية) السابق ذكره. لم أسجل رأس موضوع لهذا، ولم أؤجله لغدٍ، وهي خطوة ممتعة أحببتُ نفسي حين فعلتُها. وسبّبت توالدَ أفكارٍ جديدة كذلك! طريقُ المحاربين :) )

isaac-asimov

هل سمعتَ عن كاتب أمريكيّ روسيّ الأصل يُدعى (آيزاك أزيموف Isaac Asimov)؟ لا؟ هل تعرف سلسلة روايات الخيال العلميّ Foundation ? طيب هل تعرف فيلم I, Robot ? تعرفه بالتأكيد؟ ذلك هو المؤلّف. هو شهير وعظيم ومؤثّر بما يكفي حتى أن أعماله فُضِّلَت على سلسلة Lord of the Rings في وقتٍ ما. وفاء قدرِ الرجل يحتاج للكثير، لكن يهمّنا هنا عنه نقطة واحدة: غزارةُ إنتاجه.

أزيموف عُرِفَ بكونه كاتِباً منهمكاً خِصبَ الخيال والأفكار، حتى لكتب سلسلة Foundation وهي ما هي في ضخامتها (كُتِبَت خلال 25 عاماً متقطّعة!) ، كتب عشرات السلاسل الكبيرة الأخرى، و500 كتاباً، و-ما يهمّنا!- أكثر من 90 ألف رسالة (!!) خلال حياته. وكان على ذلك شديد التواضع كما يبدو في مقدّمات كُتُبِه. كأنك تقرأ لكاتب عاديّ مبتدئ يحكي تجربته لا لأسطورة في الكتابة.

 

ما رأيك؟ إحساسي بالضآلة أمام هذا الرجل طبيعيّ كما أظنّ. تخيل أن يكتب أحدهم بهذا الإخلاص والانهماك، حرفيّاً أفنى عُمره في الكتابة، ولم يكتفِ بالمنشورات وبكونه باحثاً وأستاذ جامعة! بل كتب عشرات الآلاف من الرسائل!!

هذه الأخيرة تعني ببساطة أنه كان رغم كلّ ذلك يجدُ وقتاً لكتابة (رسائل). بمعنى حروف سريّة مخطوطة على أوراقٍ لا يراها إلا المُرسَل إليه، جزء من قلب وأفكار المُرْسِل، مكتوب باهتمام وانهماك، وبرغبة مشتعلة لازمة لارتكاب فعلٍ صغير ممتع كذلك. تدور هذه الأفكار في بالي بينما أتكاسل عن تدوين رأس موضوع لوقتٍ لاحق، أو أتكاسل لأسبوعين أو أكثر في كتابة رسالة شخصيّة واحدة.

 

سنعود إلى السؤال: هل يجب أن نكتب كثيراً؟ والإجابة الواضحة العتيدة: نعم. هل يلزم أن نرى النتيجة الآن؟ لا. لم يرَ (أزيموف) أي نتائج واضحة في السنوات الأولى بل ولم يكن يقبض دولاراً مما يكتب تقريباً، فقط الشغف، القدرة على تحويل ما يتعلّم ويحبّ إلى كلمات، قصص مشوقة، كلمات يستمتع هو بكتابتها قبل أن يستمتع غيره بقراءتها.

 

هل أملكُ القدرة على كتابة الرسائل على الأقل؟ اللهم نعم، هو الكسل فقط. هل أملكُ الأفكار لكتابة مادةٍ غير شخصيّة أو حميمة؟ ليس الكثير، حقاً، أكثر ما أكتب في ذلك تجاربُ شخصيّة تتحوّل لقصص، ابتداع القصص صعب فعلاً ما لم تعش الكثير منها وتشكّل منمنماتً عديدة لتجاربك. لكن الأمر يستحقّ التجربة، والوصول إليهِ طريقُ محاربين، بوضوح.

 

الكتابةُ الشخصيّة الحميمة ممتعِةَ، لكنها قليلاً ما تُقَدِّمُ الخلودَ لأحدهم.

 

وستكون للحديث بقيّة.

 

محمد..

قراءةٌ في (نظريّة اللّعبة): عن النظريّة.. والقلم.. والثورة!

قطعاً سيبدو لك (نظرية اللّعبة) مبدئياً كتاباً فكريّاً، سياسياً أو اقتصادياً، وأبعد احتمال سيتبادر لذهنك -ربما كما حدث معي- أنه مجموعة قصصية، وأنه (كثيرٌ من الأشياء التي لم أتوقّعها بالمرّة). هو مجموعةٌ قصصيّة للقاصّ الفلسطينيّ (خالد عودة الله)، وهو كما ستحد في بحثك على الشّبكة في الأساس باحث في العلوم الاجتماعيّة! وأن كتابه 64 صفحة فقط، حتى أنني أعدتُ التأكّد من عدد الصفحات ظناً أن هناك مشكلة في نسختي! وأن هذه المجموعة هي أوّل أعماله الأدبية المنشورة! وكلّ هذا كان عنصر مفاجأة مهمّ، فهي -على كلّ ما سَبَق- مجموعة ذات جودةٍ عاليةٍ بالفعل، أدبيّاً، أسلوبيّاً وموضوعيّاً وتستحقّ أن نفرد لها حيّزاً كبيراً من الاهتمام..

19540209

الطبعة التي بين يديّ هي طبعة متميّزة للكتاب في العام 2014 من (دار مدارات للأبحاث والنّشر) المصريّة وصلتني منهم بالبريد بناءً على طلبي، ذات غلاف بسيط لكن أنيق وجذّاب وبخامات عالية الجودة يشدّك للقراءة وهو ما حدث معي بالضبط، تقع في 64 صفحة متوسطة الحجم. دار النّشر بالمناسبة تعنى أساساً بنشر الموادّ البحثيّة والدراسات في مجالات عديدة، ورغم حداثتها فمطبوعاتها دائماً ذات جودةٍ عاليةٍ شكلاً وموضوعاً وبشهادة كثيرٍ ممن أعرف من قرائها، وكونها هي من ينشر هذه المجموعة القصصيّة، ولباحث فلسطينيّ، يعطيك فكرةً صلبة عمّا يجبُ أن تتوقّع في ومن هذه المجموعة، قصصاً وأساليب وأفكار.. أبحث بعضها معكم هنا بقليل من التفصيل (تحذير من حرق بعض القصص هنا لمن لم يقرأ.)

*****

كمقدّمة: – (والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا وإنّ اللهَ لمع المحسنين) (العنكبوت آية 69)

– (لَكَأنّني الأضداد في رَجُلٍ تُقاتِلهُ وحوشُ يديه..)  –شوقي بزيع

آية قرآنية كريمة تؤكّد لك صحّة الظنّ الأوليّ، ثم عبارة عامضةٌ كمدخلٍ للقصص، والتي تبدأ بـ..:

(عندما بدأ الشّيخُ زكريّا يضلّ طريقه إلى المسجد): قصة عديدة العناصر، فهي تبدأك بحادثةٍ غامضة تشعرك أنّك في مدخل قصّة بوليسيّة كلاسيكية تعتمد على الغموض والإثارة حتّى لحظة التنوير، ثم تسحبك القصة في هدوء إلى مغزاها الحقيقيّ: رمزيّة واضحة صارخة ممزوجة بلمسة محببّة من الفانتازيا، تتضح مع آخر سطور. الأسلوب هنا يبدو أكاديميّاً بحتاً إن صحّ لي التعبير، والقصّة بشكلٍ ما ذات نهايةٍ تقليديّة ولكنها مناسبة كبدايةٍ لما بعدها.

(خمسة سنتيمرات مربّعة من التيتانيوم): تناول للقضيّة الفلسطينيّة بعيون إسرائيليّة بحتة. وجهٌ جديد لم يره أغلبنا وبالتأكيد رآه المؤلّف بطريقةٍ أو بأخرى، وربما رأى من حقّ القارئ رؤيته، بذات عين الباحث.

(نظريّة اللعبة): أستطيع بسهولة أن أعدّها واسطة العقد، والأفضل في المجموعة، وأكثر قصصها تقديماً لمزيج (القصة/النظريّة) الذي يبدو أن المؤلف يبرع فيه، حيث تجد أساليب بلاغيّة وتشبيهات رائعة لكاتب عميق الثقافة والقراءات مثل (واظبتُ على اختراع (ما بينيّات) تقيني زمهريرَ الهباء). الصفحات الأولى من القصّة الطويلة نسبيّاً تصوّر للقارئ ببراعة واضحة ودقّة متناهية: صراع الإنسان المعاصر المفكّر ذي العقل الناقد في سبيل الخلاص من قيود مكانه وزمانه الخانقين وصراعات الحياةِ اليوميّة ومن كونه ترساً في الماكينة العملاقة، فيبدو عنصر الصراع في كرّه وفرّه مرات متتالية (كما في إلقاءه اللّومَ على نفسه حين لا يمكنه إلقاؤه على العالَم في إعلان ضمنّي بالهزيمة في جولة الصّراع).. تتقدّم القصّة فتشعر أن القصّة مكتوبة على أساس عنوانها، لا العكس! فكلّ أحداثها المنطلقة في الفانتازيا هي تجسيد لرؤية المؤلف لـ(نظرية اللعبة) أو شكل الصراع بين الإنسانِ والنظام وثورة الأول على الأخير. هي قصّة متميّزة بالفعل وتحتاج أكثر من قراءة لها، وبحثٍ شامل في بعض عناصرها كذلك.

سوبر جلو Super Glue : يعرف ويفهم المثقّفون جيّداً ثنائية (النظريّة والممارسة) والعلاقة الصّعبة بينهما، والمؤلف كمثقّف يحترم نفسه يقدّم رؤيته القصصيّة لتلك الثنائيّة ويسقطها على شخصيّة مثقف ثوريّ تقليديّ جداً قرر نقل نظريّاته إلى الواقع.. بطريقته الخاصة!

رائحة الدّيتول: صورة مطوّلة بالقلم لعبارةٍ واحدة: إما أن تكونَ خصماً لخصمك، وإما أن تكون خادماً له. تجسيم هذه الثنائيّة ها هنا صادمٍ قليلاً، لكنه ضروري جداً لإيضاح حتميّة هذا الصّدام وخطورة أن تبدأه رماديّاً، لتجد نفسك صرتَ بائع مبادئ وكلمات، ودين ربّما.. مجرّد خادمٍ آخر.. وأيّ خادم!

الشهداء لن يعودوا هذا الأسبوع: خيرٌ ختام للكتاب، موجعة وحزينة بِخُفُوت.. كأنما هي إهداء صامتٌ صادق للشهداء، الشهداء الذين لن يعودوا لأنّهم لا يُطيقونَ حياةَ العاطلينَ عن العَمَل.

 

رأيتُ في هذا الكتاب القيّم صغير الحجم، الكثير مما يُقال ويُقرا ويُبْحَثُ فيه بالفعل. الكاتب بوضوح: باحث، ثمّ قاصّ واسع القراءة. الكاتب مخلصٌ جداً لقضيّته قضيّة فلسطين، يقدّم لك مناحي عدّة للقضيّة، يترك لك أطرافَ خيوط، يعطيك إشارات تنبيه هنا وهناك، يقدّم لك (في سابقة نادرة) فائدة حقيقيّة لما يكتب من عملٍ أدبي يفترض به الإمتاع فقط عادةً، يجبرك على البحث وربما الإنتاج، يوقد ذهنك معه بكلّ موضوع مقدّم وكلّ عبارة ونظريّة مشروحة، ويشرح لك (نظريّة الثورة) في هدوء، ويبهرك بقوّة الكلمات كشكلٍ أدبيّ، وكنظريّات قد تكون مُغَيِّرة جداً إن وصلت لأرض الواقع وعُمِلَت في مكانها الصّحيح، وبذكاء.

(نظريّة اللعبة) هي حتّى الآن أفضل تجسيد حيّ رأيته لمزيج (القصّة/النظريّة/الفائدة) . بحثتُ عن أعمالٍ أخرى جيّدة للكاتب ولم أجد بعد، وأنا في الانتظار بشوق شديد :)

 

محمد الوكيل