عالياً تطيرُ في الفضاء، وحياة حائرةٌ تبدأ.. (تقرير)

بسم الله..

أقتنص من الزمان لحظات، أسجّل فيها تقريراً لما حدث، ويحدث، وسوف يحدث. لم يحدث منذ شهور أن كتبتُ حرفاً واحداً يزيدُ عن منشورات الفيس بوك، وبضعة مذكّرات من الحين للحين، مذكّرات أكتبها كَنَفَسٍ سريع يلتقطه محتضر.

هذا أنا.. :)

ماذا حدث؟ تخرّجت. بعد 9 سنوات كانت فترة حبسٍ حقيقيّة. صرتُ الآن –يزعمون- طبيباً. لم تتغيّر كلّ أوراقي بعد، لكنني طبيب. أقسمتُ القسم صادقاً احتياطاً ليوم أن أعمل فعلاً، أنجزتُ أطناناً من الأوراق لم أنجزها في كل حياتي تقريباً، تسلّمتُ بعض الأوراق، على وشك استلام عملٍ ما في هيئة حكوميّة صحيّة ما، في طنطا، في سابقة لم أتوقعها طوال سنوات الكليّة: طالما كنتُ أتوقع ببساطة أن تكليفي سيرسلني إلى جنوب السودان كما كنتُ أردد شبه مازح. وهو ما لم يحدث بفضل الله. هذا غير مهمٍ فعلاً وأذكره من باب لفت نظر القارئ المعتاد.. أما ما يلفت نظري أنا؟

******

ما أزالُ أعملُ مترجماً.. يتحسن مستواي وبالتالي يتزايد العمل بإفراط أحياناً، لكن لا أمانع أبداً. يوم أقضيه في الترجمة أفضل عندي من 6 ساعات أقضيها في عيادة أو وحدةٍ صحيّة. يلومني الكثيرون وقد لا يعتدّون بالأمر بالمرة، وإن حدث فيقولون: ستكون هواية إلى جوار الطبّ. والحقّ يقال هي ليست بهواية، وإنما الطب هو الهواية هنا.

ما داعي ظنهم هذا؟ هي بلاد تقتل الأحلام بسهولة، تضعها تحت حذاءٍ عسكريّ ثقيل أو حقيبة ملأى بالنقود، فلا عجب أن يرى بعضهم اتّباع حلمك ضرباً من السخف وضياع الوقت، وفي أفضل أحوالهم محاولة بائسة منك لأن تبقى حياً، ومختلفاً.. ربما يغبطونك/يحسدونك عليها، وربما يهزأون أو لا يعتدّون.. والحقّ أنني توقفتُ منذ زمن عن اعتبار نفسي جزءاً من هذه البلاد. يريدون الأوراق؟ فليشبعوا بها، لا أعدّ نفسي جزءاً من هذا المكان، وليروا ما يرون وليشاءوا ما يشاؤون.

******

ماذا تظنّ؟ لا أقرأ كثيراً. 10 كتب في 4 شهور ليس بالعدد الكثير أبداً.. لا أكتب وهذا هو أطول نص أكتبه منذ شهور.. لماذا؟ الأسباب واضحة وشرحناها أعلاه. أنتزعُ نصيبي من القراءة بكثيرٍ من العسر في دقائق معدودة من اليوم، أو من نصوص الترجمة أو من الأوراق الحكوميّة، ونصيبي من الكتابة من الترجمة أيضاً. الترجمة شغفي وعشقي قبل أن تكون عملاً للكسب، لكنها –للأسف- وزنٌ ميّت في ميزان الكتابة.. ما أكتبه ليس كلماتي، وهو –لذلك- كفيلٌ بخنقِ كلماتي أنا إلى أمدٍ معدود.

لا كثير من الموسيقى.. لا لشيء سوى حالةٍ من السأم.

أحاولُ أن لا أسجن نفسي في المنزل أو في دائرتي كثيراً، محاولاتٍ فاشلة في الغالب. أفكر جدياً في البدء باعتبار نفسي ذئباً متوحداً إلى الأبد، لكن شيئاً ما داخلي يرفض. للأسف ما زلتُ لا أستطيع.

أمارس رفع الأثقال وأنحت لنفسي جسداً أقوى وأفضل بكثير.. نعم، أنا أصيرُ أقوى. لن أنكر أبداً خطأي في الاكتفاء بمحاولة تربية العقل والروح.. أحياناً يصل الأمر لنقطة التنافر التامّ: يظلُ جزءٌ من نموّك موقوفاً ومن نظرتك للحياة مغمّى ما لم تسمح لنفسك بتنّفس أفضل وحركة أسرع وغذاءٍ أنقى. شغف آخر لا أسمح لأي شيء بمنعه.

******

ظني أن هذا التقرير لن يكون الأخير ولن يكون بعده توقّف آخر. أشعرني عدتُ للحياة وللتنفس. فلك الحمدُ يا خالق الكون السرمديّ.

محمد..

4 أبريل 2016

تداعٍ حُرّ.

0cd37ab7bf5d0c29bb79c504ee6608ec

“في سعينا ع المعايش، ما يهمّنا غموس وفايش، ولا اللي جال لأ طايش، ولا اللي خاف شَيّ عايش، ولا اللي يرضى بدناياه..”.

سيد حجاب.

*****

تبدو الموسيقى الخالصة الخام من دون كلمات أو سياق معيّن، فكرة رائعة. تخيّل أن تكون رسّاماً وتُقَدَّم إليك إمدادات لا نهائيّة من قماش الرسم والألوان والفُرَش، وأن تحكم العالم كاملاً لأسبوع لتكون عندك من مادة وموضوع الرسم ما يكفيك، ماذا كنت لتفعل؟

كذلك تفعل الموسيقى الخام. أستمع إلى مقطوعة لبيتهوفن، الجزء الأول من الحركة الرابعة من السيمفونيّة التاسعة من ترشيح أحمد العيص. ليست موسيقى خام تماماً فهي مختلطة ببعض الأصوات الأوبراليّة الضخمة التي لا أفقه فيها حرفاً طبعاً، غير أنها تبدو –فقط- مسليّة، تزيد مساحة الخيال. اعتدتُ فترة لا بأس بها من عمري على الوجبات الموسيقيّة الجاهِزة، أغنية من أربع أو خمس دقائق ولحن معروف وكلمات محفوظة متكررة، وكنت أقنع بهذا وأجد فيه من الخامة الكافية الكثير. لكن كلّ شيء يتغيّر والعيون ترى أكثر والعقول تتوسّع، والحاجة لخامة أكثر ولعالم أوسع تتزايد. الخامة موجودة وما تزال يد عقلي تعابثها، لكن لا موضوعات كثيرة بعد. الأمر صار كأن نفسي حَطَبٌ ألتهمه بنيران من الكتابة، عود خشب في المرّة. سيفني الخشب يوماً وسيحتاج للتجديد قبل أن ينطفئ اللهب.

 

أتابع هذه الأيام حلقة دراسيّة على الإنترنت عن “تعلّم التعلّم”، وهو موضوع على بساطة عنوانه، عميق ومعقّد نوعاً ومسلٍ في الوقت ذاته. أول ما تعلّمت فيه هو أن المخّ حرفيّاً فيه القابليّة للتطوّر والاتساع والتغيّر، وأنه يفعل ذلك بالمزيد من الخبرات الجديدة وبالكثير جداً من التدرّب. أمر التدرّب سهل لكن الخبرات الجديدة؟ لستُ واثقاً. أنا مؤخّراً إنطوائيّ بعض الشيء إن لم أكن أتحوّل في صمت إلى مدمن إنترنت آخر، لا أواجه الكثير من البشر لما واجهتهُ كثيراً من الكثير منهم مؤخّراً. وقطعاً لا أسافر في أيّ مكان على الإطلاق. أنا انطوائيّ من نوعية on/off، اليوم أريد وغداً لا أريد، أرغب في السفر ولا أرغب في الحركة في الوقت ذاته. مزيج عجيب يُقْعِدُني رغماً عنّي.

 

*****

ليس لدينا مشكلةً حقيقيّة في الحفظ، فلماذا ننسى دائماً؟

لا أظنّ أن الأمر ضعفٌ في الذّاكرة فالذواكر متناثرة في كلّ شبر، فقط نحن لا نربط الذاكرة القديمة بالذاكرة العاملة، شديدو الخيبة في اسقاط ما مضى على ما يطرأ. ليس الأمرُ حتميّة تاريخيّة من نوعٍ ما، إنما هو –فقط- غباء البشر ذاته: رغباتهم وإطاعتهم لرغباتهم وظنّهم المتوارث أن فرصتهم ستكون أفضل ممن سبقوهم.

إذاً ليست آفةُ حارتنا النّسيان. آفة حارتنا: التجاهل.

 

محمد..

أمنياتُ مؤجّلة.. للأبد.

db36c20c64eb8f09277611b377928fe2

عادةً، تكون التمشياتُ الطويلة، مساءً بالخصوص، مزرعة خصبة لإيقاظ الأمنيات والحسرات المؤجّلة من أثر غاز النّوم الذي ترسله مشاغل وزوائل الحياة.. لا يلزمُ أبداً أن أكون على فراشِ الموت لأتفوّه بترّهات عن أمنياتي المؤجلة للأبد، فها أنا.

مثلاً، أتمشّى في شارعنا الطويل في هدوء بالغ مستمعاً إلى موسيقاي مغنّياً معها بصوتٍ عالٍ بلا مبالاة، فتلجمني للصمت ذكرى ما.. تمنيتُ لو أنني قد أسرعتُ بخِطْبةِ تلك الفتاة الرقيقة جداً، قبل أن تُخْطَب لفتى بينهما مودّة عميقة.. لو كنتُ استمعتُ إلى النصائح ولم أمتنع (لأنني لستُ بهذه البراعة بعد)، ألم أكن لأصدر كتابي الأوّل قبل أربع سنوات أو خمس، وربما لكان انتشر وباع؟ ماذا عن تلك الرّحلة إلى مكان ناءٍ جداً والتي ألغيتها لداعٍ تافه اسمه (شغل الامتياز)؟ ألم أتمنَّ كثيراً الانطلاق والابتعاد؟ ما منعني الآن؟ هو الحُمق وضيق النظر ليس إلا.. ماذا عن ذلك الكتاب؟ تلك السمّاعات القيّمة جداً؟ أن أتعلّم بعض “البلاي ستيشن”، أو أن أتعلّم المشي على كورنيش مسطحٍ مائي ما وإلى جواري فتاةٌ أحبّها؟ ما منعني أن أفعل هذا كلّه؟

 

تعتنقُني موسيقاي وأعتنقها، كعاملٍ حفّاز لا وزن له، فأتذكّر أن الخيار –قبل ثماني سنوات- كان في يدي في أن أغادر الكليّة وأبدأ مشواراً جديداً في مكانٍ ما.. أبي؟ وما المشكلة؟ كان هذا مستقبلي أنا لا مستقبله، وهو قد مات بعدها بعامٍ ونصف بأيّ حال. بالتأكيد لن يهنأ في عُلاه بمرآي أعلّق المحاليل لمريض متشكك لأخرس أهله. لو كنتُ تكلّمتُ وقتها بما لديّ، ألم أكن لأبقيهم إلى جواري؟ لو كنتُ فهمتُ ماذا عنى ذلك الرجل بكلامه وقتها، ألم أكن لأوفّر على نفسي ستة أشهر من الانتظار وعاماً ونصف من الانكسار؟ ألم أكن أحمق حقّاً؟ لم يكن ضرورياً بالمرّة أن أتشاجر مع الرّفاق وقتها، أو أن أكون سخيفاً متعنتاً جداً في ذلك الموقف.. لم يكن يجبُ أن أغضبَ منها، لربما كان عليّ أن أتفهم، حتى أنا نفسي تصيبني مثل تلك الأطوار.

هل كان صعباً حقّاً أن أجد لي أسلوب حياةٍ خاصّاً أعيش به بدون ذلك الإحساس الحقير المتواصل بالذّنب؟ أليس اللهُ غفّاراً وأليس يعلم ما في قلوبنا؟ ما هذه القوانين كلّها؟ لماذا ألقي اللائمة على القوانين الآن؟ قبل بضع سنوات، ألم أكن أراقب نفسي أبداً؟ ألم أرّى أي دراماتيكيّ أنا؟ ألم أرى مدى سخفي، سذاجتي وضيق معرفتي واجتماعيّتي، حتى أخفّف ألم فراقهم لي وبُعْدَهُم؟

ألم يكن أولى بي أن أنفق آلاف الجنيهات في سنواتٍ ماضية على ابتياع أطنان الكتب التي أستنزف نفسي فيها الآن؟ لربّما نقلتني إلى نقطةٍ أخرى أبعد؟ لِمَ لَمْ أنتقل إلى القاهرة حيث مئات الآلاف من الفرص، ولم أدع نفسي للحياة تتخبّطني لبعض الوقت لربّما أنضج؟ أين ذهبت أحلامي في أن أحقق في حياتي شيئاً ضخماً قبل العشرين أو الخامسة والعشرين، والآن أخطو زاحفاً في حسرة إلى باب السادسة والعشرين، ولا شيء؟

كيف كتبتُ هذا كلّه في سبع أو ثماني سنوات، وما أزال لم أقفز من مكاني كثيراً؟ ما الذي كنتُ أكتبه بحقّ السموات؟ ماذا كنتُ أفعل؟

ما كلّ هذه الأسئلة؟ لِمَ الآن؟ حمق، المزيدُ من الحمق، حمق متولّد عن حمق عن فراغ.. أكتب في سخفٍ وبلا مشاعر عن أمنياتي المؤجّلة للأبد، بلا فائدة حقيقيّة.. ربما لأعتنق ذلك الاكتئاب المحيط المتسلل ببطء، ربما لأحرّك مِرْجَلَ المشاعِر.. صار الهوس الآن هو أن أنْتِج، وإن اقتطعتُ من لحمي لأقّدم. هل يستحقّ هذا العبث كلّ هذا أصلاً؟

 

محمد..

كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (4): فلنسكتشف المزاج!

“ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الفاشلة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية). الحقيقة أنني كتبتها (بكرة) فعلاً وأنني لم أسجل حتى رأس موضوع. بمعنى أنني لو كنت متّ هذا الصباح لما كان أحد ليعرف ماذا كنتُ لأكتب الليلة. أجرّب الآن –كما قال أحمد فوزي وقالت لبنى- أن أكتب في غموض، وأدع الكلمات تأتي وحدها. طريق المحاربين.”

freelance_writer_writing

متى، وأين، وكيف، وبِمَ، أكتب؟ باختصار: ما هي طقوسي في الكتابة؟

لا إجابة أو إطار ثابت لديّ للأمر. أخبرت الأخّ يونس بن عمارة في حواره معي بخطوط عريضة للأمر: المزاج المناسب – الموسيقى – أداة الكتابة – المكان – إضافات أخرى، وبتفصيلٍ بسيط جداً في كلٍ. أحاول هنا اسكتشاف الأمر أكثر، وإجابة كلّ سؤال:

المزاج المناسب؟ كتبتُ في كلّ حالةٍ مزاجيّة تقريباً، في الفرح والغضب والحزن والاكتئاب والفقد والنجاح والفشل والوفاة، أفضل ما كتبتُ كان في الحزن والفقد والفشل، يليه الفرح والغضب والمزاج المعتدل، لا أكتب أثناء الاكتئاب تقريباً إلا نصوصاً قصيرة كئيبة يتجاهلها عقلي رغماً عنّي الآن. أرى نفسي أكتب أفضل في المزاج المعتدل، هذا يترتّب بشكل كبير على التالي..

الموسيقى؟ يقول بعض عظماء  الكتّاب (منهم ستيفن كينج Stephen King كما أذكر) أنه من الضروري أن تكتب بمعزلٍ عن المشتتات. ما تعريف المشتّتات؟ أغلب ما كتبتُ كتبتهُ تحت تأثير موسيقى الميتال أو الروك على الأقل، قليله مع موسيقى هادئة جداً! ستيفن كينج نفسه قال إنه لا يكتب إلا على الموسيقى الصاخبة جداً. والله كتبتُ مرة أو اثنتين على صوت (سعيد الهوا) حين كان مناسباً للحالة، بل وعلى Five Finger Death Punch وهم ليسوا إلا صرخات ركبت عليها كلمات أغانٍ!

 نخرج من هنا بتعريفٍ بسيط: المشتتات هي كلّ شيء يخرجك عن مزاج الكتابة وحالتها، ولا استثناءات هنالك وقوائم المشتتات لا تتشابه أبداً. مزيد في هذا لاحقاً.

أداة الكتابة؟ الأفضلية المطلقة للكتابة الإلكترونيّة. أكتب أفضل على اللاب توب ثم التابلت، ويستحيل تقريبا أن أكتب على الهاتف، وقليلاً ما أكتبُ على الورق. لماذا؟ اعتياد، لا أكثر. اعتدتُ لكن في أعماقي لا أحبّ الفكرة كثيراً. أي كاتبٍ أنا إن كنتُ لا أستعمل الورق في الكتابة؟ أعود فأقول: الأمر لا قاعدة ثابتة له، يهمني أن أكتب وأكتب، وأن أرضى عما أفعل. وقتيّاً على الأقل. لا فقدان للأصالة هناك ولا ضعف ولا نقص في التركيز أو الفعل، لا اختلاف بل وراحة تامة، فَلِمَ لا؟

المكان؟ لا أفضلية لمكانٍ على الآخر، كتبتُ أمام اللاب توب وفي غرفتي صباحاً ومساءاً، وفي الكليّة تحت أشعة الشمس وتحت أضواء أعمدة الإنارة، وفي (ميركاتو) مقهاي المفضّل وفي مقاهٍ بلديّة وفاخرة، بل وفي القطار وفي ميدان التحرير، في كلّ مكان اعتدتُ زيارته تقريباً. يهمّني هنا فقط القدرة على الكتابة، والمزاج الذي قد يتيحه المكان. إن كان المكان يقدّم لي تلميحاً للكتابة فلا مانع، وليس شرطاً. لستُ انتقائيّاً جداً ها هنا.

النسكافيه؟ الشاي؟ البسكويت؟ الشات؟ مواقع ومهامّ أخرى؟ اللهم نعم. شرب النسكافيه أثناء الكتابة مزاج مصطنع نوعاً، لكن كثرة الاصطناع تخلق حقيقةً ما، ولا أمانع. لا أمانع من النسكافيه في أيّ لحظة. لا أمانع من مهام أخرى، مع الاعتراف أنها تفقدني طاقتي وتركيزي أكثر الوقت، لكن صدقاً لا أمانع. ربما هذه ليست مما أعتبره مشتّتات.

 

حسناً، الخلاصةُ من هذا كلّه؟ مزاجُ الكتابة المناسب بالضبط، وإقصاء المشتّتات. الأمران نسبيّان تماماً حتى بالنسبة للشخص الواحد، يهمّنا هنا أن نكتب. هل الأمر له علاقة بالموضوع؟ أحياناً، المقالات الجادة والبحثيّة والإنتاجية تحتاج تركيزاً أعلى لا يتوافر في الشارع قطعاً، التدوينات العاديّة والخواطر كتابتها حتى في جحر ضبّ ليست مشكلة. المشكلة الحقيقيّة في الكتابة في قطار، صخب وحركة لا تنقطع ومشهد متغيّر كلّ ثانية. المشتّتات؟ ما تعريف المشتّتات؟ أيّ شيء يقصيك عن مزاج الكتابة، فقط، اترك المجال لمزاجك أنت ليحدد، وافعل ما تشاء ولا عيب أو خطأ ها هنا.

 

هل الكتابة قيد؟ هل هي التزام؟ التزام نعم، لكن ليست قيداً. ليس كلّ التزام قيداً ولا يصحّ العكس. الكتابة تحررك، تشكّلك، تضيف إليك، تحطّمك وتدمّرك وتعيد بناءك، أنت هنا النحات والإزميل بيدك وحجارة الجبل كلّها أمامك، ولا قيود. امضِ وسينحفر الطريق تحت قدميك. فقط حاول أن لا تترك الإزميل.. لا تترك السيف من يدك. طريق المحاربين يحتمل الانحراف والشطط والتجارب، لكن لا يحتمل –طويلاً- القعود، ولا يحتمل الرجوع أبداً.

ما تزال محاولة الاستكشاف ناقصة لا ترضيني، وقطعاً ما تزال للحديث بقيّة.. (تحيّة خاصّة مهداة إلى العظيم آيزاك أزيموف، ما امتدّت هذه السلسلة..)

 

محمّد..

كتابةٌ شبه موسميّة، عن الكتابة.. (2): واللهِ لا أعرف.

longhand

بعد مشاهدة أربع فيديوات تحفيزيّة –بناءً على طلب صديقٍ ماليزي عزيز-، أولهم مقدّمة، عن الصّفات الثماني الأكثر شيوعاً في الناجحين، لفت نظري أنني مفتقرٌ في الصفاتِ الثلاث اللاتي سمعت عنهنّ في الفيديوات: الشغف – العمل – التركيز..

– لستُ واثقاً تماماً من شغفي بشيء ما. أدعي طوال الوقت أنني أعشق الكتابة وأنها شغفي الحقيقيّ، أحبّ الأوراق جداً والأقلام، من ضوابط المزاج عندي شراء مفكّرات جديدة حتى وإن لم أكتب فيها حرفاً، أفضل هديّة قد أقدمها لأحدهم شيء ورقيّ، و و و …

– .. لكن لا أعمل بما يكفي لإثبات ذلك، أو أعمل بغباء واضح، أو بكمّ قليل، أو ذلك الذي أعمله لا يفيدُ في شيء تقريباً..

– وقطعاً أفتقر للتركيز، عقلي منقسم بين الأصدقاء وفيسبوك وواتساب، وهذا المقال وذاك الفيديو وتلك الصورة وهذه المقطوعة الموسيقيّة وتلك المشاجرة، قليل التركيز في شيء واحد على الدوام حتى أن إحدى عينيّ لم تعد تتجه في اتجاه الأخرى تماماً. انحراف بسيط جداً يكاد يكون غير ملحوظ للناظر، كأنما العينان طوع خيال صاحبهما تريدان النظر في اتجاهين مختلفين لتساعداه على عدم التركيز..

 

الحقيقة، لا يقين لديّ. ما ذلك الشيء الذي عند تذكّره والعمل فيه أشعر أنني حي جداً وجداً وجداً، حتى لأثب إليه وأتيقظ له من النوم وأسهر بالليالي لفعله؟ هذا لا ينطبق تماماً على الكتابة بعد. قبل قليل وجدتُ في رأسي ومفكراتي الإلكترونية فكرتين جديدتيْن أو ثلاثاً وكنتُ مشتعلاً بالحماس للكتابة فيهن جميعاً والليلةَ الليلةَ، انشغلتُ لدقائق في أمر ما وحضّرت لنفسي العشاء وتعشّيت، وجلست إلى حاسبي وشغلت مقطوعتي.

ثم فراغ. فراغ. فراغ تامّ. يداي لا تتحركان وطاقتي تلاشت فجأة. لا أكتب، لا أكتب وحسب، حتى أن هذا الذي أكتبه ليس فكرة مختزنة بل مجرّد وصف مطوّل للموقف الحاضر. هل هذا شغف بالكتابة؟ هل يمكنني الليلة أن أتخلى عن النوم لأكتب قصة قصيرة؟ لا؟ هل هذا هو ما نسميه شغفاً إذاً؟

 

هل هو هَوَسي المتطرّف بالكمال وحسب؟ الكلّ أو لا شيء؟ هل هذا صحّي؟ يقولون وستقول: لا. قطعاً لا. هل هذه حيرةٌ جديدة تُضاف للقائمة؟ كالعادة، لا أعرف. لا أعرف شيئاً.

 

هل الكتابة ستجلب لي مالاً؟ في المنظور القريب وحسب أي رأي عاقل أو غير عاقل: لا. ليس في مصر. البعض يعيشون ويموتون ولا يكسبون قرشاً مما يكتبون. أنا أستمتع بالكتابة، لكن هل سأستطيع سدّ جوعي بها؟ لا أعرف، لا أعرف بعد. هل قُدِّرَ عليّ أن أتعلم مهنة أكرهها وأكتسب واجهة اجتماعية سخيفة أمقتها فقط لأبقى على قيد الحياة؟ أليست حياة القِطَطِ والحشرات أمتع وأكثر حريّة؟ ما أعرفه الآن أنني أحب الكتابة وما أكتب، وقد أكتبُ حتى أموت –قريباً إن شاء الله كما أرجو-، لكن لا أدري إن كان الموت سيكون إرهاقاً، أم جوعاً، أم مللاً، أم انتحاراً، أم محض حادثة عاديّة كأقرباء (القرموطي) في الفيلم إياه؟ لا أعرف.. والله لا أعرف.

 

الحياة في اللحظة الحالية وللحظة التالية فقط ليست بالحلّ السهل تماماً، لكن لا خيار غيره، حياة منظّف مداخن كما يجب أن تكون، بحلم صغير تافه في أن يكون صاحب البيت الذي ينظّف مدخنته.

 

الفيديوات من موقع Richard S.T. John لمن يرغب:

http://richardstjohn.com/videos/

 

محمّد..