قراءة على الطّاير؟

f75c359ba227e961484e69ffeb8acadf

(أحدّثك هنا من واقع تجربتي الشخصيّة، فإن أحببتَ فأسقطها على حالتك أنت وحاول أن تجد فيها ما ينفعك :) )

أقرأُ منذ أن بدأتُ بتعلّم القراءة صغيراً، كُلّ شيء كان يقع تحت يدي وإن كان ورقة أو نصف كتاب مقطوع، وبالطبع روايات وكُتُب ومجلّات الأطفال حتى سنّ متأخر نوعاً توقّفتُ فيه عن القراءة الأدبية فترة قبل أن أعود لها بعد الثانويّة وبتوسّع بعد تعرّفي على مجموعة رائعة من القُرّاء والكُتّاب.

إلى هنا فجميل، وهكذا استمرّ الحال حتى بعد دخولي مجتمع الشبكات الاجتماعيّة، وإلى ما بعد الثّورة، حيث بدأ كُتّاب ومُفتو الفيس بوك يتقاطرون تباعاً، وبدأ ما قد أسمّيه بعصر (القراءة على الطاير)! أصحو صباحاً على صفحتي الرئيسية لأجد العشرات من المنشورات القصيرة والطويلة (غالباً، لطبيعة من أتابع)، تحتاجُ كلّها للقراءة لأوقظ ذهني للصّباح. بالطبع، تكاثر المنشورات وانضغاط الوقت والضغط العصبيّ الناتج عن هذا كلّه = قراءة سريعة جداً لكل ما أمامي حتى قد أهمل عامداً فقرات كاملة أو ألتقط منها كلمات سريعة لأصل لمقصود الكاتب منها فقط.. وهو ما يحيد عن الهدف كثيراً ولا أفهم تماماً مقصوده، وأتسرّع بالتالي في التعليق واتّخاذ المواقف (المتطرّفة بطبيعة الحال).

 

هذا الموقف –للأسف – بدأ يؤثّر على قراءتي الشخصية للكتب. صار هذا –بحكم العادة- ما أفعله تماماً في قراءتي للكتب، ما يفترض بها أن تكون متأنّية جداً مع الكثير من الملحوظات والهوامش لزوم المزيد من الاستفادة. وهذا كلّه بدأ يقلّ بشكل مريع. وبالتأكيد تفهم أن ما صرتُ أخرجُ به من الكُتُب –خاصة الشهور القليلة الأخيرة- قلّ بعُنف يدعو للقلق. وأحسبُ أن هذا نفسُ الحال مع الكثير ممن هم في وضعي: نفس الضغوط النفسيّة والذهنيّة تقريباً ونفس الزّمن ونفس الاضطرار للجري وراء الزمن، ما يُفقدنا متعة أشياء كثيرة.

 

أضعُ هنا حلّاً بدأتُ أطبّقه على نفسي ولم أكن قد فعلتُ منذ زمن بعيد: كان آخر كتاب أقرأه هو (وقت مستقطع) الذي عرضتُه بتفصيل غزير سابقاً، الكتاب 135 صفحة تقريباً أي أنّه يستغرق من قارئ شابّ نصف يوم أو يومٍ كامل ربمّا (قراءة متوسّطة السرعة بدون أخذ أيّ ملحوظات). جلستُ للكتاب فتأنيتُ كثيراً وأنا أقرأ، وألزمت نفسي (والإلزام مهمّ وليس رفاهية) بكتابة كلّ ملحوظة أجدها وكلّ اقتباس لافت للنظر بل ورؤوس المواضيع، حتى أماكن الأخطاء الإملائية! ومع شعوري المبدئيّ بثقل الأمر إلا أنني فوجئت بأنّه ممتع فعلاً، ووجدتُ نفسي أنتفع بكلّ صفحة في الكتاب بدون مبالغة. وهو ما لم أجدهُ في قراءة منشورات الفيس بوك مثلاً، ففيها أنت تقرأ بعينيك سريعاً ودون كثير اهتمام أحياناً ثم تعيد نشره أو حتى تحتفظ به كمرجع لاحق، وهو ما لا يحدث عادةً وما لا يفيدك على المدى الطّويل طبعاً.

 

العمليّة تبدو مملّة وبطيئة جداً لمن لم يجرّبها من قبل ومن لم يفعلها منذ فترة طويلة (مثلي)، وهي بالفعل تستغرقُ وقتاً أطول قليلاً لكنّها تستحقُّ تماماً. جودة القراءة أهمّ، وخلاصتها أنفع كثيراً من إحصاء عددِ الكُتُبِ الموجودة، وربما التمكّن من هذه القدرة يسهّل لاحقاً قدرة القارئ على التوسّع في البحث وبدء الدراسات العُليا فيما يُحبّ، ويمكّنه من إضافة المزيد لبحثه.

هذه قراءة حقيقيّة!

(أكرر: كلّ هذا تطبيق على وضعي الشخصيّ، قدّمته هنا للفائدة ولمن يجد في نفسه تشابهاً هنا أو هناك، وأكيدٌ عندي أن كثيراً من أصدقائي وزملاء القراءة يسبقونني بسنوات ضوئيّة :) )

 

محمّد..

Advertisements

مجموعة مِن (جوامع الكَلِم) لمن أراد :)

سلام عليكم/مساء الخير :)

كعودة محدودة للتدوين عن القراءات الحديثة وأهم ما خرجتُ به منها، أقدّم لك مقتطفات من أحدث ما قرأت: (جوامع الكَلِم) ، لمؤلّفه الدكتور جوستاف لو بون، الكاتب الفرنسيّ الموسوعيّ وعالِم النفس وصاحب المؤلفات والمصنّفات العديدة شديدة الأهمية، منها (حضارة العرب) و (سيكولوجيّة الجماهير).

الكتاب ببساطة هو خلاصة أفكار وأبحاث وفلسفة المؤلّف المتناثرة في أعماله الضخمة الأخرى، في صورة جملة قصيرة جداً ممتعة، تشبه تغريدات (تويتر)، وهو بترجمة (أحمد فتحي زغلول) الذي وضع الترجمة في عشرينات القرن الماضي، مما يعني أن اللغة الكلاسيكية للترجمة قد تصدمك نوعاً في البداية إن لم تكن معتاداً. وهنا، أورد لك مجموعة مختارة من العبارات الواردة في النصف الأوّل من الكتاب، التي رأيتها ذات أهمّية وتلخّص لأقصى درجة أهم أفكار لو بون المركزيّة التي تدور حولها فلسفته، قد تكون دليلاً نافعاً لك في القراءة له فيما بعد :)

 

نبذة عن المؤلّف

رابط لتحميل الكتاب مجّاناً من موقع مؤسسة هِنداوي، بالإضافة لنبذة أكثر تفصيلاً عن المؤلف

استعراضي المختصر للكتاب


مقتطفات من (جوامع الكَلِم)

 

الخُلُق والذّات

– المرء مُسيَّر بخُلقه لا بذكائه.

– روح الفرد مؤلفة من أرواح مجتمعة: روح الشعب، وروح العائلة، وروح الفريق الذي هو فيه عادة، وقلما أفلت من هذا الجمع المطبق عليه.

– من المتعذر الحكم على مشاعر الإنسان بما قد يأتيه في أمر معين، فالمرء في حال ليس هو هو في جميع الأحوال.

– إنما يُعرف المرء عند عظائم الأمور، ولاسيما حين الفتنة (الثورة) فهناك تظهر مكنونات خُلقه.

– قلما تكون الأسباب التي ينتحلها (يتخذها) المرء لأعماله هي الداعية إليها حقيقة، وإنما هي تصلح لتعليل نزعاته الداعية إلى العمل الصادرة عن المشاعر أو التدين.

– مَن ظن لغيره من المشاعر ما عرفه لذاته، فقد سد على نفسه باب معرفة الناس.

– ليس الذي تكبر الجماعات شأنه متصفًا حتمًا بما يعزى إليه من الأخلاق، ولكنه كثيرًا ما يكسبها في النهاية.

 

الشعور والمعقول

– المشاعر أسُُّ الحياة، فإذا ما حلَّ التعقل محل الإخلاص والبر والحب والخيالات، وهي التي تُسير المرء في الحياة، فقد انتفى كل داع إلى الحركة.

– قد يؤدي التظاهر بمشاعر كاذبة إلى اكتسابها.

 

اللذة والألم

– ما اهتدت الشرائع الدينية، ولا القوانين الاجتماعية، إلى أسٍُّ تدعم به تعاليمها، إلا رجاء اللذة وخوف الألم: فعقاب أو ثواب، وجنة أو جحيم.

– اللذة عارضة، والرغبة أبقى؛ لذلك يُقاد الناس برغباتهم، أكثر مما يقادون باللذات.

– أكبر قواد الرجال خلاقون للرغبات. وما المصلحون إلا قوم يُحلون رغبة محل رغبة.

 

الروح النسائية

– الحب يرفع أو يخفض، ولا يدع المرء كما كان.

– لا تزال أفعال المرأة صادرة عن الإلهام، لذلك تفضل الحب وإن كان خاملًا، على المجد وإن علا.

– بشِّر الحب إذا أبصر بالزوال.

– من يحاول استبقاء حب ينصرم، كمن يحاول استبطاء تعاقب الأيام.

 

الآراء

– معظم الناس ضعيف عن الرأي الذاتي، ولكنه يتناول ما يختمر من الرأي في عشيرته.

– السبب في أن الآراء السقيمة أعلق بالنفوس، كونها قائمة على شعور أو دين، مما لا سلطان للعقل عليه.

– قد يتغير الرأي هنيهة من مطالعة كتاب، ولا تلبث الآراء اللاتنبُّهية (اللاواعية) أن تعود إلى سلطانها.

– لا تخلق الجماعة الرأي، ولكنها تُكسبه قوة؛ لأن رأي الجماعة شديد العدوى.

– قوة الرأي إذا عم لا تُصد: من أوجده ملكه، ومن لم يقدر على إيجاده وجب عليه أن يذعن إليه.

 

الألفاظ والصيغ

-إذا شاع اللفظ تشعبت معانيه بحسب معقول مستعمليه.

 

الإلقاء في النّفس، والتكرار، والعدوى

– الإقناع هو حمل المخاطب على العمل، لا إلزامه الحجة.

– إذا كثر تكرار النظريات الباطلة، نزلت إلى عالم اللاتنبهي (اللاوعي) وأمست بواعث للأفعال.

– ينحصر فن كبار قائدي الأفكار في كونهم يخلقون فيمن يقودون أرواحاً جديدة.

 

النفوذ

– قد يغني النفوذ عن القوة، ولا تغني القوة عن النفوذ.

 

السيف

– قد يُخْضِع السيف أمماً شتى لسلطان واحد، ولكنها تحتاج في تكوين روح مِلّي عام إلى التناسل ووحدة أحوال الحياة عدة قرون.

– لا دوام لروح الآباء والأجداد إن لم تكن متصلبة، وإذا لم يكن فيها بعض المرونة تعذر انطباعها على مقتضيات تغير البيئة الناشئ من تطور الحضارة، وكان نصيبها عدم الرقيّ.

– خلق أفكار تؤثر في الناس، معناه نقل المرء جزءاً من نفسه إلى من يَخْلُفُه.

 

روح الجماعات

– الجماعة كائن ساذج، لا تريدُ إلا بقوادها، ولا تعمل إلا بهم، فكأنما روحها متعقلة في روحهم.

– التأثير في الجماعة أسهل من التأثير في الفرد.

– علة غلو الجماعة في تعصبها ونزقها، اعتقادها بقوتها وعدم التبعة عليها.

– الجماعة أكثر قابلية للشجاعة منها للفضائل.

– قلما نحفظ الجماعة من الحوادث، غير جهتها التي أثارت الإعجاب، لذلك كانت الأقاصيص عندها أبقى من التاريخ.

– تتأثر الجماعات دائمًا بالقوة، وقلما يستميلها المعروف.

– قلما تدرك الجماعات حقيقة ما يأتي على يدها من الحوادث.

– تحل قوة العدد شيئًا فشيئًا محل العقل. غير أن العدد، وإن قهر العقل، فإنه لا يقوم مقامه.

 

القوانين

– يجب أن تكون القوانين مقررة لحاجات الأمة لا لشهواتها، فإن بُنِيَت على الشهوات لا تدوم.

– القوانين تقرر العادات، وقلما تحدثها.

– من السهل تغيير القانون على القرطاس، إلا أن ذلك لا يغير من روح الأمة شيئًا.

 

الأخلاق

– لا ثقة بالأخلاق إلا إذا صارت غير تنبهية، بفعل الوراثة والتربية والقوانين.

– قد تقطع الأمة قرونًا حتى تكتسب أخلاقًا، وقد تضيع ما كسبته في بضع سنين.

– أخلاق كل أمة مقياس كفاءتها.

– إذا أغضيت عن الضرر، فقد ساعدت على انتشاره.

– تزداد الجرائم في الأمة، بتقدم مذهب حب الإنسانية فيها لأنه يقلل من دواعي الزجر، فيضعف بذلك ما في العقوبات من الردع.

– إذا تداعت أخلاق الأمة، عاجلها الفناء.