كتابة شبه موسميّة، عن الكتابة.. (4): فلنسكتشف المزاج!

“ملاحظة: هذه التدوينة هي إحدى المحاولات الفاشلة للإفلات من أسر (هكتبها بكرة – هسجل راس الموضوع كمان شوية). الحقيقة أنني كتبتها (بكرة) فعلاً وأنني لم أسجل حتى رأس موضوع. بمعنى أنني لو كنت متّ هذا الصباح لما كان أحد ليعرف ماذا كنتُ لأكتب الليلة. أجرّب الآن –كما قال أحمد فوزي وقالت لبنى- أن أكتب في غموض، وأدع الكلمات تأتي وحدها. طريق المحاربين.”

freelance_writer_writing

متى، وأين، وكيف، وبِمَ، أكتب؟ باختصار: ما هي طقوسي في الكتابة؟

لا إجابة أو إطار ثابت لديّ للأمر. أخبرت الأخّ يونس بن عمارة في حواره معي بخطوط عريضة للأمر: المزاج المناسب – الموسيقى – أداة الكتابة – المكان – إضافات أخرى، وبتفصيلٍ بسيط جداً في كلٍ. أحاول هنا اسكتشاف الأمر أكثر، وإجابة كلّ سؤال:

المزاج المناسب؟ كتبتُ في كلّ حالةٍ مزاجيّة تقريباً، في الفرح والغضب والحزن والاكتئاب والفقد والنجاح والفشل والوفاة، أفضل ما كتبتُ كان في الحزن والفقد والفشل، يليه الفرح والغضب والمزاج المعتدل، لا أكتب أثناء الاكتئاب تقريباً إلا نصوصاً قصيرة كئيبة يتجاهلها عقلي رغماً عنّي الآن. أرى نفسي أكتب أفضل في المزاج المعتدل، هذا يترتّب بشكل كبير على التالي..

الموسيقى؟ يقول بعض عظماء  الكتّاب (منهم ستيفن كينج Stephen King كما أذكر) أنه من الضروري أن تكتب بمعزلٍ عن المشتتات. ما تعريف المشتّتات؟ أغلب ما كتبتُ كتبتهُ تحت تأثير موسيقى الميتال أو الروك على الأقل، قليله مع موسيقى هادئة جداً! ستيفن كينج نفسه قال إنه لا يكتب إلا على الموسيقى الصاخبة جداً. والله كتبتُ مرة أو اثنتين على صوت (سعيد الهوا) حين كان مناسباً للحالة، بل وعلى Five Finger Death Punch وهم ليسوا إلا صرخات ركبت عليها كلمات أغانٍ!

 نخرج من هنا بتعريفٍ بسيط: المشتتات هي كلّ شيء يخرجك عن مزاج الكتابة وحالتها، ولا استثناءات هنالك وقوائم المشتتات لا تتشابه أبداً. مزيد في هذا لاحقاً.

أداة الكتابة؟ الأفضلية المطلقة للكتابة الإلكترونيّة. أكتب أفضل على اللاب توب ثم التابلت، ويستحيل تقريبا أن أكتب على الهاتف، وقليلاً ما أكتبُ على الورق. لماذا؟ اعتياد، لا أكثر. اعتدتُ لكن في أعماقي لا أحبّ الفكرة كثيراً. أي كاتبٍ أنا إن كنتُ لا أستعمل الورق في الكتابة؟ أعود فأقول: الأمر لا قاعدة ثابتة له، يهمني أن أكتب وأكتب، وأن أرضى عما أفعل. وقتيّاً على الأقل. لا فقدان للأصالة هناك ولا ضعف ولا نقص في التركيز أو الفعل، لا اختلاف بل وراحة تامة، فَلِمَ لا؟

المكان؟ لا أفضلية لمكانٍ على الآخر، كتبتُ أمام اللاب توب وفي غرفتي صباحاً ومساءاً، وفي الكليّة تحت أشعة الشمس وتحت أضواء أعمدة الإنارة، وفي (ميركاتو) مقهاي المفضّل وفي مقاهٍ بلديّة وفاخرة، بل وفي القطار وفي ميدان التحرير، في كلّ مكان اعتدتُ زيارته تقريباً. يهمّني هنا فقط القدرة على الكتابة، والمزاج الذي قد يتيحه المكان. إن كان المكان يقدّم لي تلميحاً للكتابة فلا مانع، وليس شرطاً. لستُ انتقائيّاً جداً ها هنا.

النسكافيه؟ الشاي؟ البسكويت؟ الشات؟ مواقع ومهامّ أخرى؟ اللهم نعم. شرب النسكافيه أثناء الكتابة مزاج مصطنع نوعاً، لكن كثرة الاصطناع تخلق حقيقةً ما، ولا أمانع. لا أمانع من النسكافيه في أيّ لحظة. لا أمانع من مهام أخرى، مع الاعتراف أنها تفقدني طاقتي وتركيزي أكثر الوقت، لكن صدقاً لا أمانع. ربما هذه ليست مما أعتبره مشتّتات.

 

حسناً، الخلاصةُ من هذا كلّه؟ مزاجُ الكتابة المناسب بالضبط، وإقصاء المشتّتات. الأمران نسبيّان تماماً حتى بالنسبة للشخص الواحد، يهمّنا هنا أن نكتب. هل الأمر له علاقة بالموضوع؟ أحياناً، المقالات الجادة والبحثيّة والإنتاجية تحتاج تركيزاً أعلى لا يتوافر في الشارع قطعاً، التدوينات العاديّة والخواطر كتابتها حتى في جحر ضبّ ليست مشكلة. المشكلة الحقيقيّة في الكتابة في قطار، صخب وحركة لا تنقطع ومشهد متغيّر كلّ ثانية. المشتّتات؟ ما تعريف المشتّتات؟ أيّ شيء يقصيك عن مزاج الكتابة، فقط، اترك المجال لمزاجك أنت ليحدد، وافعل ما تشاء ولا عيب أو خطأ ها هنا.

 

هل الكتابة قيد؟ هل هي التزام؟ التزام نعم، لكن ليست قيداً. ليس كلّ التزام قيداً ولا يصحّ العكس. الكتابة تحررك، تشكّلك، تضيف إليك، تحطّمك وتدمّرك وتعيد بناءك، أنت هنا النحات والإزميل بيدك وحجارة الجبل كلّها أمامك، ولا قيود. امضِ وسينحفر الطريق تحت قدميك. فقط حاول أن لا تترك الإزميل.. لا تترك السيف من يدك. طريق المحاربين يحتمل الانحراف والشطط والتجارب، لكن لا يحتمل –طويلاً- القعود، ولا يحتمل الرجوع أبداً.

ما تزال محاولة الاستكشاف ناقصة لا ترضيني، وقطعاً ما تزال للحديث بقيّة.. (تحيّة خاصّة مهداة إلى العظيم آيزاك أزيموف، ما امتدّت هذه السلسلة..)

 

محمّد..

18— على سبيل الامتنان وليس أكثر..

image

كوبي المفضل، نسكافيه، وماء يغلي في غلاية كهربية من تلك التي يدعون أنها تسرق الكهرباء. منزلنا في عصر الأحد 21 سبتمبر 2014.

أشياء بسيطة متكررة حد الروتين تحولت إلى جزء لا ينفصل عن يومنا، ولا أكاد الآن أتخيل عالماً من دونها. عصارة الأفكار : النسكافيه، ودقائق انتظار غليان الماء تلك الدقائق القيمة، ثم لحظة النشوة الخفيفة والانتصار عند سكب الماء الساخن في الكوب.

ولأن المرء مؤخراً تعلم الامتنان للتفاصيل، لا أقدم هنا سوى شكر بسيط لهذا كله.

محمد..